رواية خاكستري الفصل الاول 1 بقلم رحمة نبيل

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عمر الاطفال ما بين ١٤ و ٥ سنوات : 

يقال أن الحياة ليس بهذا الظلم الذي تتخيله، ليس وخالقها الله، العادل الذي يخفي لك ما لا تتخيله وما لم تحلم به .

وهو حلم بالكثير، تخيل حياته القادمة سوداء مليئة بالحروب والدماء والجروح ربما، لكن ما لم يحلم به هو هذا ما يبصره أمامه في هذه اللحظة ..

حديقة المملكة بها زوجته التي تلاعب ابناءه وتضاحكهم، هو وإن طُلب منه أن يختصر رزقه في شيء واحد، سينطق اسمها دون تردد .

" تبارك "

رفيقة العمر التي أرسله الله ليحضرها من نهاية العالم بكل ما للكلمة من معنى، ذهب وانتزعها من عالمها لنفسه حتى وإن لم يعلم حينها أنها له، هذا لا ينفي أنها له منذ ولادتها .

اتسعت بسمته وبقوة حينما سمع أكثر الكلمات المحببة لقلبه، الكلمة التي تنبض بها كل نبضة من قلبه :

_ أبــــــي ..

ارتجف صدر سالار وكأنه يسمعها للمرة الأولى في حياته، يراقب اميرته وحبيبة قلبه التي حجزت لنفسها مكانًا داخل صدره دون أي مجهود منها .

رفع كفه يقبله، ومن ثم لوّح لها بحب مبتسمًا بحنان شديد لتعلو ضحكاتها، عائشة، قرة عينه وابنته وحبيبة قلبه الثانية المرأة الثانية التي فتح لها ابواب قلبه بعد والدتها .

تحدثت عائشة بضيق وهي تشير جوارها صوب طفل صغير يبدو في السابعة من عمره تقول بحنق شديد :

_ محمد يلوث نفسه بالوحل ويرفض أن ينهض منه .

حرك سالار عيونه صوب صغيره يبتسم بسمة وهو يطلق صفير مرتفع يجذب به انتباه الصغير الذي يصغر عائش بسبع سنوات تقريبًا :

_ مُحمــــد .

رفع الصغير عيونه بسرعة. كأنه يبحث عن مصدر الصوت وبمجرد أن أبصر والده من الشرفة حتى لوح بيده سعيدًا ليضحك سالار مشيرًا له بهدوء :

_ هيا عزيزي لا تتعب والدتك وشقيقتك، انهض ولا تفسد ثيابك .

نظر جواره صوب تبارك التي كانت مشغولة بقطف بعض الفاكهة للجميع :

_ تبارك عزيزتي احضري الاطفال واصعدي لتناول الفطور .

رمته تبارك ببسمة لطيفة جعلته يتنهد بصوت مرتفع :

_ يا الله تنجح هذه النظرة دائمًا، هذا ليس عدلًا حتى ..

رفع صوته ليصل لهم في الاسفل :

_ هيا تبارك اسحبي السيد مُحمد من الوحل واحضريه ليستحم قبل الفطور .

ومن ثم تحرك بسرعة حتى ينتهي من مهامه الصباحية، يمر على الجنود ويتأكد أن كل في مكان ويهتم بـــ

فجأة توقفت أفكاره على صوت مرتفع جعله يتنفس بغضب وقد شعر أن رأسه سينفجر يصرخ بصوت عالٍ :

_ تميــــــــم بالله عليــــــك .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الدور الذي يقع أسفل القصر حيث يقع معمل تميم، كان الأخير يختبئ في ركن المعمل وهو يضم بين يديه شيء صغير ينتظر أن يفرغ المكان من الدخان الكثيف الذي يغطيه، وحينما أصبحت الرؤية أشد وضوحًا تنفس الصعداء، وهو ينهض يحمل بين يديه صغيره يقول بصوت خرج مرتاحًا :

_ اوف كدنا نهلك يا صغير، ألم أخبرك أن تراقب المؤشر وتصرخ حينما يصل للون الاحمر.

صفق الصغير بسعادة وهو يشير للجزء الذي تدمر من المعمل يقول بحماس شديد وقد بدا مجنونًا أشبه بوالده :

_ أحمر..

_ تأخرت يا رجل، كان من المفترض أن تقول هذا قبل أن ينفجر بنا المعمل، الآن سيمتلئ المعمل بـ...

وقبل إكمال جملته وجد دانيار أمامه وهو يصرخ بجنون :

_ تميم أيها الوغد ما الذي فعلته، ألن تتوقف عن هذا الغباء ومعنا اطفال الآن بالقصر و....

توقف دانيار عن الحديث بصدمة وهو يبصر الصغير " نجم " بين ذراعي تميم يضمه بحنان وكأنه شيء ثمين، ليطلق صرخة رجت المكان بأكمله:

_ يا مصيبتك، ما الـــــــذي تفعلــــــــه أيها الغبي ؟ كان الصغير معك أثناء الانفجار !

ختم دانيار كلمته وهو يتحرك بعنف يلتقط الصغير من احضان تميم لاحضانه يتراجع به للخلف بصدمة وكأنه يود الركض به ويحميه من والده المختل .

_ هل جننت تميم ؟

_ توقف عن الصراخ أنت تزعج الصغير، هيا اعطني إياه .

نفخ دانيار باستهانة وغضب وهو يضرب يد تميم الممدودة لأخذ صغيره :

_ اعطيك من أيها المخبول، سيتم مصادرة الصغير منك حتى يعود لك عقلك، سأكسب به ثواب واربيه مع أبنائي، أنت خطر عليه .

صفق الصغيرة بسعادة والذي كان يبلغ من العمر خمس سنوات تقريبا وهو يصرخ بصوت متحمس :

_ لقد أصبح باللون الأحمر.

_ انظر ماذا فعلت؟ لقد أصاب الجنون ابنك.

_ ما الذي يحدث هنا بالله عليكم ؟

نظر الجميع صوب الباب يبصرون جسد سالار يسد المدخل وعلى ملامحه تتضح نظرات الحنق ونفاذ الصبر، ليهرول له تميم صارخًا :

_ جيد أنك أتيت يا قائد أنظر لذلك الحقير يختطف ابني مني ؟

نظر سالار صوب دانيار الذي صرخ وهو يتحرك صوب باب المعمل بتصميم يشيح بيده :

_ والله لن أترك له الصغير ليصيبه بالجنون مثله، سأتكفل بها وليرزقني الله برزقه .

ختم حديثه وهو يندفع للخارج وصوت تصفيق الصغير يصل لهم في المعمل، وسالار حرك عيونه صوب تميم الذي كاد يركض خلف دانيار لولا يد سالار الذي أوقفه بحنق :

_ أنت أيها المجنون لن تتوقف عن أفعالك تلك ؟

_ ماذا فعلت الآن هو من يختطف ابني المسكين .

_ ابنك المسكين يصفق سعادة لأنه تخلص منك الآن، ومن ثم ماذا أخبرك ايفان عن القيام بمثل هذه التجارب هنا، ألم يُنشأ لك معملًا بعيدًا كي لا ترهب الصغار، والله لو علم أنك....

_ لقد علمت يا عزيزي .

كانت هذه هي الجملة التي قاطع بها إيفان الحديث وهو يبتسم بهدوء مستندًا على جدار المعمل خلف سالار يراقب ما يحدث بملامح هادئة كعادته مرتديًا سترة بيضاء مع بنطال قماشي اسود ويبدو أنه حتى لم يرتدي ثوبه الملكي بل هرول من غرفته هنا بهذا الشكل .

اتسعت بسمة تميم بتوتر يقول بصوت منخفض :

_ مولاي هذا ...سيعجبك ما اجهزه لك الآن.

نفى ايفان برأسه مبتسمًا بسمة غريبة لا تفارقه :

_ لا يا عزيزي تميم، بل أنت من سيعجبك ما اجهزه لك.

نظر تميم بقلق صوب سالار يستنجد به باعتباره رئيسه المباشر ليهز سالار كتفه باستهانة يضحك له ضحكة متسائلة :

_ هذا الملك يا بني، ما الذي تنتظره مني بالله عليك ؟

اعتدل إيفان في وقفته ونظر صوب تميم نظرة حادة قبل أن يقول بصوت حانق :

_ لقد تحدثنا في هذا الأمر، وأنت فقط لم تخالف اوامري في القيام بمثل هذه التصرفات هنا، بل وأخذت معك امير البلاد وكدت تتسبب في اذيته.

صمت يرفع اصبعًا في وجه تميم ومن ثم أشار به صوب المعمل يتحدث بتجبر :

_ودع معملك قائد تميم ستكون هذه النظرة الأخيرة لك معه .

ومن ثم تحرك تحت نظرات تميم المصدومة من كلمات إيفان :

_ مهلًا ما الذي تقصده مولاي ...ماذا ...ماذا فعلت أنا لقد ... أنت لا يمكنك فعل هذا بي...هذا ظلم.

سمع صوت إيفان من الاعلى بعدما وصل لنهاية الدرج من فوق :

_ نعم أنا ملك متجبر ظالم اشكوني لربك .

ضغط تميم على شفتيه بغضب شديد كل ذلك وسالار يراقب ببسمة واسعة متشفية، ومن ثم رحل وهو يردد باستمتاع :

_ خير ما فعل، كل يوم يثبت لي إيفان أنه يستحق المُلك بكل ما للكلمة من معنى، محظوظة سفيد بملك مثله عسى أن يكون اميرنا " آرش" بمثل حكمته ليُلجم سلالتك في المستقبل.

ومن ثم رحل بكل بساطة تاركًا تميم في المكان متسع الأعين مصدوم مما يحدث له، هل تمت ممارسة السلطة عليه الآن وصادروا ابنه منه ؟ 

بأي مملكة يحيا هو ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"مملكة مشكى "

تحديدًا في ساحة القصر حيث كانت الأجواء ملتهبة وصوت السيوف مرتفعة بشكل مرعب وكأن الحرب قد اشتعلت في المكان .

يقف هو بعيدًا يراقب بعيونه تدريب أولاده المعتاد، عيونه تتحرك معهم وكأنه يلتقط لهم أي سهو أو خطأ ليكون التدريب القادم عليه .

وبالحديث عن التدريب فهذا لم يكن تدريبًا عاديًا لولديه كما المعتاد، بل كان تدريبًا لابنته الحبيبة والتي ألقاها بكل بساطة في الساحة، ومن ثم أخبر ولديه أن يهاجماها .

تدريب يهدف منه لشيئين .

أن يختبر تدريبات اميرته التي بدأت فيها منذ ثلاثة أعوام تقريبًا، ويختبر بها ولديه وما سيفعلانه ليرى إن كانت قوى أوامره عليهما ستنتصر على مشاعرهم لبارين ويهاجمونها كما يفعلون مع بعضهما البعض .

كان اختبار لقلوب ابنائه ليرى إن كانت كل التدريبات التي خضعوا لها على مدار ثمان أعوام ستلغي انسانيتهم لدرجة أن يهاجموا بارين بشراسة، لكن حدث ما توقعه ولم يخيب صغاره أمله، ورغم أنهما يومًا لم يفكرا في أي أمر يلقيه لهما.

كانت أوامره التي تخص بارين خط أحمر لهما .

آرين وآريان يتعاملان الآن مع بارين بدفاع فقط، وقد رفضوا رفع سيف في وجهها حتى يتركا لها مهمة ضربهما، بل واصابتهما إن أرادت دون أن يعترض أحدهما .

وفي الساحة كانت بارين تهاجم آرين وتستدير لتضرب اريان، والاثنان يسمحان لها بما لم يسمحا به لأحد حتى لانفسهما .

كانت الصغيرة زهرة تربت بين الصخور، تعلمت كل ما يجب لاميرة أن تتعلمه، بل وزادته من عندها فأصبحت قوية بشكل كبير .

رفعت بارين السيف وبضربة خاطئة أصابت آرين في ذراعه بجرح بالغ لتصرخ بصوت مرتفع وهي تلقي السيف ارضًا :

_ يا ويلي يا ويلي ارين آسفة اقسم بالله لم انتبه و...

سقط آرين على ركبتيه وهو يحاول تدارك الدماء التي بدأت تسيل منه، في اللحظة التي هرول بها آريان له يخرج منديل من جيبه بنطاله يضغط به على الجرح ويصرخ بصوت مرتفع في ارسلان الذي هرول لهما بالفعل :

_ أبـــــــــــــي .

جلس ارسلان على ركبته بسرعة وهو يراقب ذراع ولده قبل أن يحمله بين يديه بسرعة يتحرك به صوب معمله:

_ ليس عميقًا فقط كبير، لا تقلقا .

بكت بارين برعب وهي تراقب والدها يهرول بعيدًا مع آرين، تقول من بين بكائها :

_ أنا آسفة يا أبي .

اقترب منها اريان وهو يضمها يربت عليها بحنان :

_ لا تخافي أبي طبيب ماهر سيعالجه .

_ آرين سيغضب مني، والله لم اقصد ذلك، فقط غضبت لأنكما تعاملانني برفق.

ختمت حديثها وهي تنفجر في البكاء برعب من مظهر الدماء والجرح الذي ابصرته بمجرد أن مس السيف جسد آرين، ليربت عليها آريان بحنان ولطف مبتسمًا :

_ حبيبتي لن يغضب آرين منك، أنا متأكد من ذلك، لأنه لو اصبتيني أنا بهذه الضربة ما غضبت منك، وآرين هو أنا لكن بجسد آخر ووجه أقل وسامة مني .

ضحكت بارين من بين دموعها وهي تهمس بصوت خافت رقيق ينافس شراستها منذ دقائق:

_ أنتما تمتلكان نفس الوجه .

_ هذا ليس صحيحًا، جانبي الأيمن أشد وسامة من جانبه الأيمن.

ضحكت بارين بقوة ليبتسم آريان والذي كان يقصد أن يخرجها من حالتها يجلس أمامها يعطيها ظهره لتفهم ما يريد فصعدت على ظهره ليحملها ومن ثم تحرك بها صوب معمل والده وهو يتحدث بكلمات كثيرة في الطريق فقط كي يخرجها من حزنها، وهي فقط تضم رقبته تستند على كتفه تراقب حديقة والدتها بشرود :

_ كم هي جميلة هذه الزهور آريان.

نظر آريان حوله يقول بعد تفكير :

_ تشبهك .

_ انا لست زهرة آريان، لا أشبه الزهور.

نفخ آريان بسخرية :

_ إن لم تشبهي أنتِ الزهور فمن يفعل ؟ آرين ؟ لا والله  هو يشبه الصبار .

صمتت بارين وكأنها تفكر في الأمر قبل أن تبتسم بسمة صغيرة رقيقة :

_ بل عائشة، عائشة تبارك الله تشبه الزهور بخصلات حمراء جميلة ورقيقة كالبتلات، انا أحب عائشة.

_ وأنا أحبك أنتِ ولا أرى امرأة في هذا العالم تفوقك جمالًا، تشبهين الزهور .

_ هل تعتقد ذلك آريان.

_ أنا متأكد من ذلك بارين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان يحرك عيونه مع زوجته وولدها الحبيب الذي يتحرك أمامه بكل خيلاء مذكرًا إياه بأحدهم، من يا ترى ؟

خاله العزيز .

_ بالله عليكِ كهرمان إن رزقنا الله بطفل آخر ذكريني ألا اسمح لكِ برؤية وجه اخيكِ حتى الولادة .

نظرت له كهرمان بعدم فهم :

_ ماذا ؟ ما الذي تقصده أنت بهذا الحديث ؟

حرك إيفان عيونه بينها وبين ولده الحبيب مبتسمًا بسمة جانبية وكأنه يسألها حقًا لا تعلمين ما أقصده .

في اللحظة التي تحدث بها الولد :

_ إذن متى نذهب لمنزل خالي أرسلان للاحتفال بيوم تحرر مشكى ؟

_ مساء اليوم نذهب لخالك يا حبيب خالك .

ختم إيفان حديثه وهو ينهض من مكانه يهز رأسه بحنق شديد متمتمًا كلمات غاضبة وهو يتحرك خارج الغرفة يلوح بيده :

_ رحمني الله من أرسلان، ليرزقني بنسخة منه في عقر داري، وليس هذا فقط، بل هو من اسماه ذلك الـ

توقف قبل أن يسب أمام ولده فلا ينقصه سوى أن يتعلم السباب كذلك .

تنفس بصوت عميق، يتحدث بصوت مرتفع أثناء خروجه :

_ سأذهب لأمر على الجميع، تجهزوا للتحرك صوب مشكى هذا المساء وجهزي ولدك عزيزتي ليرتمي بين أحضان خاله .

ختم حديثه وقد تحركت عيون الطفل صوب والدته يتساءل بكل جدية وعدم فهم :

_ أمي، لماذا يغار ابي من خالي ؟ هل لأنه أعظم وافضل واقوى وأشد وسامة منه ؟

اتسعت عيون كهرمان بصدمة كبيرة تهتف دون تصديق تتحرك صوب ولدها تهمس مذهولة :

_ آرش ..كيف تتحدث بهذا الشكل الـ...

توقفت وكأنها خجلة أن تقول " الارسلاني" لذا همسات بصوت منخفض أكثر وهي تنظر كل هنية صوب الباب وكأنها تخشى أن يقتحم ايفان المكان ويسمع ما يقول ولدها :

- من تحدث لك بهذه الكلمات الغريبة يا بني، والدك ملك عظيم حكيم وكذلك خالك، كلٌ له مكانته .

ابتسم لها الصغير بسمة واسعة بريئة لا تمت لتصرفاته بشيء يقول بكل فخر وهو ينفخ صدره :

_ خالي هو من أخبرني ذلك .

وكهرمان مسحت وجهها لا تصدق ما تسمعه في هذه اللحظة، كان إيفان محقًا في كل كلمة نطق بها سابقًا .

" أرسلان غسل عقل طفلها " 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت مشكى بأكملها مضائية بمصابيح ملونة وقد، توافد الجميع من كامل الممالك لمشاركة الشعب الاحتفال وقد كانت هذه مناسبة يتم توزيع الكثير من الهدايا من قبل ملك مشكى، بل ويقوم تجار مشكى ببيع الأغذية بنصف السعر .

كانت قوافل جميع الممالك تتوافد لمشكى تحمل فوق ظهورها الملوك وقادة جيوش جميع الممالك ..

وكانت القافلة الأولى التي يستقبلها ارسلان في منتصف قلعته هي قافلة آبى، يستقبل الجميع مع ولديه اللذين يقفان على جانبيه كما لو كانوا يحرسونه .

اتسعت بسمة ارسلان بقوة وقد التمعت عيونه وهو يتحرك بسرعة صوب الموكب بمجرد توقفه يهتف بصوت مرتفع :

_ العجوز المفضل لدي في كامل الممالك .

وبسرعة كبيرة مد يديه يساعد آزار ليهبط عن حصانه والاخير يبتسم له بسخرية :

_ أوتحسبن الزمان قد نال مني يا فتى ؟

_ معاذ الله مولاي، بل الشيخوخة هي من نالت منك، برفق كي لا تكسر عظامك الهشة هيا.

كان يتحدث كما لو أنه يتعامل مع مسن خرج من قبره منذ ثواني، وآزار يرمقه بغضب ليضحك أرسلان بصوت مرتفع يمسك رأسه يقبلها بهدوء، ومن ثم استدار صوب ولديه ليسارعا في الاقتراب من آزار يقبلان يده باحترام .

فابتسم آزار بسمة واسعة وهو يربت على رؤوسهما يتحدث بحزن :

_ والله لا اعلم كيف لطفلين في غاية الرقة مثلكما أن يكونوا اطفال لهذا الحقير .

تحدث ارسلان وهو يتحرك بلهفة صوب موكب نزار بسرعة كبيرة :

_ تمامًا كما أنت والد نزار ..

وحينما ختم كلماته كان يضم نزار بين أحضانه بقوة يرحب به والاخير يضحك بصوت مرتفع :

_ أنت تدرك أنك تشبه أبي صحيح ؟

_ خسئت، لا يوجد احد يشبهني، حتى ذلك الكهل، والآن أبتعد لارى صغاري .

وبمجرد أن تحرك نزار من أمامه ابتسم ارسلان بسمة صغيرة محترمة مبعدًا عيونه عن توبة وهو يهمس بصوت خافت :

_ جلالة الملكة انرتي مشكى ..

وقبل أن تبتسم له توبة وتشكره، تجاوزها دون اهتمام صوب الهودج الأخير الذي يحمل اطفال نزار لترمش توبة بصدمة تهمس بعدم فهم :

_ اشكرك جلالة الملك .

لكن ارسلان لم يهتم فعليًا بالجميع بقدر اهتمامه بالأطفال يفتح الهودج وهو يصيح بسعادة بالغة :

_ مرحبًا بصغار العم ارسلان ..

وفي ثواني قفز اثنان عليه، فتاة في السابعة من عمرها وصبي في الحادية عشر من عمره يعانقونه بحب ويقبلونه بسعادة كبيرة، بينما أرسلان يضمهم بكل الحب وهو يتحرك بهم صوب الداخل غير مهتم حقًا بالترحيب بهم أو دعوتهم للدخول .

_ هيا أعدت لكم الخالة سلمى حلوى شهية، سننتظر ليأتي باقية الرفقة ونتناول كل شيء .

وبمجرد رحيله معهم حتى نظر الجميع له بصدمة قبل أن يقاطعهم صوت هادئ طفولي بعض الشيء يأتي من جانبهم :

_ انرتم مشكى يا رجال من فضلكم اتبعونا وشرفونا بإكرامكم ..

ختم آرين كلماته وهو يتحرك وقد انزل آريان رأسه مؤيدًا توأمه يسبقون الجميع، بينما حدق نزار في والده وزوجته بعدم فهم ...

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ساعات وفُتحت ابواب مشكى مرة ثانية لتستقبل موكب سبز، وهذه المرة كان ارسلان يقف ليستقبل بارق بهدوء وبسمة ..

ومن ثم دقائق حتى أعلن الحارس وصول الموكب الأكبر والذي كان موكب سفيد، موكب يضم الملك وكل قادة الجيوش وكنز أرسلان الكبير ...

وبمجرد أن فُتحت ابواب الهودج حتى قفز آرش وهو يهرول صوب أحضان أرسلان الذي جلس على ركبتيه بسرعة يتلقفه بحب شديد مقبلًا إياه بسعادة عارمة وحب كبير، بينما الأخير يضم رقبة أرسلان وهو يقبل خده بحب :

- اشتقت لك خالي، كنت أتوسل أبي كل يوم ليحضرني لك .

اتسعت بسمة أرسلان بقوة وهو يزيد من ضم آرش، حبيب قلبه وولده الأول الذي أقر عيونه قبل أولاده حتى :

- يا قلب خالك وعيونه أنت، هذا والدك يغار من حبك لي، سامحه الله يحرمني من كنزي الحبيب، انظر إليك كبرت وأصبحت رجلًا، أمير مشكى الحبيب ...

_ بل أمير سفيد يا عزيزي .

كانت كلمة خرجت من فم إيفان الذي يراقب ولده بحنق شديد ينظر جانبه لكهرمان يهمس بحنق :

_ غبت شهر في رحلة ولم يستقبلني ولدك كما يستقبل خاله بعد غياب اسبوعين، بالله ماذا يفعل ذلك الحقير لطفلي ؟

ضحكت كهرمان من أسفل غطائها تقول بجدية :

_ ماذا نقول يا عزيزي، أنت تعلم أن أرسلان هو محبوب جميع الأطفال .

قلب إيفان عيونه بحنق وهو يراقب أرسلان يستقبل الباقيين بسعادة وحب .

عائشة ومحمد، وكذلك " نجم " ابن تميم، " كاميار" و " زهرة " أبناء دانيار، " روزا " ابنة مهيار .

كان الجميع يحبون أرسلان والسبب أنه ورغم خوفه القديم وشكه، كان الأب الافضل والاحن على الجميع .

رحب ارسلان بالجميع داخل القصر وقد بدأ كلٌ يتوجه لغرفته التي يعلمها ليرتاح من عناء السفر قبل بدأ الاحتفالات في اليوم التالي .

تنهد بتعب وهو يغلق الباب بهدوء يراقبها تتحرك في المكان تفرغ الحقائب كما اعتادت كل مرة تتحدث بكلمات كثيرة ومتلاحقة وكأنها تحاول أن تخفي شيئًا :

_ إذن ماذا تقترح أنت أن البس هل سيكون الاخضر لطيف عليّ أم الاصفر، لقد أحضرت لي كهرمان ثوب باللون الوردي في غاية الجمال ما رأيك لو ارتديه غدًا ؟

توقفت عن الحديث وهي تستدير خلفها تبصره يراقبها ببسمة فتحركت خطوات قليلة صوبه :

_ سالار ؟

_ نعم ؟

_ مابك أتحدث إليك الآن..

_ فقط احاول أن استوعب أنك حقيقة تبارك .

وهي لم تفهم في الحقيقة ما يحدث، لذا تحدثت بصوت ساخر بعض الشيء :

_ مش فاهمة بتحاول تستوعب بعد عيلين ؟ مش شايف انها متأخرة شوية ؟ 

ابتسم لها سالار وهو يتحرك الغرفة صوبها ومن ثم مال عليها يتحدث بجدية :

_ لا شيء متأخر معكِ حبيبتي ..

صمت ثواني ومن ثم اقترب أكثر وهي نظرت ارضًا صوب خطواته، واخيرًا رفعت عيونها له بتعجب تراقبه بعدم فهم لتصرفاته، بينما هو يضيق عيونه بشكل غريب حتى وقف أمامها واخيرًا يهمس بصوت منخفض .

_ ما الذي حدث تبارك ؟

اتسعت عيون تبارك وقد كانت هذه مرة من القلائل التي يقول اسمها بها بهذا الشكل القاسي وكأنه يتحدث مع أحد الرجال .

_ ما الذي تقصده أنت سالار، ما الذي ....

_ تبارك تعلمين أنني لست احمقًا صحيح ؟ 

نظرت له تبارك بصدمة من كلماته تحاول فهم ما يرنو إليه وقد كانت نظراته لها غريبة، أما عنه فاكتفى من لعب هذه اللعبة الغريبة معها يتنهد بصوت مرتفع :

_ كنتِ بخير حتى صباح اليوم، ما الذي حدث بعد هذا ؟

_ ما الذي حدث ؟

_ تبــــــــارك أنا من اسأل هنا .

كانت لهجة حازمة وقد رأى أن اللين لن يأتي معها في هذه اللحظة، ستحاول استغلال عيونها ونظراتها وبراءتها لتنسيه وهذا لن يحدث، هناك ما يحدث مع زوجته، هناك ما اطفأها في هذه اللحظة، اطفأ لمعة عيونها الآن لتصبح بهذا الشكل .

نظرت له تبارك بتردد ليهمس بكلمة واحدة مصرة :

_ الحقيقــــــة .

وفي ثواني وقبل أن يدرك حتى ما يحدث كانت تبارك تقترب منه وهي تلقي نفسها بين ذراعيه باكية بصوت مرتفع افزعه لدرجة أنه نظر حوله بسرعة كبيرة وكأنه يبحث عمن ابكاها في الجوار .

_ يا ويلي تبارك، ما الذي حدث لكِ تحدثي كي لا أُصاب بالجنون .

أما عن تبارك فشددت الضمة وهي تبكي متحدثة بصوت غير واضح له :

_ ليه ...واحدة مش....كانت بتتكلم عليهم هما ذنبهم ايه ؟ عائشة ذنبها ايه ؟

ضيق سالار ما بين حاجبيه يبعدها عنه بقوة يمسكها من كتفها متحدثًا بصرامة :

_ من هم وماذا قالوا، ماذا فعلوا لصغيرتي ؟ ما الذي حدث لا تدعي التخمين لعقلي فلن تعجبك النتيجة تبارك .

تحدثت بصعوبة من بين شهقاتها ليشير لها سالار عن التوقف :

_ فقط توقفي عن البكاء رجاءً .

حاولت تبارك أن تتوقف وحينما ظنت أنها نجحت في ذلك أبصرت عيون سالار الحنونة والمراعية فأنهارت مرة أخرى وهي تهتف من بين شهقاتها :

_ كنت تستحق الافضل سالار وليس مجرد امرأة غبية مثلي، لكن ...ما ذنب ابنتي أنني والدتها، لماذا لم تدع الصغيرة تلعب مع عائشة؟

اتسعت عيون سالار بصدمة وقد تجمدت يده على كتفها يراقبها مستنكرًا تفكيرها، لكن لحظة ما كان لهذا أن يكون تفكير تبارك دون محفز خارجي .

_ تبارك ؟

وكانت كلمة مصدومة خرجت منه سالار يحاول أن يدرك ما يحدث مع زوجته، حتى انفجرت تبارك وهي تخبره بكل ما حدث دون توقف وكأنها تخشى أن تضعف أو تتراجع عن الأمر .

_ لقد ....أخبرتني في وجهي أن.... قائد الجيوش يستحق امرأة أفضل، امرأة ارقى وتستطيع .... تستطيع أن...لا ادري ما كانت تقصد لكنها حتى ....لقد ... ألصقت العار بالصغار فقط لأنهم يحملون دمائي سالار ..رفضت أن تدع ابنتها تلعب مع ابنتي وابكت عائشة، لقد ...

توقفت تتنفس قبل أن تنفجر باكية بصوت ذبح سالار :

_ لا أريد أن تحيا ابنتي منبوذة كما عشت أنا سالار، فقط لأنني والدتها .

انهارت في كلمتها الأخيرة وسالار يسمعها بعدم تصديق يحاول معرفة من تلك المرأة التي تتحدث هي عنها ومن أحضر هذه الجرأة ليلقي لها بكل هذه الكلمات دون خوف .

_ لعنة الله على كل امرئ نظر لابنتي أو زوجتي نظرة استغصار من هي تلك المرأة التي تجرأت ورفعت عيونها في زوجتي، وتجرأت وابكت ابنتي؟ من تحسبن نفسها ؟

ختم كلماته بصرخة جعلت تبارك تتراجع وهي تحاول أن تهدأ :

_ لقد ... انا لست ..

- لســــت مـــــاذا ؟ تبــــارك أنتِ أميرة وابنتكِ أميرة ومن يقول كلمة لا تعجبك اخرجي خنجرًا واخرقي به عيونه .

كان يتحدث ولا يتحكم في غضبه وقد تخيل ابنته الصغيرة تُعامل بنبذ وتبكي حزنًا لأجل شيء كهذا، وهذا اشعله أكثر، لكن نظرة صوب انهيار وخوف تبارك جعله يهدأ على الأقل أمامها، يتنفس بصعوبة .

نظرت له تبارك بخوف ليضم وجهها بحنان رغم كل النيران التي كانت تشتعل بدمه، امرأة أساءت لزوجته ولابنائه كذلك .

_ ماذا تعلم المرأة عنكِ، عن ابنائي، وعن كم أنا أشد رجال هذه الأرض حظًا بكِ، والله لو كانت رجلًا لتمنتك ولكنت قتلته لأن لا رجل يستحقك سواي .

ضحكت تبارك من بين دموعها وهو مال يطبع قبلة هادئة على عيونها هامسًا بصوت منخفض :

_ منذ متى نسمح لأحدهم أن يحدد مصيرنا أو يتحدث عنا بهذه الطريقة مهجتي ؟

_ هي ...فقط...لقد ...لم استطع التحدث حينما وصل الحديث للاطفال خشيت أن تكون هذه بداية حديث سيلتصق بهم العمر بأكمله لأن والدتهم ليست من هذا العالم .

ابتسم سالار لها بسمة واسعة يراضيها وعقله يرتجف غضبًا :

_ نعم والدتهم من عالم لا يستطيعون هم الوصول له عزيزتي، صغاري ما كان لاي قذر المساس بهم ولو عرضًا .

صمت ثواني قبل أن يسأل كلمة واحدة لا تقبل جدالًا :

_ الاسم ؟

نظرت له بعدم فهم ليردد مجددًا بهدوء يخفي الكثير خلفه :

_ ما اسمها تلك التي أعطت لنفسها حق الحديث مع أميرة سفيد بهذه الطريقة الوقحة ؟

_ سالار من فضلك لا يمكنني ....

_ الاسم تبـــــــارك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

يقف كعادته في الشرفة وهو يراقب المملكة وقد فُرشت بالانوار مبتسمًا بسعادة وكأنه فاز بالدنيا وما فيها، اغمض عيونه يحمد ربه لما وصل له، سنوات مرت منذ تحررت مشكى وقد قرر شعبه أن يحتفل كل عام بفناء آخر منبوذ حقير، ومنذ ذلك الوقت يشكر ربه ليلًا نهارًا أنه تخلص منهم بالكامل ولم يظهر منهم قذر آخر.

كان يتوقع الكثير، ومستعد ليطاردهم حتى نهاية الأرض، في الواقع كانت هذه متعته الخاصة، لكن شاء الله أن يمنحه راحة ليراقب صغاره وبلاده .

_ كبر الأسد، يالها من سخرية ارسلان .

ابتسم أرسلان بسمة صغيرة ولم يرفع عيونه عن المكان أمامه يقول بصوت هادئ :

_ يشيخ الأسد ولا يضعف يا عزيزي، الخوف كل الخوف على القطط الصغيرة .

ختم حديثه وهو يستدير نصف استدارة يواجه نزار الذي أطلق ضحكة مرتفعة يخفي خلفها الكثير يجاوره في الشرفة قبل أن يهمس بصوت منخفض :

_ مرت أعوام طويلة، هل تعتقد أنه نال راحته ؟

ولم يحتج ارسلان للسؤال عن المقصود بحديث نزار، نزار الذي كان لا يفضي ما بجعبته إلا له هو، يعلم أنه سيفهمه جيدًا .

_ لن ينفعه تعذيب نفسك طوال سنوات بالتساؤل نزار، ما عليك سوى الدعاء له واترك الباقية لرحمة ربك .

هز نزار رأسه وهو يحدق في الفراغ أمامه وقد كان كل سنة يتعذب بذكرياته، وبشوقه لأخيه، بلل شفتيه بهدوء يهمس بصوت منخفض :

_ أنت محق .

جذب ارسلان جسد نزار ليجعله يواجهه بشكل واضح ومن ثم نطق بصوت قوي حانق :

_ اسمع أيها الحقير، ولتدخل تلك الكلمات لعلقك الغبي لأنني المرة القادمة سأدخلها لعقلك بسيفي .

نظر له نزار بعدم فهم لانقلابه فجأة وقبل الاستفهام عما يحدث نطق أرسلان بقوة :

_ أنت لم تقتل أخاك، ولم تكن سببًا ولو بشكل غير مباشر في قتله، هو رحمه الله من ألقى بنفسه في كل هذا، ولا شيء نقدمه سوى الدعاء وندمك هذا وحزنك لن يعيده، فوالله لو كان الحزن يعيد من فقدنا لبكيت أمي حتى فقأت عيناي، سمعت ؟

ختم كلماته وهو يضمه يربت على ظهره بحنان :

_ ادعو له، يكفيك أنك تحيي ذكراه واسميت ولدك الوليد بكل خسة بدلًا من أن تسميه آرس مثلًا أو غيرها من مسمياتي .

ضحك نزار وهو يبتعد عن أحضان أرسلان يحاول الخروج من تلك الحالة :

_ لا يكفيك أنك اسميت ابن إيفان باسم مشابه لك ؟ 

_ لا تذكرني ذلك الحقير رفض تسميته آرس .

_ فاسميته آرِش ؟ 

ابتسم له ارسلان بسمة صغيرة ولم يكد يبرر كم أن هذا الاسم يحمل الكثير من المعاني التي تدل على القوة والشجاعة وكل تلك الكلمات التي يرددها كلما تساءل أحدهم عن الأمر، حتى سمع الاثنين خطوات خفيفة تأتي من الخلف .

حرك نزار عيونه صوب الخلف قبل أن يخفضها مرددًا بصوت هادئ :

_ جلالة الملكة .

ابتسم أرسلان بسمة واسعة وهو يستدير صوب سلمى التي كانت تقف خلفه بكل هدوء، يسمع كلمات نزار يستأذن منه ويرحل وهو فقط يحدق بها، هذه المرأة التي شاركته الحياة بكل تفاصيلها وابصرت منه ما منعه عن غيرها .

_ مساء الخير حبيبتي، ما أسعد ليلتي برؤيتك سليمى .

التمعت أعين سلمى وهي تقترب منه بهدوء شديد تشاركه الشرفة كما اعتادت تقول بمزاح ونبرة حاولت تصنع الحدة بها :

_ أرى أنك استبدلتني بغيري ليشاركك شرفتنا مولاي .

نفخ ارسلان بحنق وهو يحمل كفها بحنان يداعبه بإصبعه دون شعور  :

_ من تقصدين ؟ نزار ؟ يا ويلي ألقيه من النافذة ولا استبدلك به حلوتي .

ضحكت سلمى ضحكة صغيرة وهي تقترب منه تربت على لحيته بهدوء شديد :

_ إذن كل شيء جاهز لأجل الغد ؟

_ نعم، لا تقلقي تولّيت كل شيء .

تنفست سلمى وهي تنظر للحديقة بشرود قبل أن تتحدث بصوت شبه مسموع :

_ أرسلان هل فكرت يومًا في المستقبل؟

نظر لها أرسلان بعدم فهم لثواني قبل أن يهز رأسه بنعم :

_ نعم فكرته به كثيرًا .

_ والى ماذا توصلت يا ترى ؟

_ المستقبل هو أنتِ سليمى، أنا وأنتِ في حديقتك نجلس لساعات طويلة نتحدث بلا انقطاع نزهد الحياة بمن فيها، لا أحد آخر يشاركنا لحظاتنا ولا حتى ابنائي الاوغاد الذين يحاولون الاستحواذ على وقتك .

رمته بحنق شديد كان ارسلان يحب الاطفال ويعشق أطفاله تحديدًا يعطيهم روحه دون سؤال، لكنه لا يسامحهم إن أخذوا وقتٍ كان من المفترض أن يكون له هو .

أكمل وهو لا يبصر ملامحها المغتاظة تلك :

_ سألقي بالحكم والبلاد لهم، وانعزل عن حياتي بحياتي .

ختم كلماته وهو يرفع كفها يقبله بحنان، ومن ثم أوقفها أمام الشرفة يراقب معها السماء اللامعة يستند على كتفها بذقنه :

_ سنحيا لأجل بعضنا البعض سليمى .

_ والصغار أرسلان.

_ لن يظلوا صغار العمر كله حلوتي، هم والآن ليسوا صغار ماذا تعتقدين في المستقبل، آرين يتمختر بين الطرقات كما لو كانت بلاد والده .

_ هي كذلك .

نفخ بسخرية يكمل بحنق من تصرفات اولاده :

_ وآريان يطوف في الإرجاء بحثًا عن شيء يجز عنقه، واميرتي البريئة الحبيبة تركض خلفهم تتشرب منهم كل شيء حتى أنني اخشى أن تكبر بطباع خشنة لا تليق بأميرة. 

نظرت له سلمى بحنان ومن ثم قالت بهدوء شديد :

_ تعلمها القتال كولديك وتخشى أن تكون خشنة، أنت متناقض أرسلان.

_ أنا فقط اعلمها ما تحمي به نفسها .

_ مِن مَن عزيزي آرس؟ ومن سيتقرب منها وأنت تحشرها بين آرين وآريان طوال الوقت، هم يفزعون الصغار يا رجل .

ابتسم أرسلان بفخر شديد، نعم كان هذا مقصودًا تمامًا، ربّى ولديه على قاعدة واحدة .

" بارين ومن بعدها الطوفان " 

كانت بارين رقم واحد في حياة إخوتها، فوق كل شيء أمامهما وهذا ما حرص عليه منذ يوم ولادتهم، ليس مستعدًا ليبصر خدشًا يزين إصبع صغيرته، ورغم مخاوفه أن تكون خشنة الطباع إلا أنه يعلم تمام العلم أن سلمى لن تسمح بالأمر، بل كانت تزرع كل صفة رقيقة وُجدت في الحياة بابنته، علمتها تنسيق الزهور وصنع العطور منها، وكذلك علمتها كيف ترتدي ثياب مزهرة مثلها، كيف تبتسم وتتعامل بلطف .

كانت ابنته الطف وأرق أميرة ابصرها في حياته .

ويتمنى أن تظل كذلك العمر كله وألا يغيرها شيء .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

توقفت أمام الاسطبل وهي تنظر حولها بقلق أن يبصرها أحدهم في هذا الوقت خارجًا، سيغضب والدها وشقيقيها، أخفت وجهها جيدًا تتحرك صوب البوابة لتفتحها لكن فجأة سمعت صوتًا بالقرب من الاسطبل، صوت تألفه جيدًا .

صوت سيوف ....

اتسعت بسمتها وقد ظنت أن أحد إخوتها يتدرب وحده في الليل، فرصة جيدة لتذهب وتفعل هي المثل .

تحركت بسرعة صوب الصوت الذي كان يعلو كل ثانية أكثر مع اقترابها، كانت نفسها الساحة الخلفية التي كانت والدتها تتعلم بها مسبقًا، وهي تتعلم بها حاليًا .

توقفت أقدامها فجأة تبصر في الإرجاء شخص آخر، ليس أحد إخوتها بل ...

ابن عمتها " آرش " .

ابتسمت وهي تتحرك تراقبه يحرك السيف في الهواء في حركات تعلمها جيدًا، كان يقاتل كما إخوتها، يبدو ...بارعًا .

توقف آرش فجأة وهو يبصر جسد يراقبه من بعيد في الظلام، ضيق عيونه، يتراجع يعلم أنه ليس مسموحًا له اللعب في هذا الوقت خارجًا وإن اكتشف والده سيغضب .

لكن الجسد كان متجمدًا يراقبه بشكل غريب، ليرفع حاجبه وهو يردد بجدية :

_ ماذا تفعل هنا في هذا الوقت ؟

لكن لم يصله أي رد من ذلك الجسد، كانت عيونه مركزة عليه أو على سيفه بالتحديد، اقترب خطوات صغيرة وهو يردد بجدية :

_ ماذا هل تحب القتال كذلك ؟ تود قتالي ؟

وعيون بارين التمعت بقوة وهي تتقدم صوب الساحة بسرعة كبيرة وكأنها تخشى أن يغير رأيه، أما عن آرش فقد كان يمزح مع الصبي، كان جسده اقصر منه ويبدو ضعيفًا بعض الشيء يخفي كل شيء في وجهه عدا عيونه التي كانت تبدو مألوفة له، لكنه لم يتوقف عندها يقول بجدية :

_ تود قتالي حقًا ؟

هزت بارين رأسها وتعمدت ألا تتحدث كي لا يهرب من مواجهتها إن علم هويتها .

ابتسم آرش يشير لخزانة الأسلحة :

_ إذن اسحب لك سيفًا وتعال، كنت أبحث عن رفيق .

وهي هرولت دون كلمة واحدة تسحب سيفها المفضل ومن ثم عادت له تتخذ وضعية القتال دون مقدمات، ليتعجب آرش تجهزها :

_ أوه تبدو متحمسًا، ما اسمك يا صغير ؟

وقد كان يظن أنه صغير في العمر لطوله، رغم أنه في الواقع كان آرش يسبق التوأم بأقل من عام ...

لكن هي لم تتحدث، ضيق آرش ما بين حاجبيه :

_ لماذا لا تتحدث هل أنت ابكم؟

كان يمزح لتسارع هي وتهز رأسها بنعم، اتسعت عيونه بصدمة وقد شعر بنفسه وقحًا وشرع يعتذر عن الأمر :

_ أنا... آسف اعتذر منك لم اقصد ذلك .

ابتسمت بارين من أسفل غطاء الوجه الخاص بها وهي تهز رأسها بلا شيء ترفع سيفها في دعوة صامتة لبدء القتال .

وقد كان ..

ثواني واشتعل القتال بين الاثنين بسرعة كبيرة، كان آرش مقاتلًا بارعًا وقد تدرب على يد والده وعمه سالار، بينما بارين تدربت على يد والدها واحيانًا المعتصم حينما كان يدربها من ياسمين لانشغال الملك .

كان القتال شرسًا وكأنه بين خصمين وليس طفلين اكبرهما في الثالثة عشر من عمره .

استمر القتال دقائق وكل ثانية تمر يزداد آرش سعادة بوجود خصم قوي وقد ظن لوهلة أنه سيخوض قتال ضعيف مع فتى مسكين يمرر به ليلته .

لكن يبدو أنه وجد خصمًا يماثل التوأم شراسة ....

وفي خضم المعركة الشرسة كان خصمه غريبًا لا ينحني ولا يتعب واستمر القتال لعشر دقائق كاملة قبل أن يباغته آرش فجأة بشكل أسقط الثاني ارضًا لتتسع بسمة آرش بقوة وقبل حتى التحرك صوب الصبي شعر بلسعة قوية في وجهه بالقرب من حاجبه الأيمن تراجع للخلف صارخًا بصدمة يستوعب أن خصمه نهض في ثواني وحمل سيفه وأصابه في وجهه .

كانت صرخة آرش ليست من الوجع الذي ضرب كامل وجهه بل من صدمته، متى حمل سيفه ومتى نهض، راقبه بأعين متسعة يبصر عيون الصبي وهو يحدق فيه بخوف وصدمة وكأنه هو نفسه مصدومًا من ذاته .

_ أنت هل جننت أيهـــ

وقبل أن يتحدث آرش بكلمة إضافية أبصر الصبي يلقي السيف في وجهه بسرعة ويهرول بعيدًا تاركًا الدماء تغطي وجهه وعيونه متسعة بصدمة يحاول فهم ما حدث للتو، ضربه، ومن ثم ألقى السيف بوجهه وهرب .

_ أيها المجنون ..

صبي غريب لا يعلم له من هوية جاء وقاتله بل وأصابه بضربة في وجهه يعلم تمام العلم أنها ستلتأم بصعوبة .

ترى من هذا الصبي .

أو ليكن السؤال الذي يجب طرحه الآن هو كيف سيواجه والديه بهيئته الدامية هذه ؟

وأول ما جاء في رأسه هو التحرك صوب حاله ليعالجه بسرعة قبل أن يعلم أحد والديه أي شيء ويُوبخ .

نعم سيوبخه خاله لكنه سيكون أهون من والده في هذه الحالة .

سينتهي من جرحه ومن ثم سيبحث عن ذلك الصبي وحينها سيجعله يندم أشد الندم على ما فعله به ذلك الحقير ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبالحديث عن ذلك الصبي الحقير ...

كانت بارين تتوسط قاعة النساء في اليوم التالي وهي ترتدي فستان من اللون الاحمر المطعم ببعض الاحجار السوداء وهي تتحرك كفراشة في منتصف الساحة مع عائشة ترقص بكل براعة وكأنها ولدت لتفعل .

في الواقع كانت تتظاهر أن كل شيء طبيعي فقط كي لا يكتشف أحدهم ما فعلت ليلة الأمس وقد أبصرت غضب والدها حينما رأى وجه آرش الدامي .

ابتسمت وهي تراقص عائشة التي كانت جميلة كالعادة ..

بينما كانت تبارك تراقب عائشة بأعين مبتسمة رغم القلق الذي تخفيه داخل صدرها حينما أخبرت سالار بالأمس ما حدث معها وسخرية عاملة بالقصر منها ومن أطفالها .

_ تبارك عزيزتي ما بكِ ؟

نظرت تبارك صوب كهرمان ببسمة صغيرة :

_ لا شيء فقط أشعر بالإرهاق .

ربتت كهرمان على كتفها بحنان شديد ولم تكد تتحدث بكلمة حتى قاطعتهم زمرد بجدية :

_ أنتِ مفسدة كاذبة، ما الذي حدث لا تخافي لقد أقسمت لدانيار أنني سأحسن التصرف لشهرين كاملين بعدما احضر لي سيفًا جديدًا 

ابتسمت تبارك بسمة صغيرة، كانت زمرد هي زمرد لم تتغير، تحمد ربها أن الصغيرة زهرة لا تشبهها بشيء .

_ لا شيء زمرد أنا بخير مما أخبرتك و....

_ لا تقولي أن حزنك بسبب حديث تلك العاملة ذلك اليوم ؟

كانت كلمة نطقت بها برلنت فجأة وقد كانت هي الوحيدة الشاهدة على الأمر حينها، وفجأة استدارت لها زمرد ببطء وهي تضيق عيونها على برلنت :

_ ما الذي حدث ذلك اليوم بيرلي العزيزة، أرى أن قنابل زوجك اسالت عقلك الاحمق واصبحتي تغفلين عن الكثير .

التوى ثغر برلنت ولم تكد تتحدث بكلمة حتى تدخلت سلمى بين الجميع وهي تقول بجدية :

_ الطعام جاهز حبيباتي هيا لتناوله .

أشارت زمرد صوب رقبتها وهي تحدق في وجه برلنت هامسة :

_ يبدو أنني سأحنث بقسمي لدانيار .

نهضت تجذب معها برلنت بقوة كي تعلم ما حدث بينما كهرمان نظرت صوب تبارك بقلق :

_ عزيزتي ما الذي حدث، هل أحزنك أحدهم؟

حاولت تبارك أن تكبت دموعها تنفي برأسها وقبل الانهيار تدخلت سلمى وهي تجذب كهرمان لتتحرك مع توبة لتناول الطعام .

ومن ثم نظرت صوب تبارك تضم يديها لصدرها تنظر لها بأعين ضيقة :

_ ما الذي يحدث هنا عزيزتي، هناك شيء لا أعلمه ؟ ما الذي فعله هؤلاء القوم بك ؟ 

نظرت لها تبارك وكادت أن تنفي برأسها حدوث شيء وتنكر، لكنها فجأة توقفت تنظر لسلمى طويلًا قبل أن تتحدث بصوت خافت وكأنها عثرت على الشخص الوحيد الذي سيفهمها :

_ سلمى ماذا تفعلين لمن ينظر لكِ باحتقار باعتبارك مفسدة ولست امرأة منهم ؟

_ولماذا اسمح لهم بالنظر لي حتى ؟ ومن ثم إجابة على سؤال  افقأ عيونه، لماذا تسألين ؟ 

ابتسمت لها تبارك بسمة صغيرة ومن ثم  هزت رأسها وقد اقتنعت بكلمات سلمى المقتضبة والمختصرة تقول بهدوء :

_ اعتقد أنني احتاج لتعلم كيف افقأ عيون أحدهم .

أطلقت سلمى ضحكة مرتفعة وهي تسحب تبارك وقد علمت الآن ما يشغلها :

_ لا أظن أن عزيزتنا زمرد ستمانع تعليمك .

_ هتقوليلي ده يوم المُنى عندها ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت الأجواء في ساحة القصر جنونية الجميع يحتفل، والبهجة تملئ وجوه الرجال وفي أحد كان يقف جميع الملوك تقريبًا يتحدثون بهدوء .

_ حينما يتزوج أحد أبنائي عائش سأقيم زفافًا يتحاكى به شعب الممالك أجمع.

استدار سالار والذي كان يتناول خوخة في هدوء يراقب وجه أرسلان بعدم فهم وقبل التحدث تدخل إيفان في الموضوع معترضًا :

_ عزيزي يبدو أنك تنس كثيرًا أن ولدي هو الأكبر وكذلك هو الأقرب لعائش، سفيد لن تتخلى عن أميرتها لصالح مشكى .

ضحكت أرسلان بسخرية :

_ وكأنني سأترك الخيار لسفيد لتقرر نيابة عني، عائش ستتزوج أحد ابنائي وحسم الأمر.

تدخل آزار في المنافسة يفرض نفسه ويلقي بعرضه على مسامع الجميع وسالار يتناول ثمرة الخوخ بهدوء وهو يراقبهم يتشاجرون على ابنته ينتظر أن يفرغوا حتى يخبرهم أنه لن يزوج ابنته لأحد ابنائهم .

_ تتزوج من أيها الموهوم، عائش كانت أميرة لآبى وستصبح ملكتها بإذن الله، سنزوجها الوليد .

تحدث الوليد بصوت معترض حانق وهو يجلس جوار والده :

_ أنا لا أريد الزواج بها، لا احب الشعر الأحمر، سأتزوج بارين فهي جميلة .

ارتفع حاجب سالار وهو يحرك عيونه صوب نزار الذي أخذ يسعل بصوت مرتفع، بعدما أصبح محاطًا بنظرات سالار وارسلان وقد بدا أنه وقع بين شقي الرحى، يجذب ولده بسرعة وهو يكمم فمه بسرعة مبتسمًا بسمة مرتجفة يحاول التحدث بصوت خرج بصعوبة بسبب وقوف الفاكهة داخل حلقه :

_ فتى صغير أحمق اقسم بالله لم يقصد .

ابتسم سالار بسخرية يرفع عيونه صوب خصلاته الحمراء بصمت وكأنه يستنكر أن يذم الصغير بخصلاته وخصلات طفلته الحبيبة، لكنه لن يعلق فهو طفل في النهاية .

ويا ليت أرسلان كان يفكر بنفس الطريقة، فقد تحرك دون كلمة واحدة يسحب الطفل من ثوبه من داخل احضان نزار يرفعه أمامه وهو ينظر له نظرة تذيب عظام أعتى الرجال :

- ماذا قلت أيها الحقير الصغير، بارين من تلك التي تطمح أنت ووالدك في أن تصبح زوجتك، خسئت لم يولد بعد في هذه الممالك من يستحق ظفر ابنتي أيها الـ..

وقبل أن يكمل سحبه نزار من بين يديه بحدة يصرخ :

_ أرسلان ما بك، هذا طفل أيها المعتوه .

_ أبعد ولدك عن ابنتي أيها المجنون، لا ينقصني أن تتزوج ابنتي من آبى .

نفخ بسخرية ليتدخل آزار والذي وقف من جلسته يجابه أرسلان يبتسم له بتحذير :

_ وما بهم رجال آبى أرسلان ؟

_ يكفي أنه حفيدك أيها العجوز، حسبُك أن ازوج ابنتي لرجل من سلالتك غليظ القلب ؟ 

اتسعت عيون آزار بصدمة من كلمات أرسلان يصرخ باستهجان :

_ نحن نتحدث عن ابنتك، ابنة أرسلان وحفيدة بيجان، عن أي غلظة تتحدث أيها المعتوه أنت؟

_ ما ذكرته اسباب كفاية تجعلني اترفع مع ابنتي عن تلويث سلالتنا النقية بجينك المهجن هذا .

اتسعت أعين الجميع من كلماته ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة، حتى استدار أرسلان لهم جميعًا يحرك إصبعه بينهم :

_ والحديث للجميع، إياكم أن يفكر أي حقير صغير في الاقتراب من طفلتي، اقسم أنني سأسلط عليه طفليّ يطاردونه ما تبقى من حياتهم ولن يهنأ بحياته .

قلب سالار عيونه يبتسم بسمة جانبية بعدم اهتمام :

_ والله لو كان محمد يكبرها أو حتى قريب منها في العمر وأحبها لزوجتها له رغم أنفك ايها المتكبر .

_ أحب أن أراك تحاول أنت وعقلة الاصبع ابنك .

ختم حديثه في اللحظة التي تحركت عيونه صوب إيفان الذي كان يتناول الطعام بشهية قبل أن يشعر بنظرات أرسلان فضحك بصوت مرتفع :

_ لا يا عزيزي انس الأمر، لن ألقي بولدي الوحيد فريسة بين انيابك وقد جربتك مسبقًا، الآن وقد حصلت على ارسلانين صغيرين لا مجال للأمر، عليك بالباقيين وانس أن يحدث ما تفكر به .

ختم حديثه وهو يقضم التفاحة بعدم اهتمام ليبتسم لهم أرسلان وقد حقق ما يطمح له يهز كتفه بهدوء :

_ يبدو أن الأمور أضحت واضحة هنا، والآن أين كنا ؟ أوه صحيح زفاف عائشة وولدي أي كان من منهما .

ضم نزار ولده وهو ينظر له بشر يهمس له بتوعد :

_ ليطيل الله بعمري وليثبت قلب ولدي على رأيه وأقسم بالله اختطفن ابنتك لآبى ولن تخرج ولن تبصرها ما تبقى من عمرك، فقط اتأكد أن الوليد يرغبها.

تحدث سالار وهو يميل برأسه صوب نزار يمنح محمد بعض الخوخ يربت على خصلاته السوداء بحنان :

_ ارفع صوتك نزار فلم يصل تهديدك لذلك المختل .

_ جيد، لا ينقصني جنونه الآن .

ضحك سالار بصوت مرتفع جعل أرسلان يستدير له وهو يضيق عيونه بشك، لكن إن كان أرسلان يخيف أحدهم فلن يكون سالار بأي شكل .

كان بارق يتابع ما يحدث بعدم اهتمام في الحقيقة، يتناول طعامه بهدوء وهو يردد بجدية كبيرة :

_ يبدو أن الممالك ينتظرها عصر طويل من الحروب، وللمرة الأولى لا تكون حروب لأجل، بل حروب لأجل الحب، ها هي بشائر الجيل الجديد وقد بدأت تعلن عن نفسها مبكرًا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توقفت بعدما هربت من أسر العيون لتصل أخيرًا صوب المكان الذي كان يبهرها كلما جاءت لمملكة مشكى، اسطبل الملك الخاص والذي يحتفظ فيه بكل سلالة الأحصنة النادرة الخاصة به .

وقفت أمامه وهي تنظر حولها تتعجب عدم وجود أي حرس في هذه اللحظة، اتسعت بسمتها بسعادة ولم تفهم وهي تدفع الباب بصعوبة، كان بابًا ضخمًا وبمجرد أن أبصرت فتحة صغيرة به حتى اندفعت داخله بسرعة ليرتد الباب منغلقًا بسرعة خلها مما جعل جسدها ينتفض بقوة .

تنفست بصعوبة تنظر له بخوف تفكر في طريقة للخروج حينما تتفقد الأحصنة، لكنها أبصرت النافذة واسفلها تقبع مكعبات قش كثيرة فشعرت بالأمان لذا تحركت بين اماكن الأحصنة بلهفة شديدة وعيونها تصبو صوب شيء واحد واخيرًا ابصرته .

وقفت متسعة الأعين فاغرة الفاه بصدمة كبيرة تشعر أنها تحلم، اقتربت خطوات صغيرة وهي تطلق صوت مبهور :

_ تبارك الله ما هذا الجمال ؟

اتسعت بسمتها وهي تقترب أكثر مسحورة بكل تفصيلة في الأحصنة، وبمجرد أن أصبحت على بعد خطوة تقريبًا مدت يدها لتلمسه، لكنها سمعت صوت هادئ في الخلف :

_ لا انصحك بهذا طالما أنها تتناول طعامها، هي لا تحب أن يزعجها أحدهم عادة أثناء الطعام .

أطلقت عائشة صرخة مرتفعة وهي تستدير بسرعة للخلف لتبصره، يجلس بهدوء على بعض القش وهو يراقب الأحصنة يبتسم لها بلطف شديد، بسمة هادئة جعلته تتعرف عليه فورًا تضع يدها على صدرها بفزع :

_ مرحبًا آرين، لقد افزعتني .

ابتسم لها آرين بسمة صغيرة وهو يهز رأسه لها بلطف :

_ مرحبًا سمو الأميرة ما الذي تفعلينه هنا ؟ أبي لن يحب أن تخاطري بنفسك بهذا الشكل وتأتي لهم بنفسك في وقت طعامهم .

رمشت عائشة وقد كانت عيونها فقط ما تظهر منها، تحاول أن تبتسم بتوتر من وجودها معه في مكان مغلق :

_ لم اقصد، فقط ...كنت أود أن ابصرهم عن قرب، أردت فقط....لقد ... أردت فقط لمسهم، اعتذر عن تطفلي .

نظر لها آرين طويلًا قبل أن ينهض من مكانه يقترب منها بهدوء، ومن ثم توقف على بُعد خطوات صغيرة منها وقد أدركت عائشة في هذه اللحظة أنه يفوقها طولًا بشكل لم تتخيله، وقد ورثت عن والدتها قصر القامة، وهو ...حسنًا هو ورث والده بكل شيء، خصلاته الطويلة السمراء، بشرة والدته تقريبًا مع عيون والده .

أشار لها بكفه أن تتحرك جانبًا وهو يمسك بين يديه بعض الطعام الذي لم تميزه هي، تحركت جانبًا تبتعد عن طريقه وهو مر بهدوء يقترب من الاسطبل، يمد يده للحصان بالطعام ليقترب الأخير يتناول الطعام بنهم .

وهي تراقب ما يحدث بانبهار شديد، حتى أبصرت آرين يشير لها بعيونه هامسًا :

_ هيا قبل أن ينتهي من طعامه .

اتسعت عيون عائشة بصدمة كبيرة :

_ ماذا ؟

_ ماذا ؟ ألا تريدين لمسه ؟

كان يتحدث وهو ينظر للحصان ولم يرفع نظراته بها لتتسع بسمة عائشة بقوة، تتقدم بسرعة تفعل ما قاله تمد يدها بتردد ومن ثم سحبتها بخوف، قبل أن تتشجع وتتلمس خصلات الحصلان الثلجية، كانت حريرية الملمس لتهمس بسعادة :

_ يا ويلي هذا ...هذا رائع .

ابتسم آرين بسمة صغيرة دون أن ينظر لها ومن ثم انتظر أن تنتهي، وهي انشغلت بملاطفة الحصان لدقائق قبل أن ترفع عيونها صوب آرين تبتسم بسعادة :

_ شكرًا لك ارين أنت حقًا شخص جيد .

تراجعت بهدوء وهي تنظر صوب النافذة ومن ثم استأذنت بكلمات مقتضبة قبل أن تتحرك صوب النافذة بسرعة ولم تكد تصعد على القش حتى أوقفها :

- ماذا تفعلين !

_ سأغادر.

_ استخدمي الباب رجاءً.

ختم حديثه وهو يسحب المقبض بقوة فاتحًا الباب أمامها وهي شعرت بالخجل من تصرفاتها الغبية وقد ظهرت أمام أحدهم كما الحمقاء، ليس أي أحدهم، بل آرين، لذا مالت برأسها ترفع طرف ثوبها في تحية سريعة ومن ثم رحلت بسرعة وهو لاحقها بنظراته قبل أن يهز رأسه يعود لينهي عمله بإطعام الأحصنة دون اهتمام .

بينما هي خرجت تركض بسرعة عائدة للاحتفال قبل أن يدرك أحدهم غيابها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مر اليوم وانتهى على الجميع بسلام، عداها هي كانت الحرب كالطواحين داخل عقلها، تنتظر جوار باب الجناح الذي تسكنه أن تبصره، وبعد ساعات حسبتها طويلة من شدة قلقها، ابصرته واخيرًا بخطوة بهدوء داخل المكان وهو مبتسم بسمة صغيرة .

اندفعت صوبه بلهفة وقلق تتمسك بذراعه :

_ سالار .

_  مابكِ عزيزتي تبدين شاحبة ؟

_ أنت بتهزر ؟

رفع سالار حاجبه وهناك بسمة صغيرة مرتسمة أعلى فمه يقول بمراوغة :

_ لا، لماذا تقولين ذلك تبارك ؟

_ أنت...قولتلي فجأة في نهاية السهرة أنك هتعمل حاجة مهمة وجاي .

- ومن ثم ؟

_ ومن ثم أنا عارفة كويس أوي أنت عملت ايه، أنت روحت تأذي الست اللي كلمتني صح ؟

صمت سالار وضيق ما بين حاجبيه :

_ ماذا تعتقدين أنتِ بركتي ؟

_ سالار مينفعش تعمل كده بجد .

_ فعلته ونفع تبارك .

اتسعت عيونها بعد جملته التي ألقاها في الهواء وتحرك صوب المرحاض يغلقه خلفه بكل هدوء وكأنه لم يتركها تغلي كالموقد بهذا الشكل .

فجأة استفاقت تركض صوب المرحاض بسرعة كبيرة ودون مقدمات ضربت الباب بقدمها تقتحمه غير مدركة لما تفعل وسالار اتسعت عيونه وهو ينظر لما تفعله بصدمة كبيرة حتى لم يدرك أنه سحب ثوبه العلوي بسرعة يستر به جذعة العاري، وتبارك تحرك صوبه تقول بصوت مرتفع ونبرة منفعلة :

_ أنت بتعمل ايه ؟

_ استحم .

_ مينفعش، مينفعش تعمل اي حاجة تأذي الست دي، عايزها تقول عليا إني زي العيلة المتدلعة بجري اعيطلك ولا اني واحدة فتانة مش بقدر احل مشاكلي بنفسي وباجي اشتكي ليك؟ 

تشنجت ملامح سالار بعدم فهم ومن ثم ابتسم بسمة غريبة وقد حاول تمالك صوته كي لا يخرج حادًا: 

_ عفوًا لمن تريد سيادتها أن تشتكي امرأتي إن لم تشتكي لي ؟ 

اهتزت تبارك من نبرته ولم تكد تتحدث حتى قال سالار بحدة :

_ وما شأنها وزوجتي، مالها وما أفعله معكِ؟ ما شأنها إن دللتك أو حملتك فوق كتفي وتراقصت بكِ بين الطرقات، مالها هي ؟

رمشت تبارك بصدمة من كلماته قبل أن تبتسم فجأة بسمة صغيرة خجلة تنظر ارضًا وهي تتلاعب بيديها خجلًا :

_  يبدو هذا لطيفًا .

لم يفهم سالار ما تقصده هي يقول ببسمة غير واعي لما يحدث :

_ معذرة ؟

_ تخيلت الموضوع حسيته لطيف .

امتصت شفتيها بحنين شديد وهي تشرد تحت أعين سالار المذهولة من قدرة عقلها على التأقلم مع هذا التحول السريع في الأفكار .

_ فاكر اول مرة رقصنا سلو يوم فرحنا، ياه مش مصدقة كل السنين دي عدت والله .

شعر سالار بالريبة من تحول الحوار، لكنه لم يعلق وهو يشكر ربه أنها نست ما كانوا على وشك الشجار عليه، يبتسم بلطف وهو يضم كتفها بحب :

_ يُعاد الآن لعيونك تبارك .

نظرت له تبارك بصدمة وتوتر وقد أدركت لثواني ما يحدث وأين هي وكيف هو، تحاول دفعه للخلف بحرج :

_ ايه ...لا مش كده، أنت فهمت ايه ؟

_ ماذا سأعيد رقصتنا الاولى عزيزتي ؟

تراجعت تبارك للخلف بعنف وهي تضم نفسها بقلق منه وهو لم يفهم ما يحدث قبل أن تصرخ به :

_ سالار بالله عليك ليس الآن انظر لوضعنا الآن و...

_ أي وضع يا امرأة أنتِ من اقتحم عليّ المرحاض تحدثيني في أمور لا يعنيني منها سوى رقصتنا الأولى .

بللت شفتيها وكادت تتحدث حتى أوقفها سالار وهو يقول بجدية لينهي الأمر:

_ انتهينا تبارك، أخبرت إيفان ليتولى أمر إبعاد تلك المرأة عن القصر وهذا اقل ما أفعله معها بعد أن جعلتك واميرتي حزينة لأنه صدقيني لو كان رجل ما كانت رقبته لتكفيني .

نظرت له تبارك براحة حينما علمت ما فعلت، حسنًا هذا أفضل حل، لذا ابتسمت له بامتنان وقبل الحديث بكلمة واحدة لتشكره ابتسم لها سالار بسمة هادئة :

_ إذن هل نكمل رقصتنا ؟

نظرت له ثواني قبل أن تهرول خارج المرحاض بخجل تاركة إياه يتابعها بيأس هذه المرأة ستصيبه يومًا بمرض نفسي وهي تسمح لأي كان أن يحكم عليها أو يوجه لها الحديث لا تستوعب بعد أنها أميرة سفيد .

ليلهمه الله الصواب كي لا يقتل رجلًا يومًا بسببها أو ربما بسبب عائشة، رغم أنه يخمن الجزء الثاني أكثر. 

_ ترى ما الذي تخفيه الحياة لكِ عائشة ؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صوت حوافر الحصان تضرب الأرض بقوة مرعبة والاحصنة تتسابق بشكل مخيف، وصوت الرياح حولهم كان مرتفعًا .

لكنها لم تكن تبصر أمامها سوى النصر، هي لم تعتد أن تُهزم هكذا علمها والدها وهكذا هي ..

طوال سنوات عمرها الخمس وعشرين لم تخسر يومًا سباق سوى مرتين، واقسمت ألا يكونوا ثلاثة يومًا .

حركت عيونها والتي كانت الشيء الوحيد الذي يظهر من وجهها للخلف تبصر باقي المنافسين في هذا السباق، لتتسع بسمتها كانت تبعد عن أقرب منافسة لها الكثير والكثير، لتطلق صيحة مرتفعة سعيدة وهي تزيد من سرعة حصانها .

لكن ما هي إلا ثوانٍ قصيرة إلا وابصرت حصان آخر يقترب منها بسرعة كانت مرعبة، سرعة لم تبصرها يومًا وكأن أحدهم طعن الحصان بطعنة أصابته بالجنون، اتسعت عيونها بصدمة ترى الحصان يسبق خاصتها ولم تكن بحاجة للتخمين من يمتطيه .

بالطبع ومن غيرها، صاحبة الخبرة الأكبر في الأحصنة .

 " آناهيد" أو كما تحب أن يناديها الجميع " آنا" أميرة آبى وسبز .

أطلقت آناهيد ضحكة مرتفعة وهي تزيد من سرعة حصانها ليشتعل غضب عائشة تزيد من سرعتها كذلك خلف آناهيد وخلفها الباقية، ثواني حتى أصبحت جوار آنا تصرخ بصوت مرتفع :

_ بالله أشعر أنكِ تغشين آناهيد .

ضحكت آنا بصوت مرتفع وهي تردد باستمتاع بكل الهواء الذي يصطدم في وجهها :

_ نعم هذه أقاويل كل الفاشلين عزيزتي .

ولم تكد تكمل جملتها حتى سمعت صوتًا مجاورًا لهم وحصان ثالث يسبقهما :

_ نعم امثالكما.

ومن بعدها لم تسمع عائشة ولا آناهيد سوى صوت ضحكات بارين التي سبقتهم بسرعة كبيرة تاركة الاثنين ينظران لها بصدمة، وفي ثواني كانت المسابقة تشتعل أكثر وأكثر وصوت زمرد على خط البداية تصرخ في ابنتها بجنون :

_ انظرن إلى هذا الغش هنا، يا الله على ابنائكم، زهرة عليكِ بهم يا ابنتي، لعنة الله على الغش، انظرن إلى هذا، هذه الفتاة ابنة سلمى .

كانت تصرخ وهي تكاد تقتحم مضمار السباق لتجذب بارين من حجابها وتمسح بها أرضية المضمار كلها .

أغمضت كهرمان عيونها وهي تمسح وجهها هامسة بملل :

_ ليرحمنا الله من تذمر زمرد طوال اليوم إن خسرت ابنتها، بالله عليكن اقنعوا بناتكن أن يخسرن السباق ويكسبن حياتهن .

استمر السباق لدقائق إضافية قبل تغافل آناهيد الجميع وتتحرك فجأة من خلف بعض الأشجار، ثم في لحظة خاطفة ظهرت أمام خط النهاية تعلن انتصارًا تلاها عائشة ومن ثم بارين وبعدها ياسمين واخيرًا كانت زهرة .

اتسعت عيون زمرد بصدمة مما ترى تتحرك بسرعة صوب الساحة تصرخ :

_ لا لا، هذا لم يحدث للتو، أيها الاوغاد، كله بسبب حمراء الشعر هذه وآناهيد تلك الغشاشة.

ابتسمت عائشة بلطف وهي تسحب حصانها بسرعة تهرول به بعيدًا قبل أن تلتقطها زمرد وتحشر خنجرها في حنجرتها، وهي تعلم أنها يمكنها ذلك دون أن يرف لها جفن وقد كبرت على حكايات الجميع حول تجبر هذه المرأة قديمّا وحديثًا وفي كل الاوقات .

غريب أن زهرة لا تشبهها البتة، كانت زهرة هادئة مسالمة ولطيفة عكس كاميار كان شرسًا كوالدته متعقل كوالده .

تنهدت وهي تزيد من سرعة الحصان وقد فكرت أن تضعه في الاسطبل ومن ثم تعود لهم تكون والدتها والجميع قد ساهموا في تهدئة غضب زمرد .

لكن ما كادت تصل بالحصان صوب الاسطبل حتى أبصرت عاملة تتحرك صوبها بسرعة وهي تقول بصوت هادئ :

_ سمو الأميرة، القائد أرسلني للبحث عنك واخبارك أنه ينتظرك في جناحه لأمر هام ؟

تعجبت عائشة وهي تهبط عن الحصان تمسك اللجام بأحكام :

_ أبي يريدني في جناحه ؟

_ صحيح كنت في طريقي لساحة السباق لكنني اصطدمت بكِ .

هزت عائشة رأسها بهدوء :

_ شكرًا لك، سأعيد الحصان واذهب له .

ابتسمت لها المرأة وتحركات بعيدًا وعائشة تحركت بسرعة تعيد الحصان الخاص بها ومن ثم سارت صوب مبنى الغرف وهي تفكر في الأمر الذي قد يستدعيها لأجله والدها في جناحه وقد رأته قبل ساعة تقريبًا .

ـــــــــــــــــــــــــــ

_ ألن يتدخل أحدكم لسحب الوليد ؟

كانت جملة نطق بها آرش وهو يراقب ما يحدث في ساحة القتال بكل برود وهدوء، حيث كان الوليد يقاتل آريان الذي كاد يقتله خمس مرات تقريبًا أثناء قتالهم .

مال نجم برأسه وهو يراقب الوضع باهتمام :

_ ليس إذا كنت تفضل أن تكون بدلًا من الوليد .

ابتسم آرش بسمة واسعة يحرك خنجره أمامه بهدوء :

_ أوه شكرًا على الدعوة، مضطر لرفضها في الوقت الحالي .

هز له نجم رأسه وهو يراقب الساحة وقد بدأ القتال يحتدم بين آريان والوليد حتى شعر أن رأس الأخير ستتدحرج أمامهم في أي لحظة.

 لذا بعد دقائق نهض آرين وتدخل يطلق صفيرًا :

_ انتهينا آريان، جيوش والدك ليست على استعداد لقتال مع سبز وآبى في الوقت الحالي خاصة وقد قرر أبي أخذ عطلة طويلة.

توقف آريان بعدما أسقط الوليد منذ ثواني ونظر صوب شقيقه بحنق وكأنه سحب منه لعبته، بينما الوليد ارضًا يقول من بين أنفاسه وهو يرفع سيفه في وضعية الدفاع :

_ صدقني أبي إن علم بهزيمتي سيكون هو من يقتلني.

تحرك آرين داخل الساحة بسرعة يجذب آريان بعيدًا عن الوليد، ثم ساعد الأخير لينهض ينفض عنه ثيابه مبتسمًا :

_ أعذر شقيقي الأحمق جلالتك، لا عقل لديه ليقاتلك .

استدار صوب آريان الذي كان يبتسم بسمة واسعة مختلة يهمس له بصوت مسموع :

_ وأنت أيها الارعن الغبي، حينما تقرر قتال أحدهم لا تجد سوى ولي عهد مملكتين وجيشين ؟ ها هو آرش على الأقل ولي عهد مملكة واحدة وستكون قوات الجيوش متكافئة في الحرب بعد قتله .

أطلق كاميار ضحكة وهو يراقبهم بهدوء يقسمون الأمراء للتخلص منهم، ومن ثم نظر صوب آرش الذي يستمع لما يحدث بضيق :

_ أحب رؤيتكم تحاولون .

تقدم آريان خطوة وهو يقول بجدية مبتسمًا يحرك سيفه :

_ إذن هيا شرفني في الساحة آرشي .

ولم يكد آرش يتحرك، حتى جذب آرين آريان بعيدًا عن الساحة بغضب يهتف من بين أسنانه:

_ يكفينا سبز وآبى الآن، ستعلن الحرب على جميع الممالك اليوم، ووالدك لن يحب ذلك، ليس الآن على الأقل .

ابتسم آريان وهو يحرك حاجبيه لآرش باستفزاز ومن ثم حرك السيف في الهواء ولم يكد يطلق كلمة يستفز بها آرش حتى سمع صوت الجندي أمامهم يردد باحترام :

_ الملك إيفان ينتظر الجميع بقاعة الاجتماعات ....

ـــــــــــــــــــــــــ

سارت بكل هدوء بين طرقات القصر وهي تهز رأسها لكل امرأة تقابلها متحركة بكل احترام وقوة عُرفت بها، وقد كان هذا الجزء الذي تظهره للجميع عكس ما تضمر داخل نفسها .

وصلت وتوقفت أمام الجناح الخاص بوالدها ولم تكد تطرق الباب حتى فُتح فجأة، لكنه لم يكن والدها بل كان الملك أرسلان الذي بمجرد أن ابصرها ابتسم بسمة واسعة جعلتها تبتسم بالمثل وهي تردد بسعادة وحب :

_ السلام عليكم عمي .

_ عليكم السلام اميرتي، يا له من صباح رائع يبدأ برؤيتك .

خجلت عائشة وهي تنظر ارضًا رغم أن عيونها فقط هي ما كانت تظهر منها :

_ بل الشرف لي مولاي .

ختمت حديثها وهي ترفع طرف ثوبها بلطف تميل ميلة صغيرة ومن ثم قالت بهدوء :

_ سعيدة لأنك جئت لحضور الاحتفال معنا .

_ وكيف لي أن أرفض طلب أميرتي ؟

قبل أن تتحدث عائشة بكلمة سمعت صوت سالار من الداخل :

_ أرسلان ارحل وتوقف عن التغزل بابنتي بالله عليك .

ابتسم أرسلان بسخرية وهو يتحرك دون اهتمام :

_ وكأنني اتحرق شوقًا للبقاء معك تحت سقف واحد، يا ويلي من هذا الرجل عسى الله أن يرزقك بزوج صالح يا ابنتي لتتخلصي من والدك الحقير .

ختم حديثه يتحرك بسرعة من المكان وكأنه لا يطيق البقاء مع سالار، بينما الأخير في الداخل يمسح وجهه بضيق شديد يشير لابنته .

_ ادخلي يا ابنتي واغلقي الباب .

تحركت عائشة للداخل وهي تسحب الباب خلفها تتحرك صوب والدها تميل عليه مقبلة يده بحب شديد :

_ عسى نهارك سعيدًا عزيزي .

_ طالما أنه يتضمن رؤياكِ فهو كذلك جميلتي .

ابتسمت له بسمة واسعة يهمس بحنان :

_ كيف كان السباق عائش ؟

اتسعت بسمة عائشة وقد كان دلال والدها هو الافضل لها :

_ كان رائعًا بغض النظر عن آناهيد .

اتسعت بسمة سالار بقوة يربت عليها بحنان :

_ جيد .

صمت وقد شرد بها لهنية قبل أن تتحدث هي بريبة من صمته هذا :

_ إذن أبي أردت الحديث معي ؟

تنفس سالار وقد بدا على وجهه التردد وهذا اخافها فوالدها يومًا لم يتردد في شيء، أمسكت كفه وهي تقول بقلق :

_ أبي...

_ لقد ...تقدم أحدهم لخطبتك .

اتسعت عيونها بصدمة، ليس لأن هذه المرة الأولى التي يتقدم بها أحدهم لها، فباعتبارها أميرة كانت تتلقى الكثير من عروض الزواج والخطبة شأنها شأن جميع الاميرات، الكل يسارع ليضع يده بيد والدها .

ما يقلقها هو تردد والدها الواضح والذي أظهر لها أن العريس هذه المرة لم يكن شخص يمكن رفضه دون أي تفكير كما الجميع .

ابتلعت ريقها تحاول الابتسام :

_ أوه، زوج إذن، من صاحب الحظ هذه المرة يا ترى ؟

نظر لها سالار طويلًا قبل أن يقول دون مقدمات :

_ آرش، تقدم آرش بطلب الزواج منكِ يا عائش .....

ـــــــــــــــــــــ

مقدمات وخطوات، نعلن بها بداية حكايا كثيرة ...

رصاصة البداية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق