حذّر الخبير في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، من تصاعد الخطاب الإسرائيلي الداعي إلى تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن إسرائيل تعمل، وفق تقديره، على تحويل الضفة إلى بيئة طاردة للسكان من خلال الأزمات الاقتصادية، والتضييق على حركة الفلسطينيين، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، بما يدفع بعض السكان إلى مغادرة مناطقهم، سواء باتجاه مدن فلسطينية أخرى أو إلى خارج الأراضي الفلسطينية.

وأوضح مناع في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لم تكن قد حُسمت بصورة نهائية وقت إجراء المقابلة، ما يجعل من الصعب التنبؤ بطبيعة الحكومة المقبلة وسياساتها تجاه الفلسطينيين، سواء تشكلت حكومة وحدة وطنية برئاسة محتملة لإيزيكوت وبنيامين نتنياهو، وفق السيناريو الذي طرحه، أو حكومة تقوم على التناوب بين أطرافها.

لكنه أكد أن أي تغيير محتمل في السياسة الإسرائيلية قد يقتصر على بعض التفاصيل والهوامش، في حين تبقى القضايا الجوهرية المتعلقة بالفلسطينيين محل توافق واسع بين الأحزاب الإسرائيلية، وفي مقدمتها الاستيطان، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، والموقف من إقامة دولة فلسطينية، ومستقبل المستوطنات والمستوطنين، والسياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، بما فيها السيطرة على أجزاء منه.

التهجير في الخطاب اليميني.. مخططات تواجهها معيقات

وأشار مناع إلى أن بعض تيارات اليمين الإسرائيلي باتت تتحدث علنًا وبكثافة عن تهجير الفلسطينيين، معتبرًا أن هذه التصريحات قد تعكس توجهات ورؤى يمكن أن تتحول إلى مخططات تنفيذية، لكنها لا تعني بالضرورة أن تنفيذها سيكون سهلًا أو ممكنًا دون عوائق.

وأوضح أن هناك عوامل رئيسية تحول دون تنفيذ مخططات التهجير، في مقدمتها الرفض الفلسطيني القاطع لتكرار تجربة النكبة، والتمسك بالبقاء والعودة إلى المنازل، إلى جانب الرفض العربي، ولا سيما من مصر والأردن، لأي مخططات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم.

ولفت إلى أن محاولات الفلسطينيين العودة إلى منازلهم في مخيمات شمال الضفة الغربية، إلى جانب التحركات التي شهدتها مناطق أخرى، تعكس تمسك السكان بأرضهم ورفضهم مخططات التهجير والإزاحة.

وشدد مناع على أن مسألة التهجير لا ترتبط بإسرائيل وحدها، بل تتداخل فيها عوامل فلسطينية وعربية ودولية، من بينها الموقف الأميركي، ما يجعل تنفيذ أي مخطط واسع النطاق مرتبطًا بتوازنات سياسية وميدانية تتجاوز القرارات الإسرائيلية وحدها.

تحويل الضفة الغربية إلى بيئة طاردة

وفي تفسيره للوسائل التي قد تعتمدها إسرائيل لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، قال مناع إن الضفة الغربية تشهد ضغوطًا متعددة تشمل الأزمات الاقتصادية، وأزمات الوقود، والتضييق غير المسبوق على حركة الفلسطينيين وتنقلهم، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين.

وأضاف أن تضافر هذه العوامل يسهم في جعل الحياة أكثر صعوبة في عدد من المناطق، بما قد يدفع بعض السكان إلى الانتقال منها، وهو ما وصفه بمحاولة لفرض الهجرة تحت مسمى «الهجرة الطوعية»، رغم أن الظروف الميدانية والضغوط المحيطة بالسكان قد تحدّ من قدرتهم على اتخاذ قرار حر بشأن البقاء أو المغادرة.

ورأى أن الخطاب الإسرائيلي المتصاعد بشأن التهجير ينبغي ألا يُقرأ بمعزل عن الإجراءات المتخذة على الأرض، إذ يمكن أن تتكامل التصريحات السياسية مع ممارسات ميدانية واقتصادية وأمنية تؤدي تدريجيًا إلى إفراغ بعض المناطق من سكانها.

التهجير الداخلي يتقدم على سيناريو التهجير الجماعي

وفرّق مناع بين التهجير الجماعي للفلسطينيين إلى خارج الضفة الغربية، وبين عمليات التهجير الداخلي التي تستهدف دفع السكان إلى مغادرة قراهم ومناطقهم الأصلية والانتقال إلى مناطق أخرى.

وأوضح أن إسرائيل مارست، منذ ما قبل السابع من أكتوبر، ضغوطًا على التجمعات البدوية الفلسطينية، قبل أن تتصاعد هذه الضغوط بعد ذلك التاريخ، من خلال ممارسات المستوطنين والجيش الإسرائيلي.

وبحسب مناع، أدت هذه الممارسات إلى تهجير تجمعات سكانية ونقل سكانها إلى مناطق أخرى، في إطار ما وصفه بعمليات الإزاحة والتهجير الداخلي في الضفة الغربية.

وأشار كذلك إلى أن قرى، من بينها المغير، تتعرض لضغوط متواصلة، لافتًا إلى أن بعض السكان يضطرون إلى الانتقال من قراهم إلى المدن نتيجة الظروف التي يواجهونها، وهو ما اعتبره أحد أشكال التهجير الداخلي حتى في الحالات التي لا يغادر فيها الفلسطينيون الضفة الغربية بصورة نهائية.

وأكد أن هذا النمط من التهجير يستدعي الانتباه إلى طبيعة الضغوط التي يتعرض لها السكان، وعدم حصر مفهوم التهجير في عمليات النقل الجماعي المباشر عبر الحدود.

الاستيطان واعتداءات المستوطنين أدوات للضغط على السكان

وأوضح مناع أن التركيز الإسرائيلي في المرحلة الراهنة ينصب، وفق تقديره، على مناطق محددة تسعى إسرائيل إلى السيطرة عليها، ولا سيما المناطق المحاذية للمستوطنات أو الواقعة ضمن نطاق المشاريع الاستيطانية الكبرى.

وأضاف أن استخدام المستوطنين والجيش، إلى جانب القيود والتضييقات المفروضة على السكان، قد يدفع الفلسطينيين إلى مغادرة هذه المناطق تدريجيًا، بما يتيح توسيع السيطرة الإسرائيلية عليها.

واعتبر أن ما يجري في بعض التجمعات الفلسطينية ومخيمات شمال الضفة الغربية يمكن قراءته ضمن سياق أوسع من الضغط على السكان وإعادة تشكيل الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة، مع اختلاف الظروف والتفاصيل من منطقة إلى أخرى.

وشدد على ضرورة التمييز بين التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بالتهجير الجماعي وبين السياسات والإجراءات التي تؤدي فعليًا إلى تهجير السكان داخل الضفة الغربية، مؤكدًا أن الشكل الثاني يمثل أحد أبرز التحديات القائمة على الأرض.

مؤشرات تستدعي المتابعة الميدانية

وفي ما يتعلق بالمؤشرات التي ينبغي مراقبتها للتمييز بين الخطاب الانتخابي والتحضير الفعلي لسياسات التهجير، تبرز، وفق التحليل الذي قدمه مناع، متابعة أوضاع التجمعات البدوية والقرى الواقعة قرب المستوطنات، ورصد تصاعد اعتداءات المستوطنين، وقيود الحركة، والضغوط الاقتصادية، وحالات انتقال السكان من مناطقهم الأصلية.

كما تكتسب متابعة الإجراءات العسكرية الإسرائيلية في محيط المخيمات والقرى الفلسطينية أهمية خاصة، إلى جانب رصد أي تغييرات في أنماط السيطرة على الأراضي أو في الظروف التي يعيشها السكان، لمعرفة ما إذا كانت هذه الإجراءات تؤدي إلى إزاحة السكان بصورة متدرجة.

وخلص مناع إلى أن التهجير لا يقتصر على سيناريو إخراج الفلسطينيين جماعيًا إلى خارج وطنهم، بل قد يتخذ أشكالًا تدريجية تبدأ بفرض ظروف معيشية وأمنية قاسية، وتدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم، الأمر الذي يستدعي مراقبة التطورات الميدانية والسياسات الإسرائيلية بعيدًا عن الاكتفاء بتصريحات المسؤولين والخطاب الانتخابي.