في مخيم النور بإدلب في سوريا، لا تبدو التكنولوجيا مجرد وسيلة لتسهيل الحياة، بل نافذةً يطل منها فاقدو البصر على عالمٍ لم يتوقفوا عن استكشافه. هذا المخيم صُمم خصيصاً ليحمي فاقدي البصر وأسرهم من أهوال الحرب التي شهدتها البلاد لسنوات طويلة؛ فكُتبت لافتات الشوارع بطريقة برايل، وصارت البيوت مأوى لعائلاتٍ تشترك في حكاية واحدة.
لكن لمحمود حمزة حكاية مختلفة؛ فحين فقد بصره في الثامنة عشرة من عمره، لم يفقد شغفه بالتكنولوجيا، بل أعاد توجيهه، ليعلّم أبناء القرية كيف يوظفونها في حياتهم اليومية ليروا بها ما لا تراه أعينهم.
يحكي محمود حمزة لبرنامج يوميات الشرق الأوسط المذاع عبر راديو بي بي سي كيف باتت حياة فاقدي البصر أكثر سهولة ويسرا باستخدام أدوات الذكاء الصناعي الجديدة، مستذكرا أحد المواقف الصعبة التي مر بها ولم يكن ليتخطاه لولا مساعدة صديقه الافتراضي "جيميناي":
" بأحد المرات خرجت لشراء الغاز المنزلي، فضللت الطريق، على الفور قمت بتشغيل جيميناي كي أتمكن من استكشاف محيطي وكي يدلني على طريق العودة للمنزل، فالذكاء الصناعي يخبرني عن الطرق التي يجب أن اسلكها في طريقي، ويحذرني إذا ما كان هناك سيارة قادمة، أو شيء سأصطدم به أثناء مشيي".
- لماذا تحجب منظمة قرى الأطفال الدولية تقريراً عن دورها في قضية الأطفال "المخفيين" في سوريا؟
- ماذا لو امتلك الذكاء الاصطناعي مشاعر كالبشر؟ هل ستتأثر حياتنا وسلامتنا الشخصية؟
وبحسب حمزة لا تتوقف مساعدة الذكاء الصناعي لفاقدي البصر على استكشاف الطرق والمشي بها في أمان، بل تمتد لمساعدتهم على قراءة أي صورة مرئية أو نص مكتوب، وبهذا يصبح فاقد البصر أكثر استقلالية وغير معتمدا على أحد في تفاصيل حياته اليومية.
ويشير محمود إلى أن التطور المطرد في عالم الذكاء الصناعي جعل الشخص الكفيف يتعامل مع الأجهزة الذكية مثله مثل الشخص المبصر بل وأكثر من ذلك، موضحا :صرنا نعتمد على قارئ شاشة صيني يُسمى جي شو (Jishou)، وهو برنامج صيني واسع الافاق بالنسبة للشخص فاقد البصر ، ومن خلاله نستطيع التعامل مع الأجهزة الذكية تماما كالشخص المبصر لأنه يقرأ لنا كل تفصيلة عليه، ويمكننا من التعامل مع كافة تطبيقات السوشيال ميديا مثل فيس بوك وانستجرام وغيرها.
قبل أن يفقد محمود حمزة بصره كان لديه شغف كبير في استكشاف كل شيء له علاقة بالتكنولوجيا الحديثة، وبعد فقدان البصر صب تركيزه على التكنولوجيا القادرة على مساعدته هو وزملاءه في مخيم "النور للمكفوفين" فبات هو المسؤول عن تعليم كل سكان القرية كيفية التعامل مع هذه التكنولوجيا وتطويعها لخدمتهم بالمجان، وامتدت يده بمساعدة نساء ورجال وأطفال المخيم على حد سواء.
وفي السياق ذاته، يروي عامر جراد، مدير قرية النور للمكفوفين، كيف تبدو ممارسة مهنة الإدارة بالنسبة لنازح فقد بصره؛ مهمةً بدت مستحيلة لولا ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من أدوات تفتح أمامه أبواباً كانت مغلقة، لتصير ممارستها توازي حياة الإنسان العادي بفضل المساعدة التي تقدمها التقنيات الحديثة، مشيراً إلى أن هذه التكنولوجيا الحديثة هي التي ساعدته في إدارة القرية ، حتى إنه يعبر عن أهمية برامج الذكاء الاصطناعي على هاتفه بالقول: 'معي برامج الذكاء الاصطناعي على هاتفي.. كأن معي روحي'."
هاري كين ينهي انتظاراً إنجليزياً دام 25 عاماً ويتوج بالكرة الذهبية للمرة الأولى في مسيرته- الحكومة السورية تعلن عن سقوط ضحايا مدنيين في غارات أردنية على جنوب البلاد
- مصر تفوّض السيسي بدعم السعودية عسكرياً وسط هجمات صاروخية جديدة
- انطلاق محادثات في طهران بين أطراف اتفاقية مكة ومسؤولين إيرانيين، وبزشكيان يدعو إلى "وحدة إقليمية"
الأكثر قراءة نهاية
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وفي قرية النور، يلتقي من فقدوا بصرهم بسبب الحرب أو غيرها، بمن وُلدوا مكفوفين. وهنا يبرز التساؤل: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدة الفئتين بالطريقة نفسها؟
يُجيب الدكتور فؤاد الصياد، عضو البورد الأمريكي واستشاري طب وجراحة العيون، موضحاً وجود اختلاف بطبيعة الحال بين الشخص الذي وُلِد لا يبصر، وذاك الذي فقد بصره لاحقا؛ فالذكاء الاصطناعي يمكنه مساعدة من فقد بصره لاحقاً بأن يشرح له أشياء مألوفة لديه مسبقاً مثل لون البحر، لكونه رآه من قبل ولديه ذاكرة بصرية، بينما الشخص الذي وُلِد فاقداً للبصر يعتمد بشكل أساسي على اللمس والسمع لعدم توفر الذاكرة البصرية، إلا أن الذكاء الاصطناعي يتعود بمرور الوقت على تقديم الشرح بطرق مختلفة ومكيفة تناسب كلا الطرفين.
ويشير الطبيب الشاب زميل جامعة واشنطن لطب العيون إلى القفزات النوعية الهائلة التي حققها الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام القليلة الماضية، ضارباً المثال بتطبيق "بي ماي آيز" (Be My Eyes) الذي يضم اليوم أكثر من أحد عشر مليون متطوع، حيث يتولى شخص مهمة الرد والوصف للمستخدم فاقد البصر، قبل أن يقتحم الذكاء الاصطناعي هذا المجال من خلال النظارات الذكية، مستعيناً بكاميرا النظارة والميكروفونات والسماعات المدمجة لرؤية ما أمام المستخدم ووصفه بدقة وسرعة أكبر.
كما لفت إلى قدرة الدماغ البشري على التكيّف، المعروفة علمياً بـ "المرونة العصبية" (Neuroplasticity) حيث يمكن لبعض مناطق المخ المسؤولة عن معالجة البصر أن تشارك أيضاً في معالجة اللمس أو الصوت لدى الأشخاص الذين فقدوا بصرهم، خصوصاً في سن مبكرة في محاولة من المخ للتكيف مع فقدان البصر.
واختتم تصريحاته بأمل جديد للملايين من فاقدي البصر، مؤكداً تفاؤله الكبير بمستقبل تكنولوجيا طب العيون في اتجاهين رئيسيين: الأول هو مساعدة غير المبصرين في حياتهم اليومية عبر النظارات الذكية المستقبلية التي تفهم المكان وتجيد وصفه وشرحه وتقدم معلومات صوتية فائقة الدقة لمستخدميها من فاقدي البصر، والاتجاه الثاني هو عيادة الدكتور المستقبلية المتمثلة في أجهزة تتركب على العين لتجري معظم الفحوصات الطبية التي تتطلب الذهاب لعيادة الطبيب، والتي يمكن نقلها حتى للمناطق التي تفتقر لوجود طبيب عيون، وهي تقنيات ستصل قريباً إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
وبالعودة إلى قرية النور يقول مديرها عامر جرادة أن هذه التجربة الإنسانية المميّزة تواجه اليوم هاجساً يهدد استمراريتها، مع التوجه نحو إنهاء واقع المخيمات في سوريا بعد انتهاء الحرب التي اندلعت منذ عام 2011، وهو ما يعتبره جرادة وسكان المخيم حقا أصيلا للدولة وحكومتها، لكن هذا لم يخفف من الهاجس الذي أصبح يطارد سخان المخيم من فاقدي البصر متسائلين عن مصيرهم: إلى أين سنذهب؟ وأين سنعيش؟
ما يدفع الأهالي لمناشدة المسئولين بتوفير قرية بديلة بالقرب من مركز مدينة إدلب، تحافظ على خصوصية مجتمعهم وتمنحهم فرصة مواصلة حياتهم في بيئة صُممت لتناسب احتياجاتهم الإنسانية المشروعة.
وقرية النور للمكفوفين في إدلب، شمال غربي سوريا، هي مساحة سكنية أُنشئت لتوفير بيئة ملائمة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وأسرهم، ممن اضطروا إلى النزوح بسبب الحرب. وتتميز القرية بمراعاة احتياجات المكفوفين في تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك تهيئة الشوارع والمرافق لتسهيل الحركة وتعزيز الاستقلالية، في مجتمع يجمع بين من فقدوا بصرهم نتيجة الحرب أو ظروف أخرى، ومن وُلدوا مكفوفين. ولا تقتصر أهمية القرية على توفير السكن، بل تمتد إلى خلق بيئة اجتماعية داعمة تتيح لسكانها مواصلة حياتهم والتعلّم والعمل لتجاوز بعض التحديات التي يفرضها فقدان البصر.
وتقع القرية في منطقة الكمونة شمالي إدلب، قرب سرمدا، وافتُتحت في مارس/آذار 2022 بإشراف جمعيات خيرية. وصُممت شوارعها وممراتها بما يساعد المكفوفين على التنقل باستقلالية أكبر، من خلال استخدام علامات بطريقة برايل على المنازل والمرافق العامة، إلى جانب تجهيزات تراعي احتياجاتهم. ويضم المشروع مساكن ومرافق خدمية، بينها مسجد ومدرسة ومحال تجارية ومساحات للأطفال، فيما يستضيف عائلات تضم أشخاصاً مكفوفين كثيرون منهم نزحوا بسبب الحرب.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر