قد يحتفظ الصقر بقدرته على التحليق آلاف الكيلومترات، لكنه يفقد، عند الوصول، المكان الملائم لبناء عشه أو الغذاء الضروري لإطعام فراخه. هكذا يتسلّل التغير المناخي إلى حياة هذه الجوارح: عبر حرارة الصيف، ومواعيد ذوبان الثلوج، والأمطار، وتبدّل الظروف التي تعيش فيها فرائسها. وتشير الأبحاث إلى أن الاحترار المناخي يستطيع إعادة رسم خريطة انتشار بعض الصقور، لكنّه لا يدفع جميع الأنواع في اتجاه واحد، ولا بالسرعة نفسها. فبينما رُصدت تغيرات فعلية في توقيت التكاثر ونجاحه، تبقى أجزاء مهمة من خريطة الانتشار المستقبلية توقعات علمية مشروطة بمسار الانبعاثات.

 

 

 

الجير: إلى الشمال... ولكن إلى أين؟

يقدّم صقر الجير، المرتبط بالبيئات القطبية، مثالاً واضحاً. ففي دراسة نُشرت في مجلة "إيكولوجي آند إيفولوشن" في شباط/فبراير 2026، جمع باحثون بين تحليل الجينوم ونمذجة التوزيع المناخي، لدراسة جماعات من هذا الصقر في شبه جزر كولا ويامال وتشوكوتكا، شمال أوراسيا.

توقعت النماذج انتقال المناطق الملائمة مناخياً لجير كولا شمالاً، وتقلّص مساحتها بحلول عام 2100 بنحو 66.7% في سيناريو انبعاثات متوسط، وبأكثر من 90% في سيناريو انبعاثات مرتفع جداً. وهذه نسب تخصّ المساحة الملائمة مناخياً للجماعة المدروسة؛ فلا تعني انخفاض أعداد الجير عالمياً بالمقدار نفسه، ولا تمثّل خسائر حدثت بالفعل.

ويشدّد فريق الدراسة، الذي يضم الباحثين شين ليو وشيانغجيانغ تشان، على أن التوقعات تحمل أوجه عدم يقين مرتبطة بالنماذج المناخية. لكنه يحذّر من اجتماع انكماش الموائل مع هشاشة وراثية لدى الجماعات المدروسة. كذلك، لا تنفصل استجابة الجير عن غذائه: فنجاح تكاثره مرتبط بتوافر طيور الطيهوج، ومنها الترمجان، ما يجعل تغير بيئة الفرائس طريقاً إضافياً لوصول أثر المناخ إليه.

أما الشاهين، فتظهر البحوث أن مساراته الطويلة ليست ثابتة إلى الأبد. دراسة نشرتها "نيتشر" في عام 2021 تتبّعت بالأقمار الاصطناعية 56 شاهيناً من ست جماعات تتكاثر في القطب الشمالي الأوراسي، وحدّدت خمسة مسارات للهجرة. وتوقعت أن يغيّر الاحترار استراتيجيات الهجرة ويقلّص نطاقات التكاثر لدى هذه الجماعات. وفي شرحهم للنتائج، يرى تشان وزملاؤه أن التغير المناخي البشري قد يعيد تشكيل التوزيع والسلوك الهجري خلال زمن أقصر بكثير من التحولات المناخية القديمة التي ساهمت في نشوء هذه المسارات.

 

ربيع أبكر لا يضمن فراخاً أكثر

قبل أن تتبدّل الحدود الجغرافية، قد يتغير التقويم البيولوجي. ففي دراسة واسعة نشرتها "غلوبال تشينج بيولوجي" في عام 2026، حلّل الباحثون 5546 سجلاً للفقس لدى الشاهين و2241 لدى الجير، من 11 موقعاً للأول وتسعة مواقع للثاني، موزّعة حول القطب الشمالي. ورصدوا اتجاهاً إلى الفقس المبكر في خمسة مواقع للجير وأربعة للشاهين، مع اختلافات بين المناطق وعدم تحرك جميع المواقع في الاتجاه نفسه.

وتفسّر مؤسسة "صندوق الشاهين"، المشاركة في البحث، الفارق بأن الجير المقيم قرب مناطق تكاثره يستطيع الاستجابة للظروف المحلية مباشرة، بينما يصل الشاهين المهاجر من مناطق بعيدة، وتقيّده بدرجة أكبر مواعيده السنوية. لكن الدفء ليس مكسباً صافياً: تشير الدراسة إلى ارتباط حرارة الصيف بتراجع الإنتاجية، خصوصاً لدى الشاهين، وتطرح الإجهاد الحراري للفراخ تفسيراً محتملاً يحتاج إلى بحث أدق. فقد يصبح موقع التعشيش الدافئ والمكشوف، المفيد في الربيع، شديد الحرارة صيفاً.

والخطر لا يأتي من الحرارة وحدها. ففي دراسة تجريبية منشورة عام 2014 عن الشاهين في القطب الشمالي الكندي، تسبّبت الأمطار مباشرة في أكثر من ثلث وفيات الفراخ المسجّلة. وبرز أثر العواصف التي بلغ هطولها ثمانية مليمترات يومياً أو أكثر، فيما ارتفعت فرص نجاة الفراخ التي حمتها صناديق تعشيش من المطر.

ويرى الباحثون ألكسندر أنكتيل وألاستير فرانك وجويل بيتي أن ازدياد تكرار الأمطار الغزيرة كان عاملاً مهماً في تفسير تراجع بقاء الفراخ والإنتاجية السنوية للجماعة المدروسة. بذلك، قد يواجه الصقر آثار الاحترار عبر البلل وفقدان حرارة الجسم، لا عبر الحر المباشر وحده.

الصقر الحر والمنطقة العربية: الماء والغذاء أيضاً

بالنسبة إلى الصقر الحر، لا تكفي مراقبة ميزان الحرارة لفهم خريطته. فقد خلص الباحثان لوك ساتون وروبرت بوشندورف، في دراسة بمجلة «إيبيس»، إلى أهمية هطول الأمطار خلال أدفأ فصول السنة في تحديد ملاءمة مناطق التكاثر، وأهمية الحرارة خلال أكثر الفصول رطوبة في مناطق الشتاء. وأوصيا بمسوحات ميدانية في المناطق التي تتوقع النماذج ملاءمتها، بدلاً من اعتبار التوقع دليلاً على وجود الصقور فعلاً.

وتضيف دراسة نُشرت في "ساينتيفيك ريبورتس" في عام 2026 عن مناطق اشتاء الحر في إيران بُعداً إقليمياً: استناداً إلى 193 نقطة رصد، كان الهطول السنوي أهم المتغيرات المستخدمة في التنبؤ بالتوزيع، بمساهمة بلغت 41%، يليه مؤشر اخضرار الغطاء النباتي بـ21%. ولا تعني هذه النسب أن المطر يسبّب 41% من وجود الصقور، بل تصف أهميته داخل النموذج. كما أظهرت الدراسة تداخلاً بين موائل ملائمة قرب الخليج وخليج عُمان ومناطق مرتفعة المخاطر للاصطياد غير المشروع.

بالنسبة إلى لبنان والمنطقة العربية، تفرض هذه النتائج سؤالاً رصدياً قبل إطلاق الأحكام: هل تتغير مواعيد مرور الصقور، ومدة بقائها، وأعدادها، بالتزامن مع تغير المطر والحرارة والفرائس؟ لا تثبت الدراسات المذكورة تحولاً محدداً في خريطة الصقور اللبنانية، لكنها توضح نوع البيانات اللازمة لاختباره: سجلات متصلة لسنوات، وتتبع للحركة، ومراقبة للموائل والغذاء والضغوط البشرية.

الحرارة قادرة، إذاً، على تغيير خريطة الصقور، لكن حماية هذه الطيور تتطلب النظر إلى دورة حياتها كاملة. فالموطن البديل لا يصبح ملاذاً لمجرد أنه أبرد؛ يجب أن يتيح التعشيش والغذاء والعبور الآمن. وقد يستطيع الصقر تغيير وجهته، فيما تظلّ فرص بقائه رهينة ما ينتظره عند الوصول.