نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أرصفة القاهرة المحتلة.. بلاغ للداخلية ومحافظ القاهرة, اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 12:12 مساءً
بدأت محافظة القاهرة خطوة تستحق الإشادة في منطقة باب اللوق، بإعلان الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، تطوير واجهات البنايات والعقارات بميدان الفلكي، وإزالة ما لحق بها من تشوهات، وتنظيم واجهات المحال ولافتاتها؛ في محاولة لاستعادة الطابع المعماري والجمالي للقاهرة الخديوية.
وهي خطوة طال انتظارها؛ فالقاهرة ليست مجرد عاصمة مزدحمة، وإنما كتاب مفتوح في العمارة والتاريخ، وباب اللوق إحدى صفحاته التي عبث بها الإهمال والعشوائية طويلًا. ومن حق محافظ القاهرة أن يجد التقدير حين يحاول استعادة رونق هذه المنطقة وهويتها.
لكن القاهرة الخديوية ليست واجهات مطلية نلتقط أمامها الصور، وإنما منظومة حضرية متكاملة: بناية مصونة، ورصيف حر، وشارع منضبط، ومحل يلتزم حدوده، ومواطن يستطيع السير من دون أن يُدفع إلى نهر الطريق.
فما قيمة أن تستعيد العمارة لونها القديم، بينما تفقد الأرصفة وظيفتها؟ وما جدوى تنظيم لافتات المحال إذا ظلت المقاهي العشوائية تحتل الرصيف نهارًا، ثم تتمدد بمقاعدها ومناضدها إلى نهر الطريق مساءً؟ وكيف نستعيد وجه القاهرة الخديوية، فيما تتكاثر الأكشاك المخالفة وتتحول بعض النواصي إلى تجمعات دائمة تعوق المارة وتولد الضوضاء والمضايقات؟
الرصيف هو آخر مساحة يمتلكها المواطن البسيط في المدينة؛ لا يحتاج إلى ترخيص للسير فوقه، ولا يدفع رسمًا لعبوره، ولا يطلب إذنًا من أحد لكي ينتقل عليه آمنًا. فإذا استولى عليه مقهى أو تمدد فوقه كشك، لم يفقد المواطن بضعة أمتار من الحجر فقط، بل فقد حقه في مدينته، واضطر إلى النزول إلى نهر الطريق، معرضًا نفسه للسيارات والموت.
لهذا، فإن الإشادة بخطوة محافظ القاهرة لا تكتمل إلا بمطالبته بأن يمتد التطوير من واجهات العمارات إلى الأرصفة والشوارع. فالطلاء يستطيع إخفاء تشوهات الجدران، لكنه لا يستطيع إخفاء الفوضى التي تجري تحتها. والسؤال ليس: مَن وضع المقاعد فوق الرصيف؟ فصاحب المقهى معروف.
السؤال الحقيقي: مَن سمح له؟ ومَن يغض الطرف عنه؟ ومَن يرفع الإشغالات في الصباح لتعود في المساء؟ ومَن حوّل القانون إلى حملة موسمية، والشارع إلى إقطاعية توزعها المحليات على المخالفين؟
باب اللوق.. قلب تأكله العشوائية
أعيش في هذه المنطقة منذ عقود، وأرى كيف تتراجع خطوة بعد أخرى أمام الفوضى. لم تعد المشكلة مقهى واحدًا تجاوز حدوده، وإنما نمطًا كاملًا يتمدد تحت أعين الجهات المسؤولة.
مقاعد تحتل الرصيف، ودراجات نارية تتزاحم عند المداخل، وضوضاء تستمر حتى ساعات متأخرة، ومارة يضطرون إلى السير وسط السيارات. أما البنات والسيدات، فتتعرض بعضهن لتعليقات ومضايقات قد تصل إلى التحرش اللفظي من بعض الجالسين.
ولا أتهم جميع رواد المقاهي، ولا أضع شباب المنطقة في سلة واحدة؛ فهذا ظلم لا أقبله. لكن بعض هذه التجمعات تحول إلى بيئة خصبة للسلوك المنفلت، بعدما دفعت البطالة والفراغ وغياب المساحات الثقافية والرياضية أعدادًا من الشباب إلى قضاء معظم ساعات اليوم فوق الأرصفة. البطالة قد تفسر بعض الظاهرة، لكنها لا تبرر التحرش أو الاعتداء على حق الناس في الطريق.
وتتردد بين الأهالي شكاوى أخطر عن تداول مواد مخدرة في محيط بعض المقاهي، بل واتهامات لبعض القائمين عليها بتسهيل الحصول عليها. ولا ينبغي إصدار أحكام جنائية بلا ضبط وتحقيق، لكن هذه الشكاوى لا يجوز تجاهلها، وتستوجب تحريات جادة وحملات مفاجئة لا يعرف أصحاب المخالفات موعدها قبل وصولها.
الكشك الذي تحول إلى مقهى
ولا تتوقف الفوضى عند المقاهي. فقد توسعت ظاهرة الأكشاك العشوائية، وبعضها يعمل على مدار الساعة، ولم يعد يكتفي ببيع الصحف أو المشروبات والاحتياجات الصغيرة، وإنما وضع ماكينات لإعداد القهوة السريعة، فتحول من كشك محدود النشاط إلى مقهى صغير بلا مقاعد رسمية.
يتجمع حوله المراهقون والشباب، يشترون السجائر، ويقفون عند الناصية يحتسون القهوة، ثم يتحول الرصيف تدريجيًا إلى حلقة سمر دائمة، وتتحول الناصية إلى مساحة مغلقة يشعر المار، وخصوصًا المرأة، بأنه يقتحمها حين يحاول العبور.
المشكلة ليست في القهوة، ولا في الكشك، ولا حتى في اجتماع الشباب؛ فكلها أمور طبيعية إذا جرت داخل القانون. المشكلة في تحويل الملك العام إلى منفعة خاصة، وفي غياب الضابط الذي يحدد مساحة النشاط وساعات العمل وطبيعته، ويمنع تحول الكشك إلى مقهى ليلي غير مرخص.
فساد المحليات ليس دائمًا ظرفًا من المال
فساد المحليات لا يظهر فقط عندما يُضبط مسؤول يتلقى رشوة. فقد سبق أن أعلنت هيئة الرقابة الإدارية ضبط مدير إدارة محلات بأحد أحياء القاهرة متلبسًا بتقاضي رشوة مقابل إصدار تراخيص، وهي واقعة تكشف إحدى البوابات التي يمكن أن تتسلل منها المخالفات إلى الشارع.
لكن الفساد قد يأخذ صورًا أخرى: موظف يرى المخالفة ولا يحرر محضرًا، ومسؤول يرفع الإشغال أمام الكاميرات ثم يسمح بعودته، وحملة تتحرك ضد مقهى وتترك المقهى المجاور، وتطبيق انتقائي للقانون يجعل الملتزم خاسرًا والمخالف رابحًا.
وقد أعلنت محافظة القاهرة أكثر من مرة حملات لرفع إشغالات المقاهي التي تفترش الأرصفة، وأقرت في بعض بياناتها بأن تعديات بعينها تعود بعد انتهاء الحملات. وهذا يعني أن المشكلة معروفة، وأن الخلل ليس في التشخيص، وإنما في المتابعة والمحاسبة. فإذا كان المقهى يعود بعد ساعات من رفع إشغالاته، فهل يخشى صاحبه القانون، أم يعرف أن الحملة سحابة صيف سرعان ما تمر؟
الشرطة تدفع فاتورة غيرها
هذه الفوضى تضاعف العبء على جهاز الشرطة. فعندما تسمح المحليات لمقهى مخالف باحتلال الرصيف، تبدأ الواقعة مخالفة إدارية، ثم تتحول إلى أزمة مرورية، وربما تنتهي بمشاجرة أو تحرش أو تداول للمخدرات. وعندئذ تُستدعى الشرطة لمعالجة النتيجة، بينما يفلت المتسبب الأول من الحساب.
وزارة الداخلية تبذل جهدًا ضخمًا في مواجهة الجريمة والمخدرات واستعادة الانضباط، كما نجحت في بناء حضور رقمي سريع الاستجابة. ووفق تقييم مؤسسة «إمبليفي»، الذي أعلنه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، جاءت الصفحة الرسمية للوزارة في المركز الرابع عالميًا بين الصفحات الحكومية الأعلى تفاعلًا على موقع «فيسبوك» خلال الربع الأخير من عام 2025.
والصفحة لا تكتفي بنشر البيانات، وإنما تتلقى شكاوى المواطنين، وتتحرك في كثير من الحالات للتحقق منها وضبط المخالفين. لكن النجاح الرقمي ينبغي أن يجد امتداده الكامل في الشارع، وأن تتحول سرعة الاستجابة للمنشور المتداول إلى منهج دائم، حتى مع المخالفات التي لا تجد مَن يصورها أو ينشرها.
محمود توفيق قنديل.. الوزير المثقف
عرفت الصديق اللواء محمود توفيق قنديل منذ نحو ربع قرن، وعرفته مخلصًا في عمله، جادًا في كل المواقع التي شغلها. وحين كان مسؤولًا عن الشؤون العربية في جهاز أمن الدولة آنذاك، كان دارسًا بعمق للحياة السياسية والاجتماعية في بلدان عربية عدة، ولا يكتفي بالتقارير السطحية أو الانطباعات السريعة.
وحين انتُدِبَ للعمل في سفارتنا في سوريا، فاجأني بقراءته الدقيقة للواقع السياسي والاجتماعي السوري. وعندما أصبح مسؤولًا عن الملف الفلسطيني، ورغم ما يتسم به هذا الملف من تعقيدات وتداخلات، صار من أكثر العارفين به، ونسج علاقات واسعة مع بعض نخبه، وكان قارئًا جيدًا للقيادات والفصائل الفلسطينية.
لهذا، لم يكن ما تحقق في وزارة الداخلية خلال سنوات توليه المسؤولية مفاجئًا بالنسبة إليّ، وهو جهد يستحق التقدير. لكن الثقة في الوزير المثقف والمخلص هي نفسها ما يدفعني إلى مطالبته بإغلاق بعض الثغرات داخل المنظومة الأمنية.
ثغرات المرور والمرافق
لا يجوز تجاهل ما يراه المواطن بعينه: سيارات تقف صفًا ثانيًا وثالثًا أمام بعض رجال المرور، ومقاهٍ تحتل الشوارع في وجود عناصر المرافق، ودراجات نارية تسير عكس الاتجاه، ومخالفات تستمر يوميًا في المكان نفسه من دون ردع.
ولا يصح تعميم الاتهام على أمناء الشرطة وأفراد المرور والمرافق؛ ففيهم كثيرون يؤدون عملهم بأمانة في ظروف قاسية. لكن التراخي المتكرر يفتح باب الشبهة؛ من المجاملة إلى المنفعة، وصولًا إلى الفساد.
وهذه ثغرة أتمنى أن يوليها الوزير اهتمامًا أكبر، بتشديد التفتيش الداخلي، وتدوير العناصر في المواقع التي تتكرر فيها المخالفات، وربط المحاضر والإزالات بنظام رقمي يمنع إخفاء المخالفة، ومحاسبة مَن يتغاضى عنها كما يُحاسب مَن يرتكبها. فالقانون الذي يُطبق يومًا ويغيب أسبوعًا لا يصنع انضباطًا، وإنما يرفع سعر المخالفة.
التطوير لا يكتمل من دون تحرير الرصيف
إن ضمان استدامة مشروع تطوير القاهرة الخديوية، الذي شدد عليه المحافظ، لا يتحقق بالحفاظ على ألوان الواجهات وحدها، بل بمنع الإشغالات من العودة إلى الأرصفة بعد انتهاء الحملات. فالواجهة الجميلة التي يقبع تحتها رصيف محتل ليست تطويرًا مكتملًا، وإنما نصف مشهد حضاري يخفي نصفًا آخر من الفوضى.
لذلك، أتمنى على محافظ القاهرة أن يقود حملة مستمرة، لا موسمية، تبدأ بحصر جميع المقاهي والأكشاك في باب اللوق، ومراجعة تراخيصها ومساحاتها القانونية وساعات عملها، وتحرير الأرصفة ونهر الطريق من كل تعدٍّ، مع متابعة ليلية تمنع المخالفات التي تختفي صباحًا وتعود بعد غروب الشمس.
والمسؤولية هنا ليست مجهولة أو عائمة؛ فهي تقع مباشرة على محافظة القاهرة وحي عابدين وشرطة المرافق وإدارات المرور، كل في نطاق اختصاصه. ولا ينبغي أن تتحول كثرة الجهات إلى وسيلة لتبادل المسؤولية والهروب منها.
نحتاج إلى عقوبات تصاعدية تبدأ بالغرامة والمصادرة، وتصل عند تكرار المخالفة إلى غلق المنشأة وسحب الترخيص، مع إعلان نتائج الحملات وأعداد المخالفات التي لم تعد إلى الشارع، لا عدد المقاعد التي تُصادر ثم تعود في اليوم التالي.
وفي المقابل، يجب توفير بدائل قانونية للباعة وأصحاب الأكشاك الملتزمين؛ لأن التنظيم لا يعني قطع الأرزاق، مثلما أن طلب الرزق لا يمنح أحدًا حق احتلال المدينة.
أعيدوا إلينا الرصيف
المشكلة ليست في بضعة مقاعد أو أكشاك متناثرة، بل في دولة القانون حين تنسحب من أبسط تفاصيل الحياة اليومية، وتترك المواطن وحيدًا أمام مَن استولى على حقه.
الرصيف ليس ملكًا لصاحب المقهى، ولا هبة من موظف الحي، ولا مساحة يستطيع أحد تأجيرها في الخفاء. الرصيف حق للطفل والمرأة والمسن وذوي الإعاقة، وحرمانهم منه ليس مخالفة بسيطة، بل اعتداء على حقهم في الأمان والمدينة.
ابدأوا بباب اللوق؛ لا لأنها المنطقة الوحيدة التي تعاني، بل لأنها قلب القاهرة الخديوية، ولأن إنقاذ القلب قد يكون بداية لإنقاذ الجسد كله. فالفساد لا يسرق الرصيف وحده؛ إنه يسرق هيبة القانون، ويحمّل الشرطة فاتورة فشل المحليات، ويجعل المواطن غريبًا في الشارع الذي يملكه.
لقد بدأت المحافظة إنقاذ واجهات باب اللوق، وهي خطوة تستحق التحية. ويبقى السؤال الذي ينتظر فعلًا لا بيانًا: مَن ينقذ أرصفته؟












0 تعليق