في ظل إطلاق وزارة الصحة والسكان الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية، عادت التساؤلات والمخاوف بشأن مأمونية اللقاحات وأهميتها، وسط انتشار عدد من الشائعات والمعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي محاولة لتوضيح الحقائق العلمية والرد على أبرز التساؤلات، استعرض الدكتور إسلام عنان، استشاري اقتصاديات الصحة والسياسات الصحية، طبيعة مرضي الحصبة والحصبة الألمانية، ومخاطر الإصابة بهما، وآلية عمل اللقاحات ومكوناتها، وأسباب تنفيذ الحملات القومية للتطعيم، مؤكدًا أهمية الاعتماد على المعلومات العلمية والمصادر الطبية الموثوقة بدلًا من الانسياق وراء الشائعات.
95 ألف وفاة بسبب الحصبة عالميًا خلال 2024
وأوضح عنان أن الحصبة تُعد من أشد الأمراض المعدية، إذ يستطيع المصاب الواحد نقل العدوى إلى ما بين 12 و18 شخصًا غير محصنين، كما يمكن للفيروس البقاء معلقًا في هواء الغرفة لمدة تصل إلى ساعتين بعد مغادرة المصاب.
وتظهر أعراض المرض عادة بعد فترة تتراوح بين 10 و14 يومًا من التعرض للفيروس، وتشمل ارتفاع درجة الحرارة والرشح والسعال واحمرار العينين، يعقبها ظهور الطفح الجلدي.
وأشار إلى أن خطورة الحصبة لا تقتصر على أعراضها الظاهرة، وإنما تمتد إلى مضاعفات صحية خطيرة، أبرزها الالتهاب الرئوي، الذي يمثل السبب الأول للوفاة بين الأطفال المصابين، والتهاب الأذن الوسطى الذي قد يؤدي إلى ضعف دائم في السمع، فضلًا عن التهاب الدماغ الذي قد يسبب تلفًا دائمًا بالمخ.
كما تشمل المضاعفات العمى والإسهال الشديد والجفاف، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، بالإضافة إلى التهاب الدماغ المتصلب تحت الحاد، وهو أحد المضاعفات النادرة والمميتة التي قد تظهر بعد سنوات من الإصابة.
ولفت إلى أن الحصبة قد تؤثر كذلك على ما يُعرف بالذاكرة المناعية، حيث يتسبب الفيروس في فقدان جزء كبير من الأجسام المضادة التي كوّنها الجسم سابقًا لمقاومة أمراض أخرى، ما يجعل الطفل أكثر عرضة للإصابة بعدوى كان يتمتع بمناعة ضدها.
وبحسب الأرقام التي استعرضها، انخفضت الوفيات الناتجة عن الحصبة من نحو 780 ألف حالة عام 2000 إلى 95 ألف حالة عام 2024، بنسبة تراجع بلغت 88%، بفضل التوسع في برامج التطعيم، إلا أن الإصابات عادت للارتفاع لتسجل نحو 11 مليون إصابة عالميًا خلال 2024، نتيجة تراجع معدلات التطعيم.
الحصبة الألمانية تهدد الأجنة بالتشوهات الخلقية
وعن الحصبة الألمانية، أوضح عنان أن المرض غالبًا ما تكون أعراضه بسيطة لدى الأطفال، لكن خطورته الحقيقية تظهر عند انتقال العدوى إلى النساء الحوامل، خاصة خلال الأسابيع الأولى من الحمل.
وأشار إلى أن إصابة الأم في هذه المرحلة قد تؤدي إلى إصابة الجنين بمتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية، التي قد تصل احتمالات حدوثها إلى 90%، وتتسبب في الصمم والعمى وعيوب القلب الخلقية والتأخر الذهني، فضلًا عن احتمالات الإجهاض أو وفاة الجنين.
وأضاف أن نحو 100 ألف طفل يولدون سنويًا حول العالم مصابين بهذه المتلازمة، رغم توافر لقاح آمن ومنخفض التكلفة، مؤكدًا أن تطعيم الأطفال يمثل وسيلة لحماية الأجيال المقبلة والحد من انتقال العدوى إلى النساء الحوامل.
كيف يعمل لقاح الحصبة؟.. الفيروس الواهن وراء تكوين المناعة
وفيما يتعلق بآلية تصنيع اللقاحات، أوضح عنان أن قصة لقاح الحصبة بدأت عام 1954، عندما نجح العالم الأمريكي جون إندرز وفريقه في عزل الفيروس، قبل الترخيص بأول لقاح للحصبة عام 1963، ثم لقاح الحصبة الألمانية عام 1969، ودمجهما مع لقاح النكاف في اللقاح الثلاثي عام 1971.
وأشار إلى أن فكرة اللقاح تعتمد على استخدام فيروس موهن، يتم تمريره عبر مزارع خلوية متعددة داخل المعامل، بما يؤدي إلى تكيفه مع ظروف النمو المعملي وفقدانه تدريجيًا قدرته على إحداث المرض لدى الإنسان، مع احتفاظه بالخصائص التي تمكن الجهاز المناعي من التعرف عليه.
وبمجرد دخول اللقاح إلى الجسم، يتفاعل الجهاز المناعي مع الفيروس الموهن، ويبدأ في إنتاج أجسام مضادة وتنشيط الخلايا المناعية وتكوين ذاكرة مناعية، تمكن الجسم من التعرف سريعًا على الفيروس الحقيقي ومقاومته عند التعرض له مستقبلًا.
وأوضح أن جرعة واحدة من لقاح الحصبة توفر حماية تقارب 93%، وترتفع النسبة إلى نحو 97% بعد الحصول على الجرعتين، بينما توفر جرعة واحدة من لقاح الحصبة الألمانية حماية طويلة الأمد تمتد غالبًا مدى الحياة.
مكونات اللقاح.. وما حقيقة احتوائه على مواد ضارة؟
وحول المخاوف المتعلقة بمكونات اللقاح، أكد عنان أن جرعة اللقاح تبلغ نصف مليلتر، وتتكون من المادة الفعالة، وهي فيروسا الحصبة والحصبة الألمانية الموهنان، إلى جانب مجموعة من المواد المساعدة المستخدمة في تثبيت اللقاح والحفاظ على فاعليته.
وتشمل هذه المواد الجيلاتين المتحلل والسوربيتول، والأحماض الأمينية، وآثارًا ضئيلة للغاية من المضاد الحيوي النيومايسين المستخدم لمنع التلوث أثناء التصنيع، بالإضافة إلى الماء المعقم الذي يُذاب فيه اللقاح قبل الحقن.
وأوضح أن اللقاح لا يحتوي على الألومنيوم أو الزئبق أو الفورمالديهايد أو الكلور، مشيرًا إلى أن المواد المستخدمة تخضع لمعايير السلامة والرقابة، وأن اللقاح المستخدم في الحملات القومية معتمد من منظمة الصحة العالمية، ويخضع لرقابة هيئة الدواء المصرية، مع الالتزام بسلسلة تبريد دقيقة منذ التصنيع وحتى وصوله إلى الطفل.
هل يسبب لقاح الحصبة التوحد؟.. الدراسات العلمية تحسم الجدل
وفي رده على الشائعات المرتبطة بعلاقة اللقاحات بالتوحد، أكد عنان عدم وجود علاقة مثبتة علميًا بين لقاح الحصبة والإصابة بالتوحد.
وأوضح أن أصل هذه الشائعة يعود إلى دراسة نُشرت عام 1998 وشملت 12 طفلًا فقط، قبل سحبها رسميًا بعد ثبوت التلاعب في بياناتها، وسحب ترخيص مزاولة المهنة من صاحبها.
وفي المقابل، أشار إلى أن دراسات علمية واسعة، من بينها دراسة دنماركية تابعت أكثر من 650 ألف طفل، ومراجعات علمية شملت بيانات أكثر من مليون طفل، لم تجد أي ارتباط بين التطعيم والإصابة بالتوحد.
كما نفى صحة ما يتردد بشأن خلط لقاح الحصبة بلقاحات كورونا، مؤكدًا أن لقاح الحصبة والحصبة الألمانية منتج مستقل، يُصنع في خطوط إنتاج مخصصة، وله تركيبة معلنة وظروف تصنيع وحفظ مختلفة.
لماذا يحصل الطفل على جرعة إضافية خلال الحملة رغم التطعيم الروتيني؟
وحول أسباب إعطاء الأطفال جرعة إضافية خلال الحملة القومية رغم حصولهم على الجرعتين الروتينيتين، أوضح عنان أن الجرعتين توفران الحماية لنحو 97% من الأطفال، لكن هناك نسبة من الأطفال قد تفوتهم إحدى الجرعات، أو لا تستجيب أجسامهم للقاح بالشكل الكافي.
وأشار إلى أن الحملات القومية تستهدف الوصول إلى هذه الفئات ورفع مستوى المناعة المجتمعية إلى نحو 95%، بما يحد من انتشار الفيروس.
وأضاف أن الجرعة الإضافية لا تمثل ضررًا للطفل الذي سبق تحصينه، وفقًا لما أوضحه في عرضه العلمي، إذ تتعامل الأجسام المضادة مع الفيروس الموهن الموجود باللقاح.
لماذا يبدأ التطعيم من عمر 9 أشهر وينتهي عند 10 سنوات؟
وضح عنان أن تحديد عمر تسعة أشهر لبدء التطعيم يرجع إلى وجود أجسام مضادة تنتقل من الأم إلى الرضيع، وقد تؤثر على استجابة الجسم للقاح خلال الأشهر الأولى من الحياة، لذلك يتم الانتظار حتى تتراجع هذه الأجسام المضادة.
أما تحديد سن عشر سنوات حدًا أعلى للفئة المستهدفة بالحملة الحالية، فيرتبط بتخطيط الحملات السابقة، إذ نُفذت آخر حملة قومية عام 2015 واستهدفت الأطفال من عمر تسعة أشهر حتى عشر سنوات، وبالتالي تستهدف الحملة الحالية الأجيال التي وُلدت بعد تلك الفترة.
وأكد أن جرعة اللقاح ثابتة لجميع الأطفال، وتبلغ نصف مليلتر، ولا ترتبط بوزن الطفل.\
وعن الأعراض الجانبية، أشار إلى أنها غالبًا ما تكون بسيطة، مثل ارتفاع طفيف في درجة الحرارة أو ظهور طفح جلدي بعد أسبوع إلى أسبوعين من التطعيم، مع ضرورة عرض أي أعراض غير معتادة على الطبيب والإبلاغ عنها من خلال منظومة اليقظة الدوائية التابعة لهيئة الدواء المصرية.
هل يؤثر النيومايسين على الأطفال ضعاف السمع؟
وفيما يتعلق بالمخاوف من وجود آثار ضئيلة من المضاد الحيوي النيومايسين داخل اللقاح، أوضح عنان أن تأثير هذا المضاد على السمع يرتبط باستخدامه العلاجي بجرعات كبيرة، بينما توجد منه آثار ضئيلة للغاية داخل اللقاح تُقاس بالميكروجرام.
وأشار إلى أن المانع الذي يستدعي الانتباه هو وجود حساسية شديدة من النيومايسين، مؤكدًا أهمية تقييم الحالة الصحية للطفل من خلال الطبيب المختص.
المناعة الطبيعية أم التطعيم؟.. الوقاية تقلل مخاطر المضاعفات
ورفض عنان الاعتقاد بأن المناعة الناتجة عن الإصابة الطبيعية بالحصبة أفضل من المناعة التي يوفرها اللقاح، موضحًا أن اكتساب المناعة من خلال الإصابة قد يعرض الطفل لمضاعفات خطيرة تشمل الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ وفقدان السمع، وقد تصل إلى الوفاة، فضلًا عن التأثير على الذاكرة المناعية.
وأكد أن اللقاح يتيح للجسم تكوين استجابة مناعية دون تعريض الطفل للمخاطر المرتبطة بالإصابة الفعلية بالمرض.
كما أوضح أن لقاح الحصبة يُستخدم منذ عام 1963، وحصل عليه مليارات الأشخاص حول العالم، ما ينفي الادعاءات التي تصوره باعتباره تجربة جديدة على الأطفال.
لماذا تمول الدولة حملات التطعيم المجانية؟
وفي رده على التساؤلات بشأن تمويل الدولة لحملات التطعيم المجانية، أوضح عنان أن التطعيم يتم تمويله من الموازنة العامة، وليس بلا تكلفة، مشيرًا إلى أن الإنفاق على الوقاية يعد من أعلى التدخلات الصحية عائدًا، مقارنة بتكاليف علاج تفشيات الحصبة وما قد ينتج عنها من دخول المستشفيات والرعاية المركزة والإعاقات والوفيات.
كما أشار إلى أن تراجع معدلات التطعيم في بعض المجتمعات أدى إلى عودة تفشيات المرض، مستشهدًا بموجة الحصبة التي شهدتها الولايات المتحدة، والتي وُصفت بأنها الأسوأ منذ عام 1991، إلى جانب تفشي المرض في ساموا عام 2019، والذي أسفر عن وفاة 83 شخصًا، معظمهم من الأطفال.
الحملة القومية للتطعيم 2026.. تستهدف 21 مليون طفل\
وعلى صعيد الحملة الحالية، أطلقت وزارة الصحة والسكان الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية يوم 25 أكتوبر 2026، وتستمر لمدة ثلاثة أسابيع حتى منتصف نوفمبر تقريبًا.
وتستهدف الحملة نحو 21 مليون طفل من المصريين وغير المصريين المقيمين في مصر، بداية من عمر تسعة أشهر وحتى عشر سنوات، باستخدام اللقاح الثنائي ضد الحصبة والحصبة الألمانية، بالمجان بالكامل.
وتُنفذ الحملة من خلال الوحدات والمراكز الصحية ومكاتب الصحة، والمدارس الحكومية والخاصة والدولية والمعاهد الأزهرية والحضانات، إلى جانب الفرق الطبية المتنقلة.
وتتضمن خطة التنفيذ توفير نحو 23 مليون جرعة، بمشاركة أكثر من 14 ألف فرقة تطعيم موزعة على المحافظات السبع والعشرين، فيما خصصت وزارة الصحة الخط الساخن 105 للرد على استفسارات المواطنين.
وأكدت الوزارة أن جرعة الحملة لا تحل محل التطعيمات الروتينية، إذ يستمر حصول الطفل على اللقاح الثلاثي في مواعيده المحددة، مع مراعاة الفصل بين جرعة الحملة والجرعة الروتينية بأربعة أسابيع إذا تزامن موعدهما، وفقًا لتوجيهات طبيب الأطفال.
المناعة المجتمعية مسؤولية مشتركة
وفى ختام عرضه، شدد عنان على أهمية التزام الأسر بتطعيم الأطفال المستهدفين خلال فترة الحملة، ومراجعة شهادات التطعيمات الروتينية للتأكد من استكمال الجرعات المقررة.
وأكد أن حماية الطفل بالتطعيم لا تقتصر على حمايته شخصيًا من الإصابة، بل تمتد إلى حماية الرضع الذين لم يبلغوا سن التطعيم، والأطفال الذين تمنعهم ظروفهم الصحية من الحصول على اللقاح، والنساء الحوامل وأجنتهن.
وشدد على أن تحقيق المناعة المجتمعية يتطلب مشاركة الجميع، والاعتماد على المصادر الطبية الموثوقة، والرجوع إلى الأطباء والجهات الصحية المختصة للحصول على المعلومات الصحيحة بدلًا من تداول الشائعات .














0 تعليق