نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التشخيص والعلاج, اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 12:12 مساءً
المريض أنهكه المرض، والفيروس الاقتصادي نما وترعرع وأصبحنا في بؤرة الأزمات.
توالت الأزمات العالمية منذ عام 2008، حين انهار النظام المالي بعد إفلاس بنك ليمان براذرز، فانكمش الناتج العالمي بنسبة 1,3٪ عام 2009 وفق بيانات ستاتيستا، مع خسائر ناتج مستمرة تجاوزت 60٪ من الاقتصادات عقدًا كاملًا بحسب صندوق النقد. ثم تلتها اضطرابات الشرق الأوسط، فجائحة كورونا التي خفضت الناتج العالمي بنحو 3٪ عام 2020، فحرب روسيا وأوكرانيا التي رفعت فاتورة إعادة إعمار أوكرانيا إلى 588 مليار دولار..
فالاحتلال الإسرائيلي لغزة وما تلاه من هجمات الحوثيين التي خفضت إيرادات قناة السويس المصرية بنحو 6-8 مليارات دولار في عام واحد. ثم جاءت اضطرابات السودان وليبيا وسوريا واليمن، وتوترات الخليج وإيران، ومناوشات الصين وتايوان، ومناوشات الهند وباكستان، مع ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن البحري والتأمين على البضائع التي ضاعفت فواتير الاستيراد.
ونتيجة لهذه السلسلة المترابطة من الأزمات، تحمل المواطن المصري العبء الأكبر على مدار 22 عامًا. فقد بلغ التضخم الحضري ذروته 35,7٪ في يونيو 2023 وفق الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بعد تخفيضات متتالية للجنيه من نحو 6 جنيهات للدولار في منتصف العقد الأول إلى أكثر من 55 جنيهًا حاليًا.
وارتفع معدل الفقر الوطني إلى 33,5٪ وفق البنك الدولي في 2022/2021، مع تآكل القدرة الشرائية لسلة الغذاء والطاقة. كما ارتفعت فاتورة الواردات، وتراجعت إيرادات السياحة والقناة في فترات الأزمات، فزادت أعباء الدين وخدمة الفائدة التي تستهلك نسبة كبيرة من الإيرادات.
وفي المقابل، نجحت دول شبيهة في الاحتياط من مثل هذه الصدمات عبر إصلاحات داخلية متماسكة، فقد رفعت فيتنام، عبر إصلاحات «دوي موي»، دخل الفرد أضعافًا وخفضت الفقر المدقع إلى1,6٪ تقريبًا بتحويل الزراعة إلى تصنيع موجه للتصدير. وحققت رواندا نموًا يتراوح بين 8 و9٪ سنويًا في السنوات الأخيرة وخفضت الفقر من نحو 40٪ إلى 27٪ عبر مناطق اقتصادية خاصة ورقمنة وخدمات.
كما حققت جورجيا بعد ثورة الورود قفزات في سهولة الأعمال ونموًا يتجاوز 8٪ بتقليص البيروقراطية. ونجحت كذلك إندونيسيا وماليزيا وبوتسوانا وتشيلي وإستونيا وبولندا وكوستاريكا عبر استقرار ماكرو، واستثمار في التعليم والبنية، وتنويع الصادرات بعيدًا عن المواد الخام.
ومن هنا يبرز السؤال المحوري: هل التحديات الخارجية أخطر على مصر أم الهيكلة الإدارية لموظفي الدولة مما يستدعي القضاء العاجل على البيروقراطية والفساد الإداري؟
تشير الأرقام إلى أن الفساد والبيروقراطية يكلفان الاقتصاد 2-3٪ من الناتج سنويًا في تقديرات دولية، ويثبطان الاستثمار أكثر من الصدمات المؤقتة التي تمر بها دول نجحت داخليًا. ففي أزمنة التحديات، تكون الإصلاحات الداخلية أكثر تأثيرًا لأنها تحول الصدمة إلى فرصة عبر كفاءة الإنفاق وسرعة الإجراءات.
ولتحقيق ذلك، يلزم تنفيذ عشر إجراءات مكملة فورية:
1. رقمنة كاملة للإجراءات الحكومية خلال عام واحد.
2. دمج الجهات المتداخلة وتقليص المناصب الإدارية الزائدة.
3. ربط الحوافز بالأداء القابل للقياس في الخدمة.
4. إطلاق منصة واحدة للمستثمرين بترخيص خلال أيام.
5. توجيه الدعم نقديًا للمستحقين فقط بدقة بيانات.
6. تدريب الكوادر على إدارة الأزمات وسلاسل التوريد.
7. تحفيز الصادرات غير التقليدية بمناطق لوجستية حديثة.
8. ضبط الزيادة السكانية ببرامج تنموية وفرص عمل.
9. تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في البنية التحتية والطاقة.
10. مراقبة شفافة للإنفاق العام مع نشر تقارير دورية.
وبهذه الخطوات المترابطة، يمكن تحويل الأزمات الدائمة، وعلى رأسها الزيادة السكانية غير المنضبطة، إلى معايشة أفضل عبر توظيف أمثل للموارد البشرية وكفاءة إدارية ترفع الإنتاجية وتحمي فاتورة المواطن، حيث إن تحويل الزيادة السكانية من عبء إلى ميزة، وتحويل البيروقراطية من تكلفة 2-3٪ من الناتج إلى وفر بنفس النسبة، كفيل وحده بتوفير ما يعادل إيرادات قناة السويس كاملة كل عام دون الحاجة لسفينة واحدة. الحل ليس في انتظار هدوء البحر، فالبحر لن يهدأ، الحل في إصلاح السفينة.
أخبار متعلقة :