الكاتب: د. حسن أبولبده

خلاصة القول: تسعة عشر مقعداً، أحد عشر للمشتركة وثمانية للموحدة، أي ضعف ما كان للفلسطينيين في الكنيست المنتهية ولايته تقريباً.  ولا يملك نتنياهو بثلاثة وخمسين مقعداً ولا آيزنكوت بثمانية وأربعين أغلبيةً دون أن يحسب حساب هذا الوزن.  السؤال الآن ليس هل صوّت الداخل، بل كيف يبقى هذا الصوت قوة لا موجة.

في أم الفحم قفزت نسبة التصويت من 38% عام 2022 إلى 70%، وفي رهط من 61% إلى 80%، فيما ارتفعت النسبة العامة إلى 77.7%، وهي الأعلى منذ 1999.  هذه ليست أرقام اقتراع عادية.  إنها جواب جماعي على حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريش، قاله أهلنا في الداخل بالورقة بدل الشارع: نحن هنا، ولن نُستبعد من المعادلة.  وبتسعة عشر مقعداً، أي نحو ستة عشر بالمائة من مقاعد الكنيست، أثبتوا أن الوزن الانتخابي سلاح دفاعي وهجومي فعّال حين يُحسن استخدامه.

من يعرف الداخل يعرف أن الطريق إلى الصندوق لم يكن معبّداً.  سنوات من الإحباط والمقاطعة، وعام 2025 وحده حمل 252 قتيلاً في جرائم القتل داخل المجتمع العربي، وهو الأعلى في تاريخه.  وفي ظل وزير «أمن قومي» أدانته محكمة إسرائيلية عام 2007 بالتحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية، اسمه بن غفير، تحوّل الشعور بأن الدولة تركت هذه الدماء تسيل إلى قناعة عامة لا تحتاج إلى برهان.  الناس الذين يشيّعون أبناءهم كل أسبوع تقريباً، والأسر التي تُلقى في الشارع بعد هدم بيوتها المبنية على أملاكها الخاصة، لم يذهبوا إلى الاقتراع حباً بالكنيست.  ذهبوا لأن البقاء خارجه صار أغلى ثمناً.

فزعة أم تحوّل؟

هل هي فزعة عابرة صنعها الخوف، أم تحوّل دائم؟  الجواب لم يُكتب بعد، ويكتبه ما سيجري في السنة الأولى.  فالصوت الذي لا يتحول إلى سكن مرخّص وأرض للبناء ومدرسة أفضل ووظيفة لائقة ومساواة سياسية وإدارية كاملة، سيعود في الانتخابات القادمة إلى البيت.  ولمنع ذلك، المطلوب استراتيجية يبلورها النواب بالشراكة مع المجتمع الفلسطيني في الداخل، بممثليه في مؤسساته، ومثقفيه وكتّابه ورؤساء بلدياته، تتجاوز منطق الفزعة إلى تخطيط طويل الأمد.  أي أن تتحول الهبّة إلى مشاركة سياسية راسخة، لا ردّ فعل على أزمات اليمين.  وإلى تمثيل نيابي لمصلحة شعبنا، لا لأحزاب مغلقة على نفسها لا يهمها إلا كراسيها.

قد يقول قائل إن المشاركة في انتخابات الكنيست تجميل لمنظومة لا تعترف بنا أصلاً، وإن المقاطعة أنظف موقفاً.  وهذه حجة لها وجاهتها، ولا أستخفّ بها.  لكن المقاطعة لم توقف جرافة واحدة في النقب، ولم تُسقط قانوناً، ولم تُعِد شرطياً واحداً إلى حيّ يحكمه السلاح.  الصوت داخل الكنيست ليس اعترافاً بشرعية المشروع الصهيوني، بل أداة في معركة البقاء، وهذه معركة تُخاض بكل الأدوات المتاحة.  ومن يقاطع يترك المقعد لغيره، وبالتأكيد لن يجلس عليه من يدافع عن شعبنا.

لتبدأ الأحزاب بنفسها، ولتراجع أداءها بلا مجاملة، ولتضع التمثيل الأمين لمصالح المجتمع الفلسطيني فوق الحسابات الحزبية الضيقة.  ولترجمة اقتراحنا بمأسسة الهبّة الانتخابية، تحتاج القوائم الحزبية في المشتركة والموحدة إلى منصة تنسيق وتشاور دائمة، لا تُستدعى قبل الانتخابات وتُنسى بعدها، تعلو على الخلافات الأيديولوجية والنزاعات الحزبية.  وبذلك تتفرغ لتحقيق الإنجازات المنتظرة، ومهمتها الأولى حماية أبناء شعبنا من منظومة يمينية تريد اقتلاعهم وتهميشهم.  والثانية إسقاط ما شرّعته الحكومات المتعاقبة ضدهم.  من قانون كامينيتس عام 2017، الذي جعل هدم البيوت العربية إجراءً إدارياً سريعاً، إلى قانون القومية عام 2018 الذي حصر حق تقرير المصير في اليهود وحدهم، وغيرهما من القوانين العنصرية التي تستهدف وجود شعبنا وحقوقه.  ومن صنعوا المقاعد التسعة عشر ينتظرون أن تتكرّس هذه القوة، حتى تنتزع في النهاية اعترافاً تاماً بحقوقهم السياسية والأصلية كفلسطينيين في وطنهم التاريخي.

وأياً كان نصيب كل قائمة من المقاعد في الإعلان الرسمي للنتائج، فالقضايا الجوهرية تتقدم على أي تنافس حزبي، وهي الاعتراف بالهوية الوطنية، وتحقيق المساواة التامة أمام القانون، وتكافؤ الفرص في التعليم والخدمات والسكن.  ولكي لا يتبدد هذا الزخم، يحتاج الداخل إلى هيئة مستقلة تراقب التزام النواب المنتخبين بما وُعد به شعبنا.  ونموذج «لجنة الوفاق الوطني» يصلح لهذه المهمة.  فهي التي رتّبت تركيبة «القائمة المشتركة» لانتخابات الكنيست، بعدما وكّلها رسمياً رؤساء «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» و«التجمع الوطني الديمقراطي» و«الحركة العربية للتغيير».  ويمكن للقائمتين، المشتركة والموحدة، أن تفوّضاها اليوم بمهمة أخرى: الرقابة الشعبية على النواب.  ماذا وعدوا؟  كيف صوّتوا؟  أين غابوا؟  وهل دافعوا بصلابة عن الحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف؟

الورقة الرابحة ودرس 2020

وهنا بيت القصيد.  أمام القائمتين ورقة لم تملكاها من قبل: لا حكومة بديلة دون أصواتهما، ما لم يطلب ترمب حكومة وحدة وطنية. نعلم أن آيزنكوت يرفض الشراكة مع "العرب".  لكن دعماً من خارج الائتلاف، لعام واحد مثلاً، ومشروطاً بمطالب مكتوبة في السكن والتخطيط ومكافحة الجريمة، يكسر احتكار اليمين لمراكز القرار ويقطع الطريق على نتنياهو وشركائه.  ولا يعني ذلك صمتاً عن الاحتلال والاستيطان والحرب، فهي صفقة على الملفات المدنية، لا صكّ براءة لأحد.  وبعد العام، لكل حادث حديث.  وأرى أن الكرة ليست في ملعبنا وحدنا.  على آيزنكوت أن يقرر: هل يريد إسقاط نتنياهو فعلاً، أم يكفيه أن يبدو بديلاً؟  من يرفض أصوات خُمس المواطنين ثم يشكو عجزه عن تشكيل حكومة، يختار الفشل بيديه.

الشرط المكتوب ليس ترفاً.  في آذار 2020 حصدت المشتركة خمسة عشر مقعداً وأوصت بغانتس رئيساً للحكومة، فلم تمضِ أسابيع حتى دخل غانتس حكومة واحدة مع نتنياهو، وخرجنا من المولد بلا حمّص.  وفي 2021 جرّبت الموحدة طريقاً آخر، فدخلت ائتلاف بينيت ولابيد بشروط محددة، وانتزعت خطة خمسية للمجتمع العربي بنحو ثلاثين مليار شيكل، والاعتراف بثلاث قرى في النقب.  الفرق بين التجربتين لم يكن في عدد المقاعد، بل كان في الورقة الموقّعة قبل التصويت.

المطلوب أن تصير هذه المشاركة الكثيفة والواعية قاعدة لا استثناء.  فشعبنا في الداخل أقلية وطنية أصلية لا طارئة، وحقوقها في وطنها لا تقبل المساومة.  أقلية لا تستجدي المساواة، بل تطالب بها بوزنها.  والفرق بين الاستجداء والمطالبة هو بالضبط تسعة عشر مقعداً.

وماذا بعد؟  التسعة عشر مقعداً اختبار وليست إنجازاً نهائياً.  المطلوب الآن أن تتفق القائمتان على ورقة مطالب واحدة قبل مشاورات الرئيس، وأن تُحاسَب على تنفيذها بعد عام.  التحية لأهلنا في الداخل مستحقة، والمحاسبة أيضاً.