الجزء الثاني: الضغط والتكيّف
تناولنا في الجزء الأول تنوّع أدوات الإكراه التي استخدمتها الولايات المتحدة تاريخيًا في سياستها الخارجية تجاه خصومها، بين القوة العسكرية والقيود والضغوط المالية والاقتصادية، تبعًا لطبيعة الصراع والأهداف المرجوّة. ومع ذلك، ظلّت فاعلية هذه الأدوات مرتبطة بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية التي استُخدمت من أجلها، وهو ما أظهرته تجارب فيتنام وكوبا والعراق، وصولًا إلى الحالة الإيرانية التي نسلّط الضوء عليها في هذا الجزء.
ايران والولايات المتحدة الأميركية : من الحليف الاستراتيجي الى العدو الإقليمي
مع انتصار الثورة الاسلامية الإيرانية سنة 1979م على نظام الشاه محمد رضا حليف إيران الاستراتيجي للولايات المتحدة في منطقة غرب أسيا وإسقاطه، اخذت العلاقات بين البلدين شكلاً مختلفاً كلياً عما كان سائداً قبل هذا التاريخ، وسرعان ما تفاقمت بعد عملية احتجاز الرهائن في 4 تشرين الثاني من العام نفسه وادى ذلك الى قطيعة دبلوماسية ومباشرة اعتماد الضغوط المالية على ايران مع تجميد اصول ايرانية من قبل الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وهذا ما اشارت اليه وثائق وزارة الخارجية الأميركية حول ازمة الرهائن، وخلال الحرب العراقية–الإيرانية المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، (1980-1988) كان من الطبيعي ان تقف مع الطرف المعادي لإيران وتدعمه في مواجهتها، وتوسع الحضور العسكري الأمريكي في الخليج ، وشهدت عدة مناوشات عسكرية بين الطرفين في مواقع مختلفة، في هذه المرحلة لم يكن الضغط اقتصادياً فحسب بل تداخلت فيها الحسابات العسكرية والمصالح الإقليمية.
وخلال تسعينيات القرن الماضي ازدادت العقوبات الاقتصادية والتجارية مع فرض قيود على الاستثمار وخصوصاً على قطاع الطاقة مع فرض قانون العقوبات على إيران وليبيا سنة 1996 الذي استهدف الاستثمارات الأجنبية الكبرى في قطاع الطاقة الايراني، وقد انتقلت الاجراءات من عقوبات بازمات سياسية الى مجالات أوسع، والتحول الرئيسي كان مع كشف منظمة مناهضة للنظام عن وجود منشأة نووية غير معلن عنها في نطنز سنة 2002 واصبحت قضية قضية دولية ومحوراً للنزاع مع الولايات المتحدة، وتوسعت معها القيود المالية والنفطية بالتوازي مع العقوبات الدولية تحت رعاية الولايات المتحدة، ودخلت ايران في مفاوضات مع فرنسا وبريطانيا والمانيا لمعالجة القضية ولكنها لم تسفر عن أي نتائج على صعيد خفض التوتر، ودخلت الامم المتحدة على خط فرض العقوبات، ففي سنة 2006 احيل الملف النووي على مجلس الأمن الذي فرض عقوبات على الأنشطة النووية والتسليح وفي السنوات التالية صدرت عدة قرارات مرتبطة بالموضوع، وبالتوازي شددت الولايات المتحدة القيود على الصادرات النفطية والمعاملات المصرفية، ودخلت ايران بمفاوضات مباشرة مع مجموعة دول عرفت بمجموعة (5+1) التي تضم الصين، الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، فرنسا، بريطانيا والمانيا حول الملف النووي حيث وصلت سنة 2015 الى اتفاق شامل حول البرنامج النووي الايراني.
ولكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالخروج من الاتفاق النووي سنة 2018 شكل منعطفاً جديداً في مسار الضغط على ايران بيان انسحاب بيت الأبيض من الاتفاق النووي، وسعت الادارة الاميركية الجديدة الى اصدار عقوبات جديدة تشمل قطاعات النفط والمال والتجارة اضافة الى فرض عقوبات على شخصيات ايرانية، في محاولة لتوسيع الالتزامات المطلوبة من ايران في الاتفاق النووي، وعودة المفاوضات سنة 2021 لم تنجح باعادة اعتماد نفس بنود الاتفاق النووي السابق واستمر الضغط الاقتصادي بالتوازي مع التوتوات الاقليمية في سوريا والعراق وأمن الملاحة في الخليج.
في سنة 2024 اخذت المواجهة بين ايران والولايات المتحدة شكلاً اخراً، ففي الوقت التي كانت ايران تحاول ان تكون خارج أي عمل عسكري واعطاء الاولوية للعمل الدبلوماسي، حيث شكلت المواجهة المباشرة بين ايران والعدو الاسرائيلي في نيسان وتشرين اول من نفس العام اولى نتائج هذا التحول، وما لبست ان تدخلت الولايات المتحدة في الهجوم على ايران سنة 2025 حيث شنت عدواناً عسكرياً استهدف مواقع عسكرية ومنشآت نووية وشخصيات قيادية، واندلعت المواجهة مجددا في 28 شباط 2026 حيث تم استهداف القيادة الايرانية واستشهاد السيد القائد علي الخامنئي، بالإضافة الى استهداف المواقع العسكرية والمنشآت النووية، مع استمرار الضغوطات الاقتصادية والمالية والتجارية وقي 18 ايلول من نفس العام فرضت الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً شاملاً على ايران عرف بقانون غراهام.
ان المسار الممتد من عام 1979 الى 2026 كشف عن تحول تدريجي في ادوات الضغط على ايران، تدرجت من تجميد اصول لإِيران في الولايات المتحدة ودعم أعداء ايران في المواجهات العسكرية والعقوبات الثنائية والعقوبات الاوروبية والدولية، ومن ثم سياسة الضغط الأقصى واخرها العدوان العسكري المباشر والاجراءات الاقتصادية الاوسع، ولكن كل هذه الاجراءات لم تكن كافية لتحقيق الاهداف الأميركية في ايران رغم الحجم الاضرار الاقتصادية والعسكرية التي لحقت بإيران ومن هنا لا بد من دراسة الاستجابة الايرانية لهذه الضغوط وما هي الخيارات التي اعتمدتها ايران للتكيف والتغلب على العقوبات وحدود القدر على الحد من اثارها.
- ايران في مواجهة الضغوط الاميركية : الادوات والخيارات وحدود الفاعلية
لم تكن ردة الفعل الإيرانية تجاه الإجراءات العقابية الاميركية مجرد محاولات للحد من اثارها المباشرة والغير مباشرة على الدولة والمجتمع، بل فتحت مساراً متدرجاً في المواجهة في جميع المجالات ومكنت البلاد من التعايش مع الضغوط المستمرة منذ انتصار الثورة الاسلامية سنة 1979، فأزمة الرهائن وقطع العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن دفعت ايران منذ بداية المواجهة للبحث عن بدائل اقتصادية ومالية خارج الإطار الأميركي وقد تعدد وسائل وادوات المواجهة :
- استراتيجية الاكتفاء الذاتي
أسهمت الضغوط والعقوبات الاقتصادية بدفع القيادة الايرانية لأعتماد استراتيجية الاكتفاء الذاتي في مختلف المجالات الإقتصادية وتعزيز الانتاج المحلي وتطوير الصناعات الدفاعية والدوائية والبتروكيماوية وغيرها من المجالات التي كانت تعتمد بشكل اساسي على الاستيراد من الخارج، وارتبط هذا الخيار بمحاولات قوية لتوطين التكنولوجيا، ودعم الشركات المحلية والاستفادة من الكفاءات العلمية في في الهندسة ودمجها ضمن المنظومة التصنيعية ، وفي هذا السياق اكتسب مفهوم الاقتصاد المقاوم اهمية كبيرة في الخطاب الإيراني الرسمي والتعبوي، واصبح منهجاً لمختلف النخب لتعزيز القدرات الداخلية والحد من آثار الضغوط الخارجية، ووصلت ايران الى مستويات كبيرة في الاعتماد على الاكتفاء الذاتي في مختلف المجالات.
- الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في مواجهة العقوبات
بدأت ايران مساعيها لتنويع علاقاتها الخارجية بعد الثورة الاسلامية سنة 1979 بعد قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة، من خلال الانفتاح على الاتحاد السوفياتي والصين، مع وجود تباين بين الحالتين فقد اتسمت العلاقة مع الاتحاد السوفياتي بالحذر والتوتر في المراحل الأولى نتيجة التدخل في افغانستان ودعم العراق في الحرب العراقية الايرانية، مع ذلك لم تنقطع العلاقات وشهدت تطوراً في اواخر الثمانيات ومع تفكك الاتحاد السوفياتي توسعت لتشمل تعاون في مجالات الطاقة والتسليح والتكنولوجيا لا سيما النووية منها واهمها الاتفاق على استكمال بناء محطة بوشهر النووية سنة 1995 وفي ظل تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة واعادة فرض عقوبات سنة 2018 ازدات اهمية الشراكة في الحسابات الاستراتيجية وكان توقيع معاهد الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في 17 كانون الثاني سنة 2025.
اما على صعيد الصين فقد اتسمت العلاقة بالاستمرارية منذ السنوات الاولى للثورة رغم عدم انحيازها لإيران في الحرب العراقية الايرانية وتطور العلاقة في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار وتوجت بإعلان شراكة استراتيجية شاملة سنة 2016 واتفاقية التعاون الشامل سنة 2021 لمدة 25 عاماً.
لم يكن التقارب الايراني مع روسيا والصين نتيجة الضغوط الاقتصادية على ايران إنما ارتبط ايضا بمصالحما الخاصة وسعيهما الى توسيع النفوذ السياسي والاقتصادي، وهذا ما وفر بدائل اضافية في مواجهة الضغوط الاقتصادية التي أمنت جزء من حاجة ايران للاسواق الخارجية وخصوصاً في موضوع التسليح والصناعات النووية والتكنولوجيا واسواق دائمة للنفط الايراني. وكذلك لم تقتصر العلاقات الدولية على روسيا والصين انما عقدت معاهدات واتفاقيات مع دول وكيانات اخرى مثل الهند في تطوير مشروع ميناء تشابهار وممر نقل دولي، ومع فنزويلا عبر معاهدة التعاون الشاملة، ومع باكستان وتركيا وارمينيا وكازاخستان وتركمانستان، كما اعتمدت ايران استراتيجية دبلوماسية الجوار مع الدول العربية فكانت اتفاقية توريد الطاقة والتبادل التجاري مع العراق واتفاقية الملاحة مع سلطنة عمان الى جانب معاهدات التعاون الشاملة مع سوريا، والتنسيق مع قطر والجزائر في مجال الطاقة والغاز، كما ابرمت عقود لتطوير الحقول النفطية وصناعة السيارات مع شركة اوروبية خاصة مثل شركة توتال الفرنسية وشركة صناعة السيارات والأدوية.
- التكيف التقني مع العقوبات والقيود التجارية والمالية
سعت ايران الى خلق آليات عملية للتعامل مع القيود المفروضة على صادرتها وخصوصاً النفطية وتعاملاتها المالية والتجارة الخارجية، حيث عملت على الحفاظ على اسواق لصادراتها وخصوصا السوق الصيني بوصفه مستورداً كبيراً للنفط الايراني، واضافت قنوات دفع ومبادلات تجارية مستحدثة للالتفاف على القيود المصرفية، وهذا ما ساعد ايران على مواصلة جزء من تجارتها الخارجية وتخفيف اثر العقوبات.
بالإضافة الى تطوير القدرات العسكرية والردع الاقليمية ودعم حركات المقاومة المناوئة لكيان العدو والولايات المتحدة في المنطقة والتحالف الاستراتيجي معها والاستفادة من الدبلوماسية بشكل كبير للتحفيف من تزايد الضغوط، وتعزيز التماسك الداخلي من خلال مواجهة الاثار الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع.
- الخاتمة
انتقلت ادوات الاكراه في السياسة الخارجية الأميركية من التوظيف السياسي للقوة العسكرية الى الاعتماد المتزايد على وسائل الضغط والعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وصولاً الى الجمع بين مختلف الوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، وتجيير قرارات الاممية لصالحها في الكثير من المحطات، فالحالة الفيتنامية تضع حدوداً للتفوق العسكري في تحقيق النتائج المرجوة، فيما حالتا كوبا والعراق اظهرت عدم قدرة العقوبات الإقتصادية على اخضاع الخصوم وإن ادى ذلك الى نتائج اقتصادية قاسية على الدولة والمجتمع، وتبقى الحالة الإيرانية الفريدة التي يمكن ان تكون النموذج الناجح في المواجهة، لأنها لم تكن متلقى سلبي للعقوبات والضغوط بل صنع منظومة مواجهة متكاملة.
وشهدت الحالة الايرانية مراحل متعاقبة من المواجهة والتصعيد ومن ثم التفاوض والاتفاق والحروب، فمنذ ازمة الرهائن سنة 1979 حتى الحصار الشامل والضغط الاقصى مرور بالتطورات المتسارعة بين عامي 2024 و2026، اثتبت ايران قدرة عالية على التكيف والانتقال من موقع المتلقي السلبي للضغوطات الى الاستجابة المرنة والايجابية، وتمكنت من تركيب منظومة قوية للمواجهة المستمرة منذ حوالي خمسون عام، فتجلت هذه باستراتيجية الاكتفاء الذاتي من خلال تعزيز الانتاج المحلي وتوسيع الشراكة مع الصين وروسيا وتعزيز النفوذ الاقليمي والعسكري والاقتصادي في المنطقة، ورغم المواجهة وعدم نجاح الولايات المتحدة في فرض اي تغيير سياسي في اي من الحالات التي ذكرت في حينها، الا ان الحالة الإيرانية ورغم عدم نجاح الضغوط الاقتصادية والحروب العسكرية من التغيير بارادة قيادة ايران ولا حتى مجتمعها، إلا انها لا تأل جهداً ولا تترك وسيلة في محاولتها لتغيير النظام الاسلامي في إيران، لذا لا يمكن التغافل او الاستهتار بأي مجال من المجالات وخصوصاً في المجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
المصدر: موقع المنار












0 تعليق