في مثل هذا اليوم، قبل ثلاثة وخمسين جرحاً في جسد الزمن، ولدتُ في مخيم دير البلح وسط قطاع غزة ، على شاطئ بحرٍ لا يؤمن بالهدوء. كانت الحياة يومئذ أمراً بسيطاً يشبه قُبلة على جبينِ طفل، وكان العمر ينساب هادئاً كنهرٍ لا يعرف مصبه. كُنت أُمسد السنوات بأطراف أصابعي، أعدّها نجمة نجمة في سماءِ حلمي، وأحسب أن الشيب لا يزور إلا القلوب التي خلت من الحُب.
لكنني اليوم، إذ أطفئ شمعة الثالثة والخمسين، لا أجد شموعاً ولا أعداداً، بل أجد ركاماً يرشح بالحنين، وأرواحاً تتهامس في الخفاء. كيف لعمرٍ كامل أن يتكثف في حفنة سنوات شاهقة السواد؟
لقد كبُرت غفلة يا أمي، لم يكن كبري هذا تراكماً مهيلاً للأيام، بل كان هوياً خاطفاً في جب الموت. كبرت في اللحظة التي غادرتِ فيها هذا العالم، يوم انطفأت زهرة حنانكِ التي كانت تقيني هجير الأيام. في تلك الليلة التي غاب فيها صوتكِ، لم أعد ذلك الروائي الذي يغزل من الكلمات شراعاً للأمل، بل صرت طفلاً يتيم الأبجدية، خائفاً يتعثر في ظلام غيابكِ. كان موتكِ هي الزلزلة الأولى، التي أعلنت انتهاء طفولتي العتيقة، ورسمت على وجهي أول الخطوط الصارمة للمشيب.
ثم جاءت الإبادة المتوحشة، ثلاث سنوات كالحاتٍ، رجمتنا بالقصف والهلع، وأعادت صياغة أرواحنا بالخوف والدم. ثلاث سنوات كانت كافية لتزرع في شعري عقوداً من القهر، ولتجعل من جسدي عوداً يابساً يائساً تعزف عليه الرياح ألحان الوداع. كيف للإنسان أن يصير عجوزاً في ثلاث سنين؟ كيف يمكن للقلب أن يتجعد كورقةٍ خريفيةٍ سقطت في حريق؟
في كل ليلة يُمزق فيها صوت القذائف صمت المدينة، كنت أضم فراري وخوفي، وأبحث في الزوايا عن حضنكِ المفقود. كنت أشعر أن كل صاروخ يسقط، لا يكسر جدراناً فحسب، بل يكسر شيئاً حيّاً في داخلي، يسلبني رغبتي في الكتابة، ويمحو من معجمي العاطفي كلمات العشق والأمل. صار الوداع لغتنا المائية التي نتكلمها كل يوم، نودع الأحبة بشفاه يابسة، ونصحو على جنائز الخاطر والأحلام.
أنا اليوم رجلٌ غزيّ يقف على حافة الرابعة والخمسين، لكن قلبي يحمل خطوات شيخ بلغ من الكِبَرِ
عتياً. هذه الحرب لم تعد جغرافيا غاضبة، بل صارت تاريخاً شخصياً لفقدي، أرى فيها وجه أمي الكريم وضحكة أبي الناعسة، وأسمع فيها خفقان القلوب التي رحلت قبل أن تقول كلمتها الأخيرة. أراقب انعكاسي في المرايا المهشمة، فلا أتعرف على الرجل الذي يحدق بي، عينان صغيرتان أرهقهما السهر والحداد، وثغر نسي كيف يبتسم للندى.
ومع ذلك، في هذا التاريخ المضمخ بالأسى، تحبو الروح نحو الضوء، وترفض أن تُسلم مفاتيحها للفناء. برغم هذا الشيب الذي تداخل مع غبار الركام، وبرغم التجاعيد التي حفرتها الفاجعة حول عيني، ما زلنا نبحث عن الحُب لنهرب به من وجه الموت. نبحث عن كلمة حنونة تستردنا من الشتات، عن نظرة تداوي انكسار الذات، عن دَفق يدين يُعيد إلينا الدفء الذي غاب بغياب المدينة العاشقة. أليس الحُب هو حيلتنا الأخيرة لنقول للموت إنك لن تستطيع محو أسرارنا وعِشقنا؟ أليس هو القلعة العتيقة التي نلجأ إليها كلما اشتد قصف الوجع وضاق بنا الفضاء؟
إننا نُحب لأننا خائفون، ونعشق لأننا نعلم كم هي قصيرة هذه اللحظة العابرة بين قذيفتين. أفتش في ركام السنوات عن شغفي القديم، شغف الكاتب الذي لا يملك سوى كلماته ليضيء بها هذا الظلام الدامس، وأرفع قلبي تعويذة في وجه الرصاص.
يا حبيبتي... يا كل الحُب الذي شاد عمري، ها أنا أكبُر، لا بالسنوات، بل بالشوق إليكِ. وها هي روحي تسافر إليكِ في عيد ميلادي، تهمس لكِ في أذن الأبدية: إن العاشق الغزيّ الذي أهرمته الحرب، لا يزال يحمل في صدره قلب طفلكِ الصغير، يهرب بالحُبِ من الموت، يحلم بالسلام، ويكتب بالشغفِ حتى آخر شهقة في العمر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية














0 تعليق