كشفت احتجاجات "جيل زد" التي شهدتها عشرات المدن الألمانية في عطلة نهاية الأسبوع عن اتساع فجوة القلق بين الشباب وصناع القرار. فقد نزل عشرات الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بتحسين التعليم، وتعزيز حماية المناخ، ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، في حراك اتسم بالسلمية في معظمه. لكن أعمال شغب اندلعت لاحقاً، خصوصاً في فرانكفورت، ألقت بظلالها على الرسائل الأساسية للاحتجاجات وحوّلت النقاش العام من مطالب الشباب إلى الأمن والعنف.

من مطالب اجتماعية إلى معركة أمنية

أدت المواجهات وأعمال العنف والتخريب التي شهدتها فرانكفورت ومدن أخرى مثل كولونيا وهامبورغ إلى إصابة أكثر من مئة شرطي وتخريب ونهب عدد من المتاجر، ما دفع السلطات إلى التركيز على الجانب الأمني. وأكدت الحكومة الألمانية أنها ستتعامل بحزم مع المتورطين، فيما ارتفعت الأصوات المطالبة بتشديد العقوبات على جرائم الشغب والاعتداء على الشرطة.

غير أن السؤال الأبرز لم يعد يتعلق فقط بالعنف، بل بالجهة المسؤولة عنه، وهو ما فتح باباً جديداً للجدل السياسي.

الهجرة في قلب الجدل

بعد الأحداث، ربط عدد من المسؤولين المحافظين، بينهم وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت ووزير داخلية ولاية هيسن رومان بوزيك، بين بعض أعمال الشغب وشباب من أصول مهاجرة، معتبرين أن من الضروري مناقشة هذه المسألة بصراحة وعدم تجاهلها. ويرى أصحاب هذا الموقف أن فهم الخلفيات الاجتماعية والاندماجية لبعض المتورطين المفترضين ضروري لمنع تكرار الأحداث.

في المقابل، رفضت شخصيات بارزة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر واليسار هذا الطرح، محذرة من التعميم على ملايين المواطنين من ذوي الخلفيات المهاجرة. واعتبر هؤلاء أن تحويل النقاش نحو أصول الجناة المحتملين يهدد بحجب الأسباب الحقيقية للاحتجاجات، ويغذي الاستقطاب السياسي أكثر مما يقدم حلولاً.

أزمة اندماج أم أزمة مستقبل؟

وأظهرت التصريحات السياسية انقساماً حول تفسير ما حدث. فبينما رأت وزيرة التعليم كارين برين أن بعض الأحداث تفرض نقاشاً حول تحديات الاندماج وأسباب انجذاب بعض الشباب إلى العنف، شددت في الوقت نفسه على أن القضية الأساسية تظل الاستماع إلى مخاوف جيل كامل يشعر بالقلق على مستقبله.

أما مفوضة الاندماج ناتالي بافليك فدعت إلى تجنب الأحكام الجماعية، مؤكدة أن الجريمة يجب أن تُحاسب بصرف النظر عن الخلفية العرقية أو الثقافية، مع ضرورة البحث في عوامل مثل التهميش وضعف الفرص التعليمية والاجتماعية إذا ثبت وجود تمثيل أكبر لفئات معينة بين المتورطين.

المعارضة: الحكومة تتهرب من الرسالة الأساسية

اتهمت أحزاب الخضر واليسار الحكومة بالتركيز على أعمال الشغب أكثر من تركيزها على الأسبابالتي دفعت الشباب إلى الاحتجاج. وبحسب هذا الطرح، فإن النقاش حول "الخلفية المهاجرة" لبعض المشاركين لا يجيب عن أسئلة السكن وغلاء المعيشة وجودة التعليم ومستقبل الأجيال الشابة.

ويرى منتقدو الحكومة أن العنف، رغم خطورته، ارتكبه عدد محدود من الأشخاص بعد انتهاء المظاهرات، ولا ينبغي أن يؤدي إلى تشويه صورة عشرات الآلاف ممن خرجوا بشكل سلمي.

ميرتس يحاول الجمع بين الموقفين

وسعى المستشار فريدريش ميرتس إلى تبني موقف وسط يجمع بين التشدد الأمني والاعتراف بمشروعية مطالب الشباب. فمن جهة، أكد عدم التسامح مع الاعتداء على الشرطة أو أعمال النهب والتخريب، ومن جهة أخرى اعتبر أن الاحتجاجات السلمية تعكس اهتماماً سياسياً متزايداً لدى الشباب وقلقاً مشروعاً بشأن المستقبل.

وبذلك تحاول الحكومة الفصل بين المحتجين السلميين ومثيري الشغب، مع الإقرار بوجود ملفات مزمنة، وعلى رأسها الإسكان والتعليم والعدالة بين الأجيال.

ما الذي ينتظر ألمانيا؟

اللافت أن السجال لم ينته مع انتهاء الاحتجاجات. فالمبادرة المنظمة أعلنت مواصلة التحركات خلال الأسابيع المقبلة، بينما تستعد السلطات للإبقاء على الإجراءات الأمنية المشددة. وأعلنت مبادرة "جيل زد ينظم" (Gen Z regelt)، عزمها مواصلة الاحتجاجات، مع التركيز على المشاركة في التحركات الأوروبية المقررة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني، والذي دعت خلاله عدة منظمات أيضاً إلى تنظيم "اليوم الدولي لإضراب الشباب". فيما أكد وزير الداخلية الألماني دوبرينت الإبقاء على الخطة الأمنية خلال الفعاليات المقبلة، بما فيها "اليوم الدولي لإضراب الشباب".