فرانسيسكا موسى
ما الشكُّ إلّا سوسةٌ في جذر الوداد،
تسري بصمتٍ، لا تُرى،
حتّى يُصبح الغصنُ بعد اخضراره رماداً.
ينخرُ جذور الروح دون ضجيجٍ،
ويأكلُ من يقين القلب حتّى لا يُبقي له سنداً،
ويتركُ الحُبّ واقفاً في ظاهره،
ميّتاً في أعماقه، مُنتظراً اندثاره.
هو أن ترى في الصمت ألف خيانة،
وفي الغياب ألف رواية،
وفي تغيّر نبرةٍ دليلاً،
وفي عفويّة الحبيب جناية.
هو أن تُقيم على الحبيب محكمةً،
وتجعل من خوفك قاضياً،
ومن ظنّك شاهداً،
ومن أوهامك حُكماً لا يُردّ.
وأن تُطالب قلباً بالبراءة كلّ يوم،
عن ذنبٍ لم يقترفه،
وأن تُرهق روحاً كانت كلُّ جريمتها
أنّها أحبّتك دون حساب.
ويا لوجه من يُحبُّ مُرتاباً،
يُعطيه قلبه فيُقابله بالتفتيش،
ويُهديه صدقه فيُطالبه بالدليل،
ويفتحُ له أبواب روحه
فيظلُّ واقفاً على العتبة مُتّهماً.
فما أقسى أن تُصبح الطمأنينةُ مطلباً،
وأن يغدو الصدقُ عبئاً على صاحبه،
وأن يُستنزف قلبٌ في إثبات ما هو عليه،
حتّى ينسى كيف كان يُحبّ.
فالشكُّ لا يقتلُ الحُبّ دفعةً،
بل يسرقُ منهُ عمّره قطرةً قطرة،
حتّى لا يبقى من الوداد سوى اسمه،
ولا من العهد سوى ذكرى،
ولا من الروح سوى تعبها القديم.
وأشدُّ ما في المأساة أنّ من يُحبُّ
قد يدفن في الحُبّ قبل أن يُفارقة؛
فلا هو استطاع الرحيل عمّن أحبّ،
ولا استطاع العيش في جوار من لا يصدّقُه.
وهكذا يموتُ الحُبُّ على يد الشكّ؛
لا بسيف عدوّ، ولا بغدر غريب،
بل بيد قلبٍ كان يخشى أن يُخان،
فخان الطمأنينة،
وقتل ما كان يخشى فقدانه.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر