من ذاكرة الأجداد إلى تصاميم المستقبل   

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لا يقتصر التراث على العادات والتقاليد والحِرَف القديمة، بل يمتد إلى تفاصيل البيئة المحلية وذاكرتها البصرية، وما تحمله من قِيَم وجماليات تشكّل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، ومع تسارع التحولات التكنولوجية، تتجدد أمام المبدعين فرص استلهام هذا الموروث وإعادة تقديمه برؤى معاصرة تحافظ على أصالته وتواكب متطلبات الحياة الحديثة.

وفي هذا السياق، تبرز تجارب مصممات إماراتيات نجحن في تحويل مفردات من البيئة المحلية والذاكرة الشعبية إلى عناصر إبداعية حاضرة في عالم الأزياء والتصميم، من خلال استلهام الألوان والخامات والزخارف والحرف التقليدية، وإعادة صياغتها بأساليب تتناسب مع الحاضر، ومن بين هذه التجارب، تجربة مصممة الأزياء فريال البستكي، والمصممة الجود لوتاه، اللتين قدمتا قراءتين مختلفتين للتراث من خلال أعمالهما الفنية والتصميمية.

وأكدت المصممتان الإماراتيتان، فريال البستكي والجود لوتاه، المتخصصتان في الأزياء والتصميم والديكور، لـ«الإمارات اليوم»، أن التقنيات الحديثة لم تُلغِ التراث، بل أتاحت له آفاقاً جديدة للحضور في المستقبل، عبر توظيف عناصر البيئة المحلية ومفردات الذاكرة البصرية في تصاميم معاصرة تجمع بين أصالة الماضي وابتكارات الحاضر.

جزء من الذاكرة والهوية

وترى فريال البستكي أن التراث الإماراتي ليس مجرد مصدر إلهام تستعين به عند تصميم مجموعة جديدة، بل هو جزء من ذاكرتها وطفولتها وهويتها التي نشأت عليها.

وقالت البستكي لـ«الإمارات اليوم»: «نشأتي في دبي جعلتني أحتفظ بالكثير من التفاصيل المرتبطة بالماضي، بدءاً من بيوت الأجداد وأبوابها وزخارفها، وصولاً إلى ألوان الأقمشة والتطريزات التي كانت تزيّن ملابس الأمهات والجدات، وجلسات العائلة والمناسبات التي تجمع أفرادها، هذه التفاصيل التي شكّلت جزءاً من حياتي اليومية، أصبحت لاحقاً مصدراً مهماً لإلهامي الفني».

ومع بداية رحلتها في تصميم الأزياء، وجدت البستكي نفسها تعود إلى تلك الذكريات، وتسعى إلى ترجمتها في تصاميم تحمل روح الماضي بأسلوب يناسب الحاضر، ومن أبرز العناصر التراثية التي تحرص على إبرازها حرفة التلي والنقدة، والمخورة الإماراتية والسويعية، إلى جانب التطريزات التقليدية التي تعكس مهارة المرأة الإماراتية وإبداعها، كما تستلهم من العمارة القديمة والأقواس والزخارف الجصية، وألوان الصحراء وبحر جميرا وأشجار الغاف، وتحول هذه العناصر إلى تفاصيل فنية تحمل في طياتها ذكريات ومشاعر مرتبطة بالبيئة المحلية.

وتشير البستكي إلى أنها توظف خبرتها في الرسم والفن التشكيلي ضمن تصاميمها، إذ تبدأ بعض أعمالها بلوحات ترسمها بالألوان المائية، ثم تنقل تفاصيلها إلى القماش، وتضيف إليها التطريز والخيوط والخرز، لتصبح القطعة امتداداً للعمل الفني.

تؤمن البستكي بأن كل تصميم يحمل قصة، وأن من أجمل ما يمكن تقديمه للأجيال الجديدة جعْلهم يرتدون تراثهم ويفتخرون به، بدلاً من الاكتفاء بمشاهدته في الصور والمتاحف. فالتراث، من وجهة نظرها، ليس شيئاً انتهى مع الماضي، بل ذاكرة حية يمكن إعادة اكتشافها ومنحها حياة جديدة من خلال الفن والتصميم.

لغة للتواصل الثقافي

وفي حديثها عن تفاعل الجمهور مع التصاميم المستوحاة من التراث الإماراتي، توضح البستكي أنها لمست اهتماماً من أشخاص ينتمون إلى جنسيات مختلفة بالتعرف إلى تفاصيل هذا التراث، خصوصاً عندما تشرح لهم قصة التصميم ومصدر إلهامه والحرفة المستخدمة فيه.

وتشير إلى أن قطعة صغيرة من التلي أو تطريزة من النقدة قد تكون بداية حديث عن تاريخ المرأة الإماراتية ومهارتها وصبرها وذوقها الفني.

ومن التجارب التي تعتز بها تعاونها الثقافي والفني بين الإمارات وتايلاند، الذي جمع بين جمال الحرير التايلاندي وعناصر مستوحاة من حرفة التلي الإماراتية. وترى أن هذه التجربة أكدت قدرة الفنون على خلق حوار بين الثقافات، وإثراء الإبداع من دون أن يفقد أي طرف هويته.

ولا تحصر البستكي توظيف التراث في الملابس التقليدية، بل تحرص على تقديمه من خلال الأوشحة الحريرية والإكسسوارات واللوحات الفنية والتصاميم المعاصرة، لتكون قريبة من ثقافات وأذواق مختلفة. وتصف كل قطعة مستوحاة من التراث الإماراتي تصل إلى العالم بأنها سفير صغير للدولة، يحمل حكاية من أرضها وتاريخها وذاكرتها.

وتؤكد أن مسؤولية المبدعين الإماراتيين تتمثل في تقديم هذا الإرث بصورة أصيلة ومعاصرة، تعكس جمال الثقافة الإماراتية، وتفتح أبواب الحوار والتواصل مع الشعوب الأخرى.

بين الأصالة والحداثة

وتلفت البستكي إلى أن الشباب اليوم يعيشون بين عالم الموضة والتكنولوجيا والتوجهات العالمية، وجذورهم وهويتهم وذكريات عائلاتهم، مشيرة إلى أن الجيل الجديد لديه رغبة في التعبير عن هويته بأسلوب يتناسب مع حياته اليومية.

وترى أن تقديم التراث بأسلوب عصري ومدروس يجعل الشباب أكثر تقبلاً له وارتباطاً به، مستشهدة بتوظيف حرفة التلي في عباية بقصة حديثة، أو استلهام زخارف بيوت الأجداد في تصميم وشاح حريري، مؤكدة أن ذلك لا يغيّر التراث، بل يمنحه مساحة جديدة ليبقى حاضراً في الحياة المعاصرة.

وتشدد على أن المحافظة على التراث مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والمؤسسات الثقافية والمبدعين، معربة عن أملها في أن يقدم المزيد من المصممين الشباب التراث الإماراتي للعالم برؤاهم الخاصة، وأن تصبح الحرف الإماراتية جزءاً من لغة الموضة العالمية، لما تحمله من تاريخ وقيم إنسانية وثقافية.

اهتمام بالتغيرات

وتوضح المصممة الجود لوتاه أن ارتباطها بالبيئة والتراث الإماراتي جاء بصورة طبيعية، نتيجة نشأتها في دبي، واهتمامها بالتغيرات التي شهدتها المدينة على مر السنين، مشيرة إلى أن ما يشدها هو فهم طبيعة الحياة في الماضي، وكيف أثرت البيئة وأنماط العيش في العمارة والتصميم وتفاصيل الحياة اليومية.

وقالت لوتاه لـ«الإمارات اليوم»: «أرشيف الصور الذي وثّقه جدي لدبي أسهم في منحي منظوراً مختلفاً للمدينة، وساعدني على فهم علاقتي بالماضي، وكيف تطورت مع مرور الوقت».

ومن خلال عملها في استوديو الجود لوتاه، تحرص على البحث في هذه التفاصيل، وفهم القصص والأفكار التي تقف وراءها، ثم ترجمتها بأسلوب معاصر، سواء في قطع الأثاث أو الأعمال الفنية أو تصميم المساحات.

وتؤكد أن توظيف التراث لا يعني بالضرورة نقل عناصره كما هي، بل الأهم فهم قيمتها والمحافظة على المعاني التي تحملها، ومنحها حضوراً في التصاميم الحديثة.

تقنيات حديثة في خدمة الهوية

وتشير لوتاه إلى أن المواد تُعد من أهم العناصر في أي مشروع تصميمي، وغالباً ما تكون نقطة البداية للفكرة، موضحة أنها تحرص على التعرف إلى أصل المادة وطريقة استخدامها وخصائصها، واستكشاف إمكانات توظيفها بطرق مختلفة.

وتميل إلى استخدام المواد الطبيعية المرتبطة بالبيئة المحلية، سواء من حيث الملمس أو اللون أو طريقة التصنيع، مع تجربة دمجها بمواد وتقنيات حديثة للوصول إلى نتائج جديدة. كما تعتمد في جانب من أعمالها على التعاون مع الحرفيين والمصنّعين، إذ تكشف مراحل التجربة والتصنيع عن إمكانات إضافية للمواد لم تكن واضحة في البداية.

وترى أن ارتباط التصميم بالهوية لا يشترط أن يظهر من خلال شكل تراثي مباشر، فقد تكون المادة نفسها أو طريقة استخدامها كافية للتعبير عن البيئة والثقافة التي ينتمي إليها العمل، بما يضمن تقديم قطعة معاصرة ترتبط في الوقت نفسه بالمكان الذي جاءت منه.

مساحة للتجربة والتطوير

وتؤكد لوتاه أهمية عدم التعامل مع التراث بوصفه شيئاً ثابتاً أو محصوراً في الماضي، بل باعتباره مجالاً واسعاً للتجربة والتطوير، خصوصاً مع ظهور جيل جديد من المصممين والفنانين الذين يمتلكون أساليب مختلفة في التفكير والتعبير.

وتوضح أن الشباب ينجذبون بصورة أكبر إلى الأعمال التي تقدم أفكاراً جديدة وتجارب تفاعلية، بدلاً من الاكتفاء بإعادة استخدام الرموز والعناصر التقليدية بصورة مباشرة.

وتشير إلى عملها على معرض المصممين الإماراتيين «إرث الغد»، الذي يجمع 30 مصمماً من المقيمين في الإمارات، ويطرح مفهوماً أوسع للتراث لا يقتصر على الحرف والمواد، بل يشمل العادات والبيئة والتكنولوجيا وطريقة تفاعل الناس مع بعضهم بعضاً.


جذور الماضي وطموح المستقبل

تعكس تجربتا فريال البستكي والجود لوتاه تنوع أساليب استلهام التراث الإماراتي وإعادة تقديمه في أعمال معاصرة، فبين توظيف الحرف التقليدية في الأزياء، واستكشاف المواد والعمارة والبيئة في التصميم، تبرز قدرة المبدعين على الحفاظ على الذاكرة الثقافية، ومنحها أشكالاً جديدة تتناسب مع متطلبات الحاضر.

وتؤكد هذه التجارب أن مواكبة التطور لا تعني التخلي عن الهوية، بل تتيح فرصاً أوسع للتعريف بالتراث الإماراتي وإيصاله إلى الأجيال الجديدة والجمهور العالمي، من خلال أعمال تجمع بين أصالة الماضي وإبداع الحاضر وتطلعات المستقبل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق