عيون مصر
الاقتصاد

"الدين الفرنسي" يحرج الاتحاد الأوروبي

محرر الاقتصاد 1 4 دقائق قراءة

تتجه الأنظار إلى اجتماع البنك المركزي الأوروبي المرتقب يوم الخميس المقبل، في ظل تصاعد الضغوط على أسواق الدين الفرنسية وارتفاع كلفة اقتراض باريس إلى مستويات لم تسجل منذ سنوات، وسط توقعات بأن يحافظ البنك على أسعار الفائدة دون تغيير، رغم المخاوف من امتداد التوترات المالية إلى بلدان أخرى في منطقة الأورو.

ويرجح محللون أن يبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع عند 2,5 في المائة، بعد زيادتين خلال السنة الجارية، في وقت يواصل فيه ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط الضغط على التضخم والنشاط الاقتصادي.

غير أن الوضع المالي والسياسي في فرنسا يتوقع أن يستحوذ على جانب مهم من الاهتمام، بعدما تجاوز عائد سندات الخزينة الفرنسية لأجل عشر سنوات مستوى 5 في المائة خلال الأسبوع الماضي، للمرة الأولى منذ سنة 2002.

كما تجاوز الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات 170 نقطة أساس، مسجلا أعلى مستوياته منذ خريف سنة 2011، في مؤشر على زيادة الحذر لدى المستثمرين تجاه المخاطر المرتبطة بالديون الفرنسية.

وتتصل هذه المخاوف بارتفاع مستويات الدين العام والعجز المالي في فرنسا، والخلافات السياسية حول مشروع ميزانية 2027، إلى جانب حالة عدم اليقين المرتبطة بالانتخابات الرئاسية المقبلة والتوترات الاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال أندرو كينينغهام، الخبير الاقتصادي لدى مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس”، إن اهتمام الأسواق سيتجه إلى كيفية تعامل البنك المركزي الأوروبي مع الأزمة المالية والسياسية الفرنسية، في ظل تنامي القلق من قدرة الحكومة على تنفيذ إجراءات لضبط المالية العامة.

وكانت وكالة “موديز” قد امتنعت، الجمعة الماضي، عن اتخاذ قرار جديد بشأن التصنيف الائتماني للديون الفرنسية، لتبقي بذلك تقييمها عند درجة “Aa3” مع نظرة مستقبلية سلبية.

وأوضحت الوكالة أن هذا التصنيف يستند إلى افتراض إقرار ميزانية لسنة 2027 تسهم في تقليص العجز العام، مع توقع تراجع التوترات الاجتماعية نسبيا خلال الأشهر المقبلة.

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن إمكانية تدخل البنك المركزي الأوروبي للحد من اتساع الفوارق بين عوائد السندات الحكومية داخل منطقة الأورو، خصوصا من خلال أداة حماية انتقال السياسة النقدية، المعروفة اختصارا باسم “TPI”.

وكان البنك قد أنشأ هذه الأداة سنة 2022 دون استخدامها حتى الآن، وهي تتيح له، وفق شروط محددة، شراء سندات حكومية بهدف منع اضطرابات الأسواق من إضعاف انتقال قرارات السياسة النقدية إلى اقتصادات الدول الأعضاء.

غير أن ميشيل مارتينيز، كبير الاقتصاديين لدى “سوسيتيه جنرال”، اعتبر أن اللجوء إلى هذه الآلية لا يزال مستبعدا في المرحلة الحالية، موضحا أن البنك سيحتاج أولا إلى اعتبار الفوارق المتزايدة في عوائد السندات الفرنسية غير مبررة بالمعطيات الاقتصادية الأساسية، وأنها تهدد فعليا انتقال السياسة النقدية.

وحذر الخبير من أن اتخاذ قرار من هذا النوع، قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، قد يضع المؤسسة النقدية في قلب النقاش السياسي الداخلي، ويثير تساؤلات بشأن استقلاليتها.

وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد قد أكدت، في تصريح سابق، أن معالجة الارتفاع الحاد في عوائد الديون الفرنسية ينبغي أن تبدأ من داخل فرنسا، في إشارة إلى المسؤولية المباشرة للسلطات الوطنية عن معالجة الاختلالات المالية.

وعلى مستوى التضخم، بلغ ارتفاع الأسعار في منطقة الأورو 3,8 في المائة خلال شتنبر الماضي، وهو أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات، غير أن التضخم المستثني لأسعار الطاقة بقي شبه مستقر، ما يشير إلى أن صدمة أسعار المحروقات لم تنتقل بعد بصورة واسعة إلى بقية الأسعار.

ويرى كارستن برزيسكي، الاقتصادي لدى مصرف “آي إن جي”، أن الأزمة الفرنسية قلصت احتمالات زيادة جديدة للفائدة، لأن ارتفاع عوائد السندات في الأسواق يؤدي بالفعل إلى تشديد شروط التمويل بالنسبة إلى الأسر والشركات.

وتعكس الزيادة الأخيرة في كلفة الاقتراض مخاوف أوسع تتعلق بارتفاع المديونية العمومية والتضخم، فضلا عن الاحتياجات التمويلية الضخمة المرتبطة بالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، وهي عوامل أسهمت في رفع العوائد على السندات في الأسواق العالمية.

ومن المنتظر أن يصدر قرار البنك المركزي الأوروبي بعد يوم واحد من اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يتوقع محللون بدوره أن يبقي أسعار الفائدة دون تغيير، عقب الزيادة التي أقرها في شتنبر.

ورغم هذه التوقعات، لا يزال عدد من الاقتصاديين يرجحون إقدام البنك المركزي الأوروبي على زيادة أخيرة للفائدة في دجنبر المقبل، عندما تتوفر توقعات جديدة بشأن النمو والتضخم.

ويرتقب أيضا أن تواجه كريستين لاغارد أسئلة بشأن مستقبلها على رأس البنك، بعد تجدد التكهنات بإمكانية مغادرتها منصبها قبل نهاية ولايتها المقررة في أكتوبر 2027، فيما تبقى أزمة الديون الفرنسية أحد أبرز الملفات التي سترافق الاجتماع المرتقب.

اقرأ النسخة الكاملة