عيون مصر

"الديمقراطية" العنصرية ومأزق الفكرة الصهيونية

2026/10/30

مفهومان للتغيير
لعل أكثر ما يثير السخرية في نتائج الانتخابات الإسرائيلية أن صناديق الاقتراع جاءت بما لم يكن في حسبان دعاة التغيير. فقد منحتهم، على ما يبدو، فرصة حقيقية للتخلص من نتنياهو، لكنها ارتكبت "خطأً فادحاً" في نظرهم، حيث جعلت تحقيق هذا الهدف مرهوناً بأصوات الفلسطينيين! وهكذا وجدت "كتلة التغيير" نفسها أمام امتحان لم تكن مستعدة له؛ فإما أن تقبل بالتغيير الذي طالبت به، وإما أن ترفضه لأن الفلسطينيين هم العنصر الحاسم الذي يستطيع المساهمة في تحقيقه.

وفق النتائج الأولية، حصلت كتلة معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 للمعارضة الصهيونية، فيما حققت القائمتان العربيتان تقدماً لافتاً بحصولهما على 19 مقعداً. وبذلك باتت الأغلبية اللازمة لإزاحة نتنياهو ممكنة حسابياً، لكنها تصطدم بما يبدو أنه محظور سياسي: ألا تكون أصوات الفلسطينيين هي التي تحسمه، وترجح كفة الحكم.

والمفارقة أن القوائم العربية لم تطلب من المعارضة التخلي عن هدفها المعلن، بل أبدت استعدادها للمساهمة في تحقيقه. غير أن توافقها مع شعار التغيير كشف فجأة عن وجود مفهومين مختلفين له: تغيير يقتصر على استبدال نتنياهو، وتغيير يقتضي الاعتراف بالمواطنين الفلسطينيين شركاء متكافئين في تقرير من يحكم الدولة.

هنا بالضبط تتجلى عبقرية "الديمقراطية العنصرية" في إدارة تناقضاتها. فصوت الفلسطيني صحيح في صندوق الاقتراع، ومقعده شرعي في الكنيست ، لكنه يصبح موضع ريبة عندما يكتسب القدرة على التأثير في تشكيل الحكومة. يُسمح له بأن ينتخب، وربما بأن يحتج على الحكومة، لكن ليس بأن يكون شريكاً حاسماً في تغييرها. وكأن الديمقراطية الإسرائيلية تقول له: لك الحق في التصويت، شريطة ألا تأخذ نتائج تصويتك على محمل الجد!

غير أن المسألة تتجاوز هذا التناقض الفاضح إلى ما هو أعمق. فمأزق "كتلة التغيير" لا يكمن فقط في رفضها الاعتماد على الأصوات العربية، بل في طبيعة التغيير الذي تسعى إليه. ذلك أن قطاعات أساسية من هذه الكتلة لا تبدو معنية بتغيير المسار الذي أوصل إسرائيل إلى أزمتها الراهنة، بقدر ما تسعى إلى إنقاذه من نتائجه، وربما إنقاذ المشروع الصهيوني من نتنياهو نفسه.

"كتلة ايزنكوت": هل تريد إسقاط نتنياهو أم إنقاذ مشروعه؟!

فالمعارضة التي تتهم نتنياهو بتعريض مستقبل إسرائيل للخطر لا تقدم، في معظم مكوناتها، مراجعة استراتيجية للسياسات التي قادت إلى هذا المأزق. وهي تختلف معه حول أسلوب إدارة الدولة وعلاقاتها الدولية، وكلفة سياساته على تماسك المجتمع ومؤسساته، لكنها لا تطرح بديلاً واضحاً، ليس فقط لإنهاء الاحتلال والاستيطان والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أساساً لأي استقرار مستقبلي، بل حتى في موقفها من المواطنة المتساوية والحقوق الكاملة للمواطنين العرب داخل إسرائيل. وهنا يصبح السؤال: هل تريد «كتلة التغيير» إنقاذ إسرائيل من سياسات نتنياهو، أم إنقاذ تلك السياسات من الطريقة التي يديرها بها؟

ليس هذا سؤالاً بلاغياً. فنتنياهو، بكل ما يمثله من تطرف، ليس مجرد رهينة لبن غفير وسموتريتش، كما تحاول بعض القراءات الإيحاء. بل كان، ولا يزال، أحد أبرز مهندسي استراتيجية إجهاض الدولة الفلسطينية، وتكريس الانقسام، وتوسيع الاستيطان، وإدارة الصراع بديلاً عن حله. وهو يكشف، بوضوح أكثر من خصومه، جوهر النزعة العنصرية الإقصائية في المشروع الصهيوني: محو الوجود الفلسطيني: بالإبادة في غزة ، والتهجير من الضفة الغربية، ونزع الشرعية عن الفلسطينيين داخل إسرائيل، وتجريدهم تدريجياً من مضمون مواطنتهم، تمهيداً لاقتلاعهم في مراحل لاحقة. وما يميز حليفيه الأكثر تطرفاً ليس بالضرورة اختلاف الأهداف، بل الصراحة الفجة والاستعجال في فرضها، بينما يمتلك نتنياهو خبرة أطول في إدارتها ومحاولة تسويقها دولياً.

أما المعارضة، فإن الخطر الكامن في بعض توجهاتها قد يكون قدرتها على تقديم السياسات ذاتها بوجه أقل استفزازاً، وخطاب أكثر انضباطاً، وعلاقات دولية أكثر قبولاً. وليس مستبعداً أن تكون حكومة من هذا النوع أقدر على استعادة ما تبدد من مكانة إسرائيل الدولية، دون أن يترتب على ذلك تحَوُّل جوهري في مضمون مواقفها.

لقد عمّقت الإبادة في غزة المأزق الأخلاقي والسياسي للمشروع الصهيوني، وكشفت حدود الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على حسم قضية شعب يرفض الاقتلاع والإخضاع. كما جعلت استمرار الحماية الغربية لإسرائيل أكثر كلفة على صدقية الدول التي تتحدث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، بينما توفر الغطاء السياسي والعسكري للانتهاكات والجرائم الإسرائيلية المستمرة.

وفي هذا السياق، قد لا تكون أولوية «كتلة التغيير» مراجعة الأسس التي أنتجت الأزمة، بل إعادة تأهيل المشروع الذي بات عبئاً أخلاقياً وسياسياً متزايداً على أصحابه وحماته. أي استعادة القدرة على مواصلة المسار نفسه بأدوات أقل كلفة، وبما يسمح بترميم العلاقات الدولية وتخفيف التصدعات الداخلية.

وهنا تتجاوز الانتخابات حدود المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت، لتكشف مأزق الفكرة الصهيونية نفسها. فالدولة التي تقدم ذاتها باعتبارها ديمقراطية تواجه صعوبة في قبول الشراكة السياسية المتكافئة مع مواطنيها الفلسطينيين، لأن هذه الشراكة تضع اشتراط التفوق القومي اليهودي أمام امتحان حقيقي. أما الفلسطينيون الواقعون تحت الاحتلال، فلا يزالون محرومين أصلاً من حق تقرير مصيرهم، رغم خضوعهم لسلطة تتحكم في حياتهم وأرضهم ومستقبلهم.

وهكذا تتكامل المفارقتان: فلسطيني يُسمح له بالتصويت، لكن يُخشى تأثير صوته، وآخر يُحرم من المشاركة في تقرير مصيره، بينما تُفرض عليه نتائج قرارات لم يشارك في صنعها.

ولا يعني ذلك أن الاختلافات داخل المجتمع الإسرائيلي معدومة، أو أن جميع القوى السياسية تتبنى المواقف نفسها. فهناك أصوات يهودية ديمقراطية تعارض الاحتلال والعنصرية، وتدافع عن المساواة والحقوق الفلسطينية. لكن المعضلة أن هذه المواقف لم تتحول بعد إلى قاعدة سياسية قادرة على تغيير الاتجاه العام للدولة.

ولعل الإنجاز الأهم للقوائم العربية في هذه الانتخابات لا يقتصر على عدد المقاعد التي حصلت عليها، بل في أنها وضعت النظام السياسي أمام تناقضه التأسيسي. فقد أثبتت أن الفلسطينيين قادرون على التأثير في مستقبل الحكم، بينما كشف رفض الاعتراف بهذا الدور حدود الديمقراطية التي يُطلب منهم المشاركة فيها.

غير أن تحويل هذا الإنجاز إلى قوة سياسية فعلية يتطلب من القوائم العربية تجاوز الاكتفاء بدور المرجح بين الكتل الصهيونية، نحو استراتيجية مشتركة تجعل المساواة والحقوق الجماعية والمدنية ومواجهة الاحتلال والعنصرية شروطاً لأي تعاون سياسي. حتى وإن اقتضت ضرورة أولويات اللحظة تأجيل إثارة هذه المطالب لما بعد تشكيل الحكومة. 

إن المأزق الحقيقي الذي كشفت عنه الانتخابات ليس عجز "كتلة التغيير" عن العثور على الأصوات اللازمة لإسقاط نتنياهو، بل خشيتها من المعنى السياسي للاعتراف بهذه الأصوات. فهي تريد تغيير الحكومة دون تغيير القواعد التي تحدد من يحق له المشاركة في حكمها، وربما تريد إنقاذ المشروع من أزمته دون مساءلة الفكرة التي أنتجت تلك الأزمة.

وهكذا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: يريدون تغيير نتنياهو لإنقاذ المشروع، بينما يخشون أن يقود التغيير الحقيقي إلى مساءلة المشروع نفسه.

ولعل السؤال الذي تتركه هذه الانتخابات مفتوحاً هو: هل يمكن إنقاذ فكرة سياسية من مأزقها الأخلاقي والتاريخي بمجرد تغيير القائمين على إدارتها، أم أن محاولة إنقاذها دون الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني ليست سوى طريقة أخرى لإعادة إنتاج أزمتها؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

أخبار متعلقة :