حسام مغازي وزير الموارد المائية والري الأسبق في حوار لـ«صوت الأمة»: الأمن المائي لا يحتمل القرارات المنفردة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

القاهرة تمسكت بمفاوضات سد النهضة لأكثر من عشر سنوات.. والأمن المائي لا يحتمل القرارات المنفردة

إثيوبيا تضرب بقواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار المشتركة عرض الحائط.. وتصرفاتها "استفزاز" لمصر والسودان

موقفنا واضح بدعم التنمية الأفريقية.. و"المزاعم الإثيوبية ضدنا يرد عليها دورنا في بناء سد «جوليوس نيريري» بتنزانيا وسد «واو» بجنوب السودان

في ملف تتشابك فيه الحسابات السياسية مع الاعتبارات الفنية والهندسية، وتتصدر فيه قضية الأمن المائي أولويات الدولة المصرية، تظل مفاوضات سد النهضة الإثيوبي واحدة من أبرز الملفات التي تكشف أهمية التفاوض والتنسيق بين الدول المتشاركة في موارد المياه، فعلى مدار سنوات، تمسكت مصر بالوصول إلى اتفاق ينظم ملء السد وتشغيله، ويضمن عدم الإضرار بحقوق دولتي المصب، مصر والسودان، مع التأكيد على أن حق دول حوض النيل في التنمية لا يتعارض مع ضرورة احترام الحقوق المائية للدول الأخرى.

وجاءت تأكيدات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح أعمال الدورة التاسعة من فعاليات «أسبوع القاهرة للمياه»، بشأن رفض فرض الأمر الواقع أو التفريط في الأمن المائي المصري، لتجدد التأكيد على ثوابت الموقف المصري، القائم على دعم التنمية والتعاون بين دول الحوض، ورفض الإجراءات والأفعال الأحادية التي قد تمس المصالح المائية المشتركة، لا سيما مع إعلان إثيوبيا الأخير بشأن اعتزامها بناء سد جديد ميجتش والذي يُمثل حلقة جديدة من التهديدات والاستفزازات المباشرة لمصر والسودان. كما تعكس هذه الرسائل حجم التحديات التي تواجه مصر، في ظل اعتمادها شبه الكامل على نهر النيل في مواردها المائية المتجددة، وانخفاض نصيب الفرد من المياه إلى مستويات تقل عن حد الندرة المائية.

لكن قراءة المشهد الراهن لا تكتمل من دون العودة إلى المراحل الأولى من مفاوضات سد النهضة، واستعادة ما شهدته من محاولات للتوصل إلى تفاهمات، وما واجهته من خلافات بشأن الدراسات الفنية وقواعد الملء والتشغيل، فضلًا عن فرص التعاون التنموي بين مصر ودول حوض النيل.

من هنا، تفتح «صوت الأمة» ملف الأمن المائي المصري مع الدكتور حسام مغازي، وزير الموارد المائية والري الأسبق، الذي يستعيد في هذا الحوار جانبًا من تجربته خلال مرحلة مهمة من مفاوضات سد النهضة.. وإلى نص الحوار

بدايةً، كيف تصف تجربتك في إدارة ملف السد الإثيوبي خلال فترة توليك وزارة الموارد المائية والري؟

توليت وزارة الموارد المائية والري في مرحلة مهمة من مراحل التعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي، عندما تولي فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، وكانت هناك لقاءات واجتماعات متواصلة بين مصر والسودان وإثيوبيا، تنقلت بين عواصم الدول الثلاث، وكان الهدف الأساسي الوصول إلى تفاهم بشأن السد، بما يضمن عدم الإضرار بمصالح دولتي المصب، وفي الوقت نفسه لا ينكر حق إثيوبيا في التنمية.

منذ البداية، لم يكن الموقف المصري قائمًا على رفض إنشاء السدود أو الاعتراض على مشروعات التنمية في دول حوض النيل، وإنما كان قائمًا على ضرورة دراسة الآثار المحتملة للسد، والتأكد من سلامته، والتفاهم بشأن قواعد الملء والتشغيل، خاصة أن الأمر يتعلق بنهر مشترك ترتبط به مصالح أكثر من دولة، وخلال تلك المرحلة، تسلمت مصر الدراسات والتصميمات المتعلقة بالسد، وجرى التعامل معها من خلال الخبراء والفنيين المختصين، في محاولة للوصول إلى أرضية مشتركة تتيح للدول الثلاث فهم الآثار المحتملة للمشروع والتعامل معها بصورة علمية.

كيف وصلت المفاوضات إلى توقيع إعلان المبادئ في مارس 2015؟

كان توقيع إعلان اتفاق المبادئ في مارس 2015 محطة مهمة؛ لأنه أكد وجود إطار سياسي مشترك للتعامل مع ملف السد الإثيوبي، وكانت الفكرة الأساسية هي أن الخلافات المتعلقة بالسد يمكن التعامل معها من خلال التفاوض والتعاون والدراسات الفنية، بدلًا من تركها تتطور إلى أزمة مفتوحة. فمصر لم تكن تطالب بوقف التنمية في إثيوبيا، وإنما تسعى إلى ضمانات واضحة بشأن تأثير السد على مواردها المائية، خاصة في ظل اعتمادها الأساسي على نهر النيل، لكن توقيع إعلان المبادئ لم يكن نهاية الطريق، بل كان يفترض أن يكون بداية لمرحلة أكثر تفصيلًا، تُترجم فيها المبادئ العامة إلى تفاهمات عملية وقواعد واضحة تحكم ملء السد وتشغيله.

وماذا عن الدراسات الفنية التي اتفقت الدول الثلاث على إجرائها؟

تم الاستعانة بمكتب فرنسي دولي لإجراء الدراسات الفنية المطلوبة، بما يساعد الدول الثلاث على تقييم آثار السد والتوصل إلى نتائج تستند إلى أسس علمية. وعندما غادرت الوزارة في مارس 2016، كانت هذه الدراسات لا تزال جارية.

لكن مسار الدراسات واجه صعوبات وخلافات بين الأطراف، سواء فيما يتعلق بالبيانات المطلوبة أو بمنهجية العمل أو بكيفية التعامل مع النتائج. وبعد ذلك، اتجهت الدول إلى مسارات أخرى، من بينها الاعتماد على الخبراء الوطنيين، إلا أن الخلافات استمرت ولم تنجح الجهود في الوصول إلى اتفاق شامل.

ومن وجهة نظري، فإن أي تفاوض بشأن مشروع بهذا الحجم لا يمكن أن يحقق أهدافه من دون تعاون فني حقيقي، وتبادل للمعلومات، واستعداد من جميع الأطراف للتعامل مع المخاوف المطروحة بصورة جدية.

شهد الملف لاحقًا محاولات للوساطة، من بينها المسار الذي استضافته الولايات المتحدة. كيف تنظر إلى هذه المحاولات؟

تعددت محاولات الوساطة والتدخل لتقريب وجهات النظر، وكان من بينها المسار الذي استضافته الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى، وكانت هناك محاولة للوصول إلى صيغة اتفاق تنظم التعامل مع السد وتحدد قواعد الملء والتشغيل، لكن هذه الجهود لم تنتهِ إلى اتفاق نهائي ملزم تقبله الأطراف كافة. وظل جوهر المشكلة قائمًا، وهو عدم التوصل إلى قواعد متفق عليها يمكن الرجوع إليها عند حدوث اختلاف بشأن إدارة السد أو خلال سنوات الجفاف وانخفاض الإيرادات المائية.

لماذا تتمسك مصر بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة الإثيوبي؟

لأن قضية سد النهضة لا تتعلق فقط بإنشاء منشأة مائية، وإنما تتعلق بكيفية إدارتها وتأثيرها على دول أخرى تعتمد على النهر نفسه. ومن هنا تأتي أهمية الاتفاق الملزم، الذي يحدد قواعد واضحة للملء والتشغيل، ويتضمن آليات للتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد وانخفاض الإيرادات المائية.

في الظروف الطبيعية قد تكون هناك مساحة أكبر للتعامل مع التغيرات في الإيرادات المائية، لكن التحدي الحقيقي يظهر عندما تنخفض المياه المتاحة. في هذه الحالة، لا بد من وجود قواعد متفق عليها تحدد كيفية إدارة السد، وكيفية التنسيق بين الدول، وما الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقليل الأضرار على دولتي المصب.

وقد كان الخلاف قائمًا حول عدد من التفاصيل الفنية، ومنها كيفية تعريف فترات الجفاف، والقواعد التي ينبغي تطبيقها خلالها، وكيفية التعامل مع المياه المخزنة والتصرفات المائية من السد. وهذه المسائل لا يمكن تركها للاجتهاد المنفرد عند وقوع الأزمة؛ بل ينبغي أن تكون محددة مسبقًا في اتفاق واضح.كيف تقيم تأثير التصرفات الأحادية في إدارة نهر النيل على مصالح مصر والسودان؟

التعامل مع نهر مشترك يجب أن يقوم على التنسيق والتعاون، وليس على اتخاذ إجراءات منفردة قد تؤثر في مصالح الدول الأخرى. فالنهر لا يرتبط بدولة واحدة، وإنما تتصل به احتياجات ومصالح دول تتشارك مياهه، ولذلك فإن إدارة المشروعات الكبرى عليه تستلزم مراعاة آثارها على الأطراف الأخرى.

ومصر لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية، لكنها تتمسك في المقابل بضرورة عدم الإضرار بمصالحها المائية، وبأهمية وجود قواعد متفق عليها لإدارة السد. وهذا هو جوهر الخلاف: كيف يمكن تحقيق التنمية في دولة المنبع، مع ضمان عدم تعريض دولتي المصب لمخاطر لا توجد قواعد واضحة للتعامل معها؟.. ومن هنا تأتي أهمية الاتفاق الملزم، ليس باعتباره عائقًا أمام التنمية، وإنما باعتباره وسيلة لتنظيمها، وحماية المصالح المشتركة، وتقليل احتمالات التوتر بين الدول.

تتهم بعض الروايات الإثيوبية مصر بأنها تعرقل التنمية في دول حوض النيل وترفض إقامة السدود. كيف ترد على هذه المزاعم في ضوء تجربتك؟

هذا التصوير لا يعكس طبيعة الموقف المصري من التعاون مع الدول الأفريقية، فمصر شاركت في مشروعات تنموية ومائية في القارة، وساهمت شركاتها وخبراؤها في تنفيذ مشروعات مهمة خارج حدودها، ومن بينها مشروعات في دول حوض النيل.

لذلك، فإن اختزال الموقف المصري في أنه رفض للتنمية لا يوضح حقيقة الخلاف. فالقضية تتعلق بضرورة تحقيق التنمية بصورة تراعي المصالح المشتركة، وتقوم على التعاون وتبادل المعلومات والاتفاق على قواعد واضحة.

ما أبرز نماذج التعاون المصري في تنفيذ مشروعات مائية وتنموية بأفريقيا؟

من النماذج المهمة مشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا، الذي شاركت في تنفيذه شركات مصرية، من بينها شركة المقاولون العرب، إلى جانب مشاركة الخبرات والكوادر المصرية في أعمال المشروع.

وهذا المشروع يعكس إمكانية التعاون بين الدول الأفريقية في تنفيذ مشروعات كبرى لتوليد الكهرباء وإدارة الموارد المائية،كما أن هناك مشروعات أخرى شاركت مصر في دعمها أو تنفيذها، من بينها مشروعات مائية في السودان وأوغندا وفي جنوب السودان أهدتهم مصر التصميم المعماري لسد "واو"، إلى جانب مشروعات مرتبطة بالحماية من الفيضانات وحفر الآبار وغيرها من مجالات التعاون.

إلى أي مدى يمثل الفقر المائي في مصر تحديًا متزايدًا؟

يمثل الفقر المائي أحد أبرز التحديات التي تواجه مصر، لأن الموارد المائية المتاحة لا تنمو بالمعدل نفسه الذي تنمو به الاحتياجات. فالزيادة السكانية تعني ارتفاع الطلب على مياه الشرب والغذاء والخدمات، كما أن التوسع في الأنشطة الزراعية والصناعية يفرض احتياجات إضافية.

ومن ثم، فإن إدارة المياه لا يمكن أن تعتمد على مورد واحد أو على أسلوب واحد في التعامل مع الندرة. لا بد من العمل في أكثر من اتجاه، من خلال الحفاظ على الموارد المتاحة، ورفع كفاءة الاستخدام، ومعالجة المياه وإعادة استخدامها، والتوسع في تحلية مياه البحر حيث تكون مناسبة اقتصاديًا وفنيًا.

وهذا يجعل قضية المياه ملفًا متكاملًا؛ فهي ترتبط بالأمن الغذائي، والتنمية الاقتصادية، والتخطيط العمراني، والاستثمار في البنية التحتية، وليس فقط بكمية المياه المتدفقة في نهر النيل.

كيف تنظر إلى إعلان إثيوبيا اعتزامها إقامة سد جديد؟

إن اتخاذ إثيوبيا خطوات منفردة في ملف مائي حساس، من دون تنسيق كافٍ مع الدول المعنية، يمكن أن يفاقم الخلافات ويضعف فرص بناء الثقة، ولذلك فإن المطلوب هو الاحتكام إلى التعاون والقواعد المنظمة للأنهار المشتركة، وعدم التعامل مع الموارد المائية باعتبارها شأنًا منفردًا لا يتأثر بما يحدث لدى الدول الأخرى.

والأصل أن تكون هناك معلومات واضحة بشأن أي مشروع جديد، وأن تُدرس آثاره بصورة فنية، وأن يجري التشاور مع الدول المعنية بما يحفظ مصالح الجميع. فالتعاون والاتفاق أفضل من ترك المخاوف تتزايد في غياب المعلومات والتفاهمات.


ننتقل إلى الداخل المصري.. ما أهمية مفيض توشكى في منظومة إدارة المياه، وكيف يسهم في التعامل مع تغيرات الإيرادات المائية؟

مفيض توشكى جزء من منظومة إدارة المياه المرتبطة بالسد العالي وبحيرة ناصر، وله وظيفة تتعلق بالتعامل مع ارتفاع مناسيب المياه وتوجيه الفائض وفقًا للظروف التشغيلية، وتنبع أهميته من كونه أحد العناصر التي تساعد على إدارة المياه في ظروف معينة، ضمن منظومة متكاملة تضم السد العالي والبحيرة والمنشآت المرتبطة بهما.

وماذا عن مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها؟

إعادة استخدام المياه تمثل أحد المسارات المهمة التي تعتمد عليها مصر في التعامل مع محدودية الموارد المائية. فبدلًا من فقد كميات من مياه الصرف الزراعي التي يمكن الاستفادة منها، يجري العمل على معالجتها وفقًا للمعايير المطلوبة، ثم إعادة استخدامها في أغراض مناسبة، وفي مقدمتها بعض الاستخدامات الزراعية.

وتتطلب هذه العملية محطات معالجة وبنية تحتية وشبكات لنقل المياه، فضلًا عن التأكد من ملاءمة نوعية المياه للاستخدام المستهدف. كما أن إعادة الاستخدام لا تعني الاستغناء عن المعالجة أو تجاهل الاشتراطات الفنية والصحية والبيئية، وإنما تقوم على إدارة المياه بصورة تتيح الاستفادة منها أكثر من مرة وفقًا للضوابط المحددة.

وتكمن أهمية هذه المشروعات في أنها ترفع كفاءة الاستفادة من الموارد المتاحة، وتساعد على توفير مياه لأغراض مختلفة، خاصة مع استمرار نمو الطلب على المياه في مصر.

هل يمكن أن تمثل تحلية مياه البحر بديلًا عن مياه النيل في مواجهة الفقر المائي؟

تحلية مياه البحر أحد الخيارات المهمة، خاصة في المناطق الساحلية التي يصعب فيها الاعتماد على نقل المياه من مصادر بعيدة. وهي توفر مصدرًا إضافيًا للمياه، لكن يجب النظر إليها في ضوء تكلفتها واحتياجاتها من الطاقة والبنية الأساسية.

وما المطلوب من القطاع الزراعي في ظل محدودية الموارد المائية؟

القطاع الزراعي من أهم القطاعات المرتبطة بالمياه، ولذلك فإن تحسين كفاءة استخدام المياه فيه يمثل ضرورة. ويشمل ذلك اختيار المحاصيل المناسبة للظروف المائية، والاهتمام بالأصناف التي تتحمل الجفاف أو الملوحة حيث تكون ملائمة، والاستفادة من البحث العلمي في تحسين الإنتاجية.

كما أن نظم الري الحديثة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في الأراضي التي تناسبها هذه النظم، مع ضرورة مراعاة الظروف الفنية لكل منطقة.

أخيرًا، ما الرسالة التي ترى ضرورة التأكيد عليها في النقاش الدائر حول سد النهضة الإثيوبي والأمن المائي المصري؟

الرسالة الأساسية هي أن المياه مورد مشترك، وأن التعامل معها يجب أن يقوم على التعاون واحترام مصالح الدول المعنية. فالتنمية حق لكل دولة، لكن إدارة الأنهار المشتركة تتطلب التنسيق والشفافية والالتزام بالقواعد التي تمنع الإضرار بمصالح الآخرين.

ومصر تواجه تحديًا مائيًا حقيقيًا نتيجة محدودية مواردها وارتفاع احتياجاتها، ولذلك فإن الحفاظ على أمنها المائي يتطلب استمرار العمل على المسارين: التفاوض والتعاون مع دول حوض النيل، وتحسين إدارة الموارد المتاحة داخليًا.

والهدف في النهاية هو الوصول إلى إدارة مستقرة للمياه، تسمح بالتنمية وتقلل فرص الخلاف، حتى لا يتحول هذا المورد الحيوي إلى مصدر للتوتر السياسي بين الشعوب والدول.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق