الأيام بدأت تعدي،وكنت رجعت البيت، لكن أكتر حاجة كانت بتتعبني إني مش قادرة أقف على رجلي.
عمري ما تخيلت إن في يوم من الأيام ممكن أبقى عاجزة بالشكل ده، ولا تخيلت إني هضطر أعيش على كرسي متحرك، وأنا اللي كنت طول عمري بحب الحركة، وبحب أخرج وأتعلم وأجري ورا أحلامي.
ما كنتش عارفة إذا كنت هفضل في الحالة دي فترة طويلة، ولا هقدر أرجع أمشي تاني، لكن كان في حاجة واحدة جوايا كنت متمسكة بيها... إني لازم أتعافى.
ويمكن من كتر وجعي، كنت حاسة إن علاجي الحقيقي هو إني أكون مع مجد، وإن نفسيتي مرتبطة بيه لدرجة إني كنت بتخيل إن رجوعي لحياتي الطبيعية مش هيحصل غير لما يرجع هو كمان.
عدت الأيام، وبدأت أحاول أشغل نفسي بمنتجات الريزين اللي كنت بصنعها بإيدي. كنت بقعد بالساعات أشتغل، أختار الألوان، وأرتب التفاصيل، وأحاول أطلع كل قطعة بشكل مختلف. كانت الحاجات دي بتاخدني من أفكاري شوية، وتخليني أحس إني لسه قادرة أعمل حاجة، وإن حياتي ما انتهتش لمجرد إني بقيت على كرسي متحرك.
ومع الوقت، رجعنا كلنا نتجمع زي زمان؛ أنا ورغد وياسين وماما وحازم.
رجعنا لعادتنا ولمتنا اللي كنت بحبها، وكنت فعلًا بفرح من قلبي وأنا وسطهم، لكن كان دايمًا في نغزة جوايا، إحساس ناقص ما كنتش بعرف أتجاهله.
مجد مش موجود.
كنت بفتقده في كل قعدة، وفي كل ضحكة، وفي كل مرة يحصل فيها موقف كنت متأكدة إنه لو كان موجود، كان هيعلق عليه بطريقته اللي بحبها.
كنت بطمن عليه من رغد، وهي كمان قربت مني أكتر، وبقت تحاول تعوضني عن غيابه على قد ما تقدر. وكل اللي حواليا كانوا بيحاولوا يساعدوني، ويشجعوني إني أرجع أعيش حياتي، حتى لو بالتدريج.
عدى حوالي شهر ونص، ورغد كانت قربت تولد.
من ساعة ما رجعت من المستشفى، وأنا كنت برفض أخرج من البيت. حتى لما كانوا يقترحوا عليَّ أغير جو، كنت بفضل قاعدة في مكاني. أوقات كنت أقعد في البلكونة مع ياسين، ونتكلم في أي حاجة، وده كان بيهون عليَّ شوية.
رغد قربت علي الولاده.... وحان وقتها...
وفي يوم، ماما وحازم كانوا مع رغد في المستشفى، وياسين ما رضيش يسيبني لوحدي.
لكن بعد إلحاح مني، وافق إنه يروح ويكون جنب رغد ويطمن عليها.
وعد: ياسين، روح إنت واطمن عليها. أنا كويسة، وكل شوية هتصل بيكم أطمن عليكم. مش معقول تفضل هنا بسببي وهي محتاجاكم جنبها....
ولكن بإصرار مني...
بالفعل، راح ياسين المستشفى، وبعد يوم كامل رجعت رغد وهي شايلة بين إيديها أجمل بنوتة.
أول ما شفتها، حسيت بفرحة مختلفة، وفضلت أبص لملامحها الصغيرة، وبعدها بصيت لرغد وقلت لها بضحكة:
وعد: إيه ده يا بنتي؟ دي شبه ماما أوي! قد إيه بتحبي ماما علشان تجيبي بنت شبهها كده؟ طب ما كنتي تجيبيها شبه حازم شوية!
رغد بصت لي وضحكت، وقالت:
رغد: ماما بالنسبالي مش مجرد أمك يا وعد... دي كمان أمي اللي فقدتها. يمكن علشان كده نفسي أشوف في بنتي منها.
بصيت لها وابتسمت، وحسيت قد إيه الكلام ده طالع من قلبها، وقد إيه وجود ماما في حياتنا كان فارق معانا كلنا.
عدى أسبوع، واتجمعنا كلنا علشان نحتفل بسبوع بنت حازم.
حازم سماها حور.
كانت آية في البراءة والجمال، وكل ما أبص لها أحس إني عايزة أفضل شايلها بين إيديا طول الوقت.
حازم كان كل شوية يبص لي ويقول:
حازم: دي هتطلع كلها إنتِ يا وعد.
كنت أضحك وأرد عليه:
وعد: بلاش أنا يا حازم، دي كده هتتعبكوا أوي!
فيضحكوا كلهم، وأفضل أنا كمان أضحك معاهم.
كان سمير موجود وسطنا، وكان واضح عليه إنه مبسوط، خصوصًا إنه شايفني بضحك وبشاركهم فرحتهم، حتى لو كان عارف إن جوايا وجع لسه ما خلصش.
كنت طول الوقت شايلة حور، ومش عايزة أسيبها من إيدي، لحد ما فجأة تليفون رغد رن.
أول ما سمعت الرنة، رغد بصت للشاشة، وفجأة قالت بلهفة:
رغد: ده أكيد مجد!
وجريت على التليفون، وكأنها كانت مستنية المكالمة دي من زمان.
كانت رغد بتحاول تتجنب إنها تتكلم عن مجد قدامي كتير، لأنها عارفة إن اسمه لوحده بيحرك جوايا وجع كبير، لكن لهفتها علشان تسمع صوته غلبتها.
فتحت المكالمة، وقالت بفرحة:
رغد: مجد! وحشتني أوي!
ومن الناحية التانية، سمعت صوته بعد شهور طويلة.
مجد: وإنتِ كمان وحشتيني أوي يا رغد. إنتِ عاملة إيه؟ وحور عاملة إيه؟ أنا نفسي أشوفها أوي وأشيلها بين إيديا.
أول ما سمعت صوته، حسيت كأن جزءًا ناقصًا جوايا رجع للحظة.
وحشني أوي...
وحشني صوته، وملامحه، وطريقته في الكلام، وضحكته، وابتسامته، وحتى التفاصيل الصغيرة اللي كنت فاكرة إني هقدر أتعود على غيابها.
كنت باصة لرغد وهي بتتكلم معاه، وعيني ما بتتحركش من عليها.
كان نفسي أقول لها: اديني السماعة.
كان نفسي أسمع صوته وهو بيكلمني أنا، حتى لو لدقيقة واحدة.
كان نفسي أقول له إني لسه هنا، وإن كل حاجة حواليا اتغيرت، لكن في حاجة واحدة ما اتغيرتش أبدًا... حبي ليه.
لكن ما قلتش حاجة.
فضلت ساكتة، أراقب رغد وهي بتتكلم معاه، لحد ما خلصت المكالمة وقفلت.
رجعنا نكمل سبوع حور، وحاولت أشاركهم فرحتهم، لكن صوته فضل يتردد في ودني حتى بعد ما المكالمة انتهت.
ومن بعدها، مجد بقى يتصل برغد كل تلات أو أربع أيام تقريبًا، يطمن عليها وعلى ياسين، ويسأل عن ماما وحازم.
لكن عني أنا... ما كانش بيسأل.
وكل مرة كنت أعرف إنه اتصل، كنت بسأل في سري إنها تقول لي إنه سأل عليَّ، حتى لو مجرد سؤال عابر.
لكن ده ما كانش بيحصل.
ومع الوقت، بدأت أقول لنفسي إنه خلاص بدأ ينشغل بحياته، وإن الأيام بتساعده ينساني، وإن يمكن أنا الوحيدة اللي لسه واقفة عند نفس اللحظة.
كان الإحساس ده بيوجعني أوي، لكن كنت بحاول أتقبله، وأقنع نفسي إن ده بالضبط اللي كنت عايزاه من البداية... إنه يكمل حياته.
أما دراستي، فما كانش ينفع أكملها من البيت؛ كليتنا محتاجة حضور وتدريب عملي، وده كان صعب في ظروفي وقتها.
لكن حازم ما سابنيش أستسلم تمامًا. كان بيجيب لي مراجع ومجلدات التخصص اللي أنا عايزاه، وبدأت أذاكر في البيت وأركز في المنهج النظري، وأحاول أحافظ على اللي وصلت له بدل ما أحس إن كل تعبي راح هدر.
ومع مرور الشهور، حور كانت بتكبر بين إيديا.
اتعلقت بيا، وبقت تعرفني، وتقعد قدامي تلاغي وتضحك، وكل ما كنت أشيلها أحس بفرحة حقيقية، فرحة بتخليني أنسى وجعي شوية.
شهر يجيب شهر، وأيامنا كانت بتعدي، وأنا بحاول أرجع لنفسي بالتدريج.
رجعت وعد اللي بتضحك وتهزر، واللي بتحاول تسعد اللي حواليها زي ما اتعودت طول عمرها.
لكن ده ما كانش معناه إن الوجع اختفى، ولا إن مجد بقى ذكرى عادية في حياتي.
كنت بس بحاول أعيش.
أما مجد... فكانت حكايته مختلفة تمامًا.
من أول ليلة سافر فيها، وحتى وهو بيحاول يبدأ حياته من جديد، ما كانش قادر ينساني، ولا كانت صورتي بتفارق خياله.
كان واضح وصريح مع سارة من البداية، وما حاولش يوهمها إنه نسيني أو إن قلبه بقى ليها.
كان صريح معاها من البدايه قبل خطوه جوازهم...
ما كانش عاوز يبني حياته معاها علي غش وخداع ولا يخبي اللي جواه وخصوصاً أنه مش قادر ينساني...
مجد: أنا مش هكدب عليكي يا سارة، ولا هقولك كلام مش حقيقي. أنا لسه بحب وعد، ولسه مش قادر أنساها.
لو إنتِ موافقة تكملي معايا وإنتِ عارفة الحقيقة دي، أنا مش همنعك، لكن لازم تكوني عارفة إن الأيام وحدها هي اللي ممكن تغير حاجات كتير، وإن مفيش حاجة بتفضل على حالها.
سارة وافقت، رغم إنها كانت عارفة إن قلبه لسه متعلق بواحدة تانية.
ومن أول ليلة، كل واحد فيهم كان بينام في أوضة مختلفة.
مجد كان بيحاول ما يجرحهاش، وما يتعاملش معاها بطريقة قاسية، لكنه في الوقت نفسه ما كانش قادر يديها المشاعر اللي هي مستنياها منه.
أما سارة، فكانت كل يوم بتتعلق بيه أكتر.
كانت شايفاه زوجها وحبيبها، وكانت بتتمنى إن مع الوقت يقدر يشوفها بنفس النظرة اللي هي بتبص له بيها.
بدأت تهتم بنفسها زيادة عن المعتاد، وتختار لبسها بعناية، وتحاول تلفت نظره بأي طريقة، يمكن في يوم يشوفها بشكل مختلف، ويمكن قلبه يتحرك ناحيتها بدل ما يفضل أسير لذكرى وعد.
لكن الأيام كانت بتمر، ومجد كان لسه بعيد عنها، حتى وهو موجود معاها في نفس البيت.
وفي ليلة، كانت سارة مهتمة بنفسها أكتر من أي وقت فات، وحاولت تقرب منه، لكن مجد كان وصل لمرحلة ما بقاش قادر يتجاهل فيها إصرارها على تغيير مشاعره بالقوة.
بصلها وقال بنفاد صبر:
مجد: هو إنتِ ما بتزهقيش يا سارة؟ مهما تعملي، صدقيني، كل اللي إنتِ بتعمليه ده ما حرّكش جوايا أي حاجة. أنا مش قادر أشوفك بالشكل اللي إنتِ عايزاني أشوفك بيه، ومش هقدر أمثل عليكي مشاعر مش حاسس بيها.
كلامه نزل عليها كأنه صفعة.
لأول مرة، حسّت سارة إن كل محاولاتها ما كانتش بتقربها منه، بالعكس، كانت بتأكد لها قد إيه هو بعيد عنها.
صرخت في وشه، والوجع اتحول لغضب:
سارة: إنت ليه مش شايفني زيها؟ فيها إيه زيادة عني؟! دي خدعتك واستغلتك، ومع ذلك هتفضل طول عمرك بتحبها؟ وهي أصلًا مش شايفاك!
مجد ما ردش.
فضل باصص لها في صمت، لكن جملتها الأخيرة رجعته للحظة تانية تمامًا... للحظة اللي شافني فيها يوم فرحه، وأنا واقفة قدامه وبحاول أبارك له، رغم إن قلبي كان بيتكسر وأنا ببص له.
افتكر نظرتي، والطريقة اللي عينيه اتقابلت بيها مع عينيَّ، والوجع اللي كان واضح فينا إحنا الاتنين، رغم إن محدش فينا قدر يقول الحقيقة.
وفي اللحظة دي، حس إن سارة مش فاهمة حاجة؛ مش فاهمة إن اللي بينه وبيني ما كانش مجرد علاقة انتهت، وإن غيابي ما قدرش يمسحني من قلبه.
أما هو، فما قدرش يكذب على نفسه.
كان لسه بيحبني.
ساب سارة ودخل أوضته، وقفل الباب وراه، كأنه محتاج يهرب من كل حاجة حواليه، ويواجه الذكريات اللي طول الوقت بيحاول يشغل نفسه عنها.
قعد لوحده، وبدأ شريط الذكريات يمر قدام عينيه؛ من أول يوم شافني فيه، لروحي اللي كانت بتضحك من قلبها، وحركتي، وكلامي اللي كان دايمًا مليان أمل، وطريقتي في إني أحاول أهون على أي حد حتى لو أنا اللي تعبانة.
افتكر ضحكتي، وابتسامتي، وكل مرة كنت بدخل فيها حياته وأغير شكل يومه من غير ما أقصد.
كان بيتعذب كل ما يفتكر إني بقيت بعيدة عنه، وإنه اختار طريقًا ما قدرش ياخدني معاه فيه.
لكن الغريب إنه، رغم كل الوجع، كان كل ما يفتكر وشي وأنا مبتسمة، يحس بسعادة صغيرة بتعدي على قلبه.
كأن ذكرياتي كانت بتوجعه وبتواسيه في نفس الوقت.
وكأن قلبي، اللي كان بينبض عشانه من بعيد، لسه قادر يوصل له إحساسه... حتى وإحنا كل واحد فينا في بلد مختلفة.
ديون النبض ????
بقلم الكاتبة مروة صياح ✍️????
الأيام كانت بتعدي، يوم بيجيب يوم، وأسبوع بييجي وراه أسبوع، لحد ما اتعودت على حياتي وأنا عاجزة عن الحركة.
اتعودت أبص في وشوشهم كلهم وأبتسم، علشان ما أحسسهمش إني حزينة وموجوعة من جوايا.
كنت كل ما أعرف إن مجد اتصل برغد، أسألها عنه، وهي كانت بتحكيلي كل أخباره. كنت ببقى مبسوطة جدًا إنه الحمد لله بخير، وإن مستقبله بقى أفضل، ومش بس كده، ده أنا كمان كنت بتابع أخباره في مجلة الجامعة.
كان اسمه دايمًا من ضمن الأسماء المذكورة في المجلة بسبب مجهوده المتميز.
عدت شهور، شهر ورا شهر، لحد ما عدى تسعة شهور كاملين.
سمير كان بيتصل بيا باستمرار، يطمن عليا ويسأل عن أخباري، أما حور، بنت حازم، فكانت واخدة جزء كبير جدًا من يومي ومن فرحتي. اتعلقت بيها، واتعودت على وجودها جنبي، لدرجة إني حسيت إنها مالية عليا حياتي.
كنت مشغولة ما بين مذاكرتي النظري، ولما أحس بالزهق، أقعد في البلكونة مع ياسين. ومع الوقت، ياسين بقى بيساعدني كتير في شغل الريزين، هو وماما.
وحور كانت دايمًا تقرب مننا وتبوظ الخامات، لكن رغم كده، كنت ببقى مبسوطة جدًا وهي بتلعب حوالينا.
ما كنتش مصدقة إن الوقت ده كله عدى من غير ما أشوف مجد.
تسعة شهور من بعد ما اتجوز.
تسعة شهور كاملة ما شفتش فيها وشه، ولا سمعت صوته غير من بعيد، لما كان بيتصل برغد.
كنت نفسي أشوفه... حتى لو مرة واحدة.
في يوم، كنت قاعدة أنا ورغد، وفجأة قالتلي:
رغد: وعد، تعالي معايا فوق في شقتي، أنا مش عارفة أرتبها وأنظمها من ساعة ما حور بقت شغلاني أكتر...
وعد: خليني هنا، وخلي حور معايا، واطلعي إنتي رتبي براحتك.
رغد: لأ، هبقى زهقانة لوحدي. أهو أرتب حواليكي، وإنتي قاعدة معايا ونتكلم، قبل ما حازم يرجع.
وعد: حاضر.
وفعلًا، اتحركت بالكرسي، وركبت الأسانسير وطلعت معاها.
كان بقالي شهور ما خرجتش من الشقة، ولو خرجت، كنت بروح عند ياسين. ما كنتش عايزة أي حد، مهما كان، يشوفني بالحالة دي.
لكن بمجرد ما طلعت، وقبل ما أدخل شقة حازم، عيني جت على شقة مجد.
وقفت مكاني.
ما قدرتش أتحرك، ولا حتى أبعد عيني عن باب الشقة.
وفجأة، الذكريات رجعت قدامي واحدة ورا التانية.
افتكرت أول مرة دخلت فيها الشقة دي، وقتها كنت برسم أحلامي أنا ومجد، وبنتخيل حياتنا سوا.
افتكرت إزاي كنا عايزين نغير أوضة الأطفال لأوضة نوم، ونخلي المطبخ مفتوح على السفرة، وكل الترتيبات والتغييرات اللي كنا بنخطط نعملها في شقتنا.
شقتنا...
الكلمة دي لوحدها وجعتني.
في اللحظة دي، حسيت إني عايزة أدخل الشقة، عايزة أشوفها من جوه، وأرجع أعيش ولو لدقايق وسط أحلامي القديمة.
لكن الحقيقة إني ما بقاش من حقي أدخلها.
وطيت راسي بحزن، ورغد لاحظت سكوتي ونظراتي اللي كانت متعلقة بباب الشقة.
بصتلي بحنان وقالت:
رغد: وعد، أجيبلك المفاتيح؟
هزيت راسي وقلت بصوت هادي:
وعد: لأ.
دخلت معاها شقتها، لكن عقلي كان لسه واقف قدام باب شقة مجد.
كنت سرحانة في ذكرياتي معاه، لحد ما خيالي خدني للحظة تانية...
لحظة تخيلت فيها إنه دخل عليا، وأول ما شافني قرب مني وضمني لحضنه.
في اللحظة دي، حسيت وكأني فعلًا بين إيديه.
يااه، قد إيه كنت مرتاحة ومطمئنة، وقد إيه كنت حاسة باحتوائه ليا!
غمضت عيني، وكأني بحاول أعيش الإحساس ده لأطول وقت ممكن، قبل ما أرجع تاني لواقعي.
رغد كانت حاسة إني سرحانة، فخدت حور ونيمتها، وسابتني شوية مع ذكرياتي، وبدأت ترتب شقتها وأنا قاعدة.
لكن فجأة، صوت التليفون قطع شرودي.
بمجرد ما سمعت الرنة، قلبي دق بسرعة.
مش عارفة ليه، لكن كان عندي إحساس قوي إنه مجد.
حور صحيت على صوت التليفون، ورغد شالتها، وبعدها ردت على المكالمة.
وأول ما سمعتها بتضحك، عرفت إن إحساسي كان صح.
كان مجد فعلًا!
رغد: أيوه يا مجد، وحشتني! عامل إيه؟ بقى تقعد أسبوع كامل ما تكلمنيش!
مجد: غصب عني والله يا رغد. إنتي عاملة إيه؟ وحشتيني. كلكم عاملين إيه؟ وبابا عامل إيه؟ كلكم وحشتوني جدًا... وحازم وحور كمان.
سكت لحظة، وبعدها سألها:
مجد: رغد، وعد عاملة إيه؟
في اللحظة دي، كنت حاسة إن قلبي وقف مكانه.
كان مجد بيسأل عليا!
رغد كانت بتكلمه فيديو، وأول ما سمعت سؤاله، بصيتلها بسرعة، وشاورتلها إني عايزة أشوفه.
كنت عايزة أشوف وشه، أتأمل ملامحه، وأطمن عليه بعيني بعد كل الشهور دي.
وحشني...
وحشني أكتر مما كنت قادرة أوصف.
رغد بصت لمجد وقالت:
رغد: الحمد لله، كويسة.
مجد: طيب، هي بتكلمكم وبتطمنوا عليها؟
رغد هزت راسها وقالت:
رغد: آه، الحمد لله، كويسة.
مجد: يا ترى مبسوطة مع سمير؟
السؤال نزل على قلبي تقيل.
رغد سكتت، وما كانتش عارفة ترد عليه بإيه، لكن أنا كنت سامعة كل كلمة، وكل سؤال منه كان بيوجعني ويطمني في نفس الوقت.
كنت بشاورلها بإصرار إنها ترد، وتبلغه إني كويسة وبخير، وإن حياتي مستقرة، وإني سافرت مع سمير واتجوزنا من شهور، زي ما اتفقنا قبل كده.
وفعلًا، رغد ردت عليه بكل الكلام اللي كان المفروض يعرفه.
لكن وسط كل ده، ما قدرتش أقاوم رغبتي أكتر من كده.
بصيتلها، وشاورت بإيدي وأنا بقول من غير صوت:
وعد: عايزة أشوفه أوي.
رغد فهمتني، فقفلت الكاميرا من ناحيتها بسرعة.
لكن مجد لاحظ على طول، وسألها باستغراب:
مجد: إنتي قفلتي الكاميرا ليه يا رغد؟
رغد ارتبكت للحظة، لكنها حاولت تتصرف بشكل طبيعي، وقالتله:
رغد: أبدًا، ده حور اللي مسكت التليفون. أنا بس هرضعها وأفتحها تاني.
فضلت باصة للتليفون، وقلبي بيدق بسرعة.
كنت عارفة إنه على الناحية التانية، وإن صوته لسه قريب مني، حتى لو المسافة بينا بقت بلاد.
كل اللي كنت عايزاه إني أشوفه، ولو لثواني.
لكن كنت خايفة...
خايفة أشوفه وما أقدرش أتحمل إني مش قادرة أقرب منه.
وخايفة أكتر إن عيني تفضحني، وتقول له كل الكلام اللي حاولت أخبيه عنه طول الشهور اللي فاتت.
بمجرد ما رغد قفلت الكاميرا من ناحيتها، عيني راحت على وش مجد على طول.
كنت عايزة أشوفه، وأسمع صوته، وأتأمل ملامحه وهو بيتكلم. كنت مفتقدة كل تفصيلة فيه، وبعد شهور طويلة، أخيرًا سأل عني.
حسيت بفرحة كبيرة جوايا.
معقول لسه فاكرني؟ معقول ما نسينيش؟
بس يا ترى بيسأل عني كده لمجرد إنه بيطمن عليا، ولا لأنه لسه بيحبني؟
رغد، بعد ما وضحت له إن حور مسكت التليفون وإنها هتفتح الكاميرا تاني، كملت كلامها معاه، لكنه رجع سألها بإصرار:
مجد: ما قلتليش يا رغد، وعد فعلًا كويسة ولا لأ؟
سمعت صوته وهو بيلح عليها، وكنت حاسة قد إيه هو محتاج يطمن إني بخير.
رغد اترددت في الرد، وبعدين قالت:
رغد: آه يا مجد، وعد كويسة.
مجد: رغد، افتحي الكاميرا، أنا مش عارف أكلمك كده.
رغد عدلت التليفون بسرعة وفتحت الكاميرا، فبص لها مجد وسألها:
مجد: أنتي مش عارفة هترجع إمتى؟
رغد سكتت شوية، وبعدها ردت:
رغد: هي نفسها مش عارفة، بس احتمال بعد سنتين تلاتة.
هز مجد راسه، وبعدها سألها:
مجد: طب هي السنة دي عدت كويس عليها؟ اتخصصت إيه؟
رغد سكتت لحظة، وبعدين بصت له باستغراب وقالت:
رغد: مجد، إنت بتسأل عن وعد ليه؟
مجد ما ردش على طول، فضل ساكت شوية، وبعدها قال بصوت هادي:
مجد: لو قلت لك إني بسأل عليها على طول في عقلي وبالي، وقلبي دايمًا مش مطمن عليها؟
رغد سكتت وهي بتسمعه، وكان الحزن واضح في عينيها. رفعت عينيها ناحيتي، وكأنها عايزة تحكيله كل حاجة، عايزة تقوله إني هنا، وإن كل اللي عرفه عني مش الحقيقة.
لكن أنا ترجيتها بعيني إنها ما تتكلمش.
ما كنتش عايزة يعرف.
مش بالطريقة دي، ولا في الوقت ده.
رغد فهمت قصدي، فغيرت الكلام بسرعة وقالت:
رغد: قولي إنت يا مجد، عامل إيه؟ وأخبار شغلك إيه؟ احكيلي عنك.
مجد سكت شوية، وبعدها اتنهد وقال:
مجد: يعني هعمل إيه؟ بضغط على نفسي في الشغل والدراسة، وباتابع الشغل اللي في مصر. الحمد لله، خلال شهور بسيطة هيكون عندنا المستشفى اللي بنحلم بيها.
سكت لحظة، وكأنه افتكر حاجة، وبعدها كمل:
مجد: تعرفي إن وعد كانت بتحلم بحاجة زي كده هي كمان؟ كانت بتحلم بمستشفى تكون اقتصادية، علشان الناس اللي مش قادرة تتعالج تلاقي مكان تعالجها من غير ما تشيل هم التكاليف.
في كل مرة كانت رغد تحاول تغيّر الكلام علشان ما تضعفش وتحكيله الحقيقة، كان مجد يرجع يجيب سيرتي من جديد.
كنت قاعدة ساكتة، وبسمتي اللي كانت مرسومة على وشي من أول ما شوفته بدأت تختفي بالتدريج.
في البداية، كنت فرحانة إنه بيسأل عني، وإنه لسه فاكرني بعد كل الشهور دي.
لكن مع كل كلمة كان بيقولها، كنت بحس قد إيه هو كمان بيتعذب زيي.
مجد ما نسينيش.
لسه فاكر أحلامي، ولسه فاكر الكلام اللي كنت بحكيله عنه، ولسه شايل تفاصيل صغيرة من حياتنا، رغم كل اللي حصل ورغم المسافة اللي بقت بينا.
كنت فاكرة إني لوحدي اللي عايشة على الذكريات، لكن اكتشفت إن هو كمان بيحاول يعيش بيها.
وفجأة، مجد غير نبرة صوته وقال:
مجد: رغد، صحيح، كنت عايز أبلغك حاجة.
رغد بصت له بقلق، ولما لاحظت إنه سكت ثواني، سألته:
رغد: في حاجة يا مجد؟ إنت كويس؟ طمني عليك.
اتردد شوية، وبعدها رد:
مجد: آه، أنا بخير وكويس.
رغد: طيب، حاجة إيه اللي إنت عايز تبلغني بيها؟
مجد وطّى راسه لحظة، وبعدها قال:
مجد: سارة حامل.
في اللحظة اللي سمعت فيها الكلمة دي، ما عرفتش إيه اللي جرالي.
حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
سارة حامل...
مراته حامل في طفله.
مش عارفة ليه، لكن أول حاجة جت في بالي كانت أحلامنا القديمة، الأحلام اللي كنت أنا ومجد بنرسمها سوا، ونحلم باليوم اللي يبقى لينا فيه بيت وعيلة وطفل يجمع بينا.
كنت عارفة إن سارة زوجته، وإن من حقها تعيش حياتها معاه، وإن الطفل ده جزء من حياتهم هما الاتنين.
لكن رغم كل ده، ما قدرتش أمنع نفسي من التفكير في الحلم اللي كان يوم من الأيام حلمنا إحنا.
حلم إني أكون معاه، وإن يبقى لينا طفل، وإن حبنا يكبر معانا ويكون له امتداد في حياة صغيرة تجمعنا.
في اللحظة دي، وطيت راسي، وحسيت بوجع في قلبي.
نفس الوجع اللي حسيت بيه يوم فرحه، لما شوفته مع سارة، لكن المرة دي كان مختلف.
يمكن لأني اتعودت.
اتعودت على الوجع، وعلى الخسارة، وعلى إني كل يوم أصحى وأحاول أقنع نفسي إن الحياة لازم تكمل، حتى لو الحاجة اللي كنت بتمنى أعيشها بقت من نصيب حد تاني.
رغد بصت لمجد، وسألته باستغراب:
رغد: وإنت زعلان يا مجد؟ يعني مش مبسوط إن مراتك حامل؟
مجد سكت، وبعدها قال:
مجد: رغد، أنا عايز أقولك على حاجة، بس ده بيني وبينك.
رغد فضلت ساكتة، مستنية يسمعها باقي كلامه.
مجد اتنهد، وبدأ يتكلم بصوت كان واضح فيه التعب:
مجد: أنا وسارة....... سكت وبعدين كمل
عمري ما قربت منها، ولا لمستها، ولا عمري شفتها زوجة ليا. من ساعة ما سافرنا، ولحد من شهر ونص تقريبًا، كنت شايفها أختي وبس. هي في أوضة وأنا في أوضة، ومش قادر أقرب منها.
سكت لحظة، وكأنه بيحاول يرتب كلامه، وبعدها كمل:
مجد: لكن في لحظة ضعف، شفتها كوعد قدامي.
افتكرت لحظه ما كانت في حضني وقربت منها
أول مره المس شفايفها....
حلمي وقتها أنها تكون ليا وفي حضني وربنا يرزقنا بطفل يكون شاهد علي حبنا....
وعد اللي ما كانتش بتفارق خيالي.
حتى اللحظات اللي كانت بينا، لما كانت بتبقى في حضني ...
كنت لما أحس إني تعبان وجايب آخري من الضغط اللي أنا فيه، أقعد لوحدي وأفتكر إنها في حضني.
قلبي بدأ يدق بسرعة وأنا بسمعه.
كل كلمة منه كانت بتوصلني، وكل اعتراف كان بيكشف لي جانب من الوجع اللي هو عايشه بعيد عني.
وكمل مجد كلامه لرغد...
مجد: واللي حصل ده حصل غصب عني، ما كنتش شايف سارة أصلًا، كنت شايف وعد. ولما فوقت، فوقت متأخر.
رغد كانت بتسمعه بحزن، وحاسة بألمه وعذابه، لكنه كمل كلامه:
مجد: أنا عارف إن اللي عملته غلط، بس مش عارف إزاي حصل. اللي حصل بيني وبين سارة طبيعي، لأنها مراتي، لكن إني ما أشوفهاش هي، وأشوف وعد مكانها... ده اللي مش قادر أفهمه.
سكت شوية، وبعدها قال بصوت مكسور:
مجد: كنت حاسس إني في اللحظة دي خنتها. مش عارف أنا صح ولا غلط، ولا حتى عارف أتعامل مع إحساسي ده إزاي.
ما قدرتش أستحمل أكتر من كده.
في اللحظة دي، انفجرت في العياط، وحسيت إن نفسي بيتسحب مني، وإن صدري مش قادر يدخل الهوا.
كل حاجة اتجمعت جوايا مرة واحدة؛ وجعي، واشتياقي، وذكرياتنا، وحلمي اللي شوفته بيتحقق مع واحدة غيري، واعترافه اللي أكد لي إن قلبي ما كانش لوحده في الحكاية دي.
رغد أخدت بالها مني فجأة، وبصت ناحيتي بقلق، وبعدها رجعت بصت لمجد وقالت بسرعة:
رغد: معلش يا مجد، هكلمك تاني. أصل حور غابت عن عيني، وخايفة تكون دخلت المطبخ.
مجد هز راسه وقال:
مجد: خلاص، تمام. هستنى تليفونك.
رغد قفلت المكالمة بسرعة، وحطت التليفون على جنب، وقربت مني وهي قلقانة.
رغد: وعد! وعد، مالك؟ بصيلي يا وعد!
كنت سامعاها من بعيد، وصوتها بدأ يبعد عن ودني، كأنه جاي من مكان بعيد جدًا.
رغد فضلت تنادي عليا وهي بتحاول تفوقني:
رغد: وعد... وعد!
أخبار متعلقة :