في افتتاح معرض الشارقة الدولي للكتاب أعلن الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة تدشين المرحلة الأولى من الموسوعة العربية الشاملة في العلوم والآداب والفنون والأعلام.. وهي خطوة مهمة في مشروع أوسع لاستعادة مكانة المعرفة العربية وإعادة بناء علاقتنا بذاكرتنا الحضارية.

المرحلة الأولى من الموسوعة تأتي في 143 مجلدا على أن تكتمل الموسوعة العام المقبل.. وتتاح ورقيا وإلكترونيا.. وهي أرقام تعكس حجم العمل لكنها لا تختزل قيمته الحقيقية. فالمسألة ليست في عدد المجلدات وإنما في الفكرة التي تقف وراءها: أن يكون للعرب مرجع موسوعي شامل يجمع العلوم والآداب والفنون والأعلام وييسر الوصول إلى المعرفة ويضع بين أيدي الباحثين والقراء قاعدة معرفية موثوقة.

الحقيقة التي يجب أن ينتبه إليها العرب أن المعرفة ليست ترفا.. إنما قضية هوية
فنحن لسنا أمة تفتقر إلى التاريخ أو الإنجازات أو العلماء أو المفكرين.. بل أمة حضارة امتلكت في مراحل ازدهارها تقاليد موسوعية أسهمت في تشكيل المعرفة الإنسانية.

من «لسان العرب» لابن منظور إلى «مفاتيح العلوم» للخوارزمي، و«وفيات الأعيان» لابن خلكان، و«معجم البلدان» لياقوت الحموي، و«تاريخ الرسل والملوك» للطبري، و«صبح الأعشى» للقلقشندي، وصولا إلى موسوعات التراث والفكر العربي.. هكذا ظلت الثقافة العربية تمتلك شغف الجمع والتصنيف والتوثيق وتقديم المعرفة في صورة منظمة تنتقل من جيل إلى جيل.

لكن المفارقة أن أمتنا التي أسهمت في تأسيس تقاليد التأليف الموسوعي أصبحت في حاجة إلى مشروع جامع يعيد ترتيب إنتاجها المعرفي ويقدم تاريخها وإسهاماتها في العلوم والآداب والفنون ضمن مرجعية حديثة قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة والانفتاح على العالم. وهنا تبرز أهمية المشروع الذي تتبناه الشارقة.. فهو لا يستدعي الماضي من باب الحنين وإنما يحاول تحويله إلى معرفة متاحة وأداة للبحث ومساحة لاستعادة الثقة بالذات الحضارية. وما يلفت الانتباه في إعلان حاكم الشارقة ليس فقط إطلاق الموسوعة وإنما الجمع بين النسخة الورقية والإلكترونية بما يفتح الباب أمام انتقال المعرفة من رفوف المكتبات إلى فضاء البحث الرقمي.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد الموسوعات مجرد كتب تجمع المعلومات بل أصبحت البنية المعرفية التي يمكن أن تستند إليها تطبيقات البحث والتحليل والتوثيق شريطة أن تقوم على الدقة العلمية والمراجعة المتخصصة وتعدد المصادر والشفافية في الإحالات.

إن امتلاك مرجعية وموسوعة عربية موثوقة يحمل أهمية استراتيجية خصوصا في ظل التحديات المرتبطة بالمحتوى الرقمي وتضارب المعلومات وضعف حضور المصادر العربية الموثقة في بعض مجالات المعرفة العالمية.

ومن هنا، فإن القيمة المستقبلية للموسوعة لا تتوقف عند إتاحتها إلكترونيا بل تمتد إلى إمكانية تطوير أدوات بحث ذكية وبناء قواعد بيانات معرفية عربية وربط المعلومات بالأعلام والأحداث والأماكن والمخطوطات والوثائق بما يجعل التراث العربي حاضرا في بيئة المعرفة الجديدة.