هناك صحف تولد لتموت في صمت، وأخرى تعبر الزمن لتصبح جزءاً من ذاكرة وطن. وبين الميلاد والبقاء حكايات لا تكتبها المطابع وحدها، بل تصنعها تضحيات الرجال، وعرق الميدان، وعناد الأقلام التي ترفض الاستسلام.
وجريدة «المنتخب»، وهي تحتفل يوم 29 أكتوبر 2026 بأربعين سنة من وجودها، ليست مجرد عنوان صحافي صمد في وجه التحولات، بل حكاية مغربية بدأت بحلم ثلاثة رجال، وامتدت إلى أجيال من الصحافيين والقراء الذين جمعهم عشق الرياضة وشغف الكلمة.
أربعون سنة تغيرت فيها الملاعب والوجوه والنتائج، وتعاقبت الانتصارات والانكسارات، وتبدلت وسائل الإعلام، لكن «المنتخب» ظلت شاهدة على زمن كانت فيه الصحافة الرياضية مغامرة، والخبر ثمرة سفر وتعب وانتظار.
البداية… ثلاثة رجال وحلم أكبر من حقائب العودة!
كان ذلك يوم 29 أكتوبر 1986.
ثلاثة صحافيين يعودون إلى أرض الوطن بعد تجربة مهنية بمجلة «الصقر» القطرية: محمد بنيس، بدر الدين الإدريسي، ومصطفى بدري.
لم يحملوا معهم خبرة السنين فقط، بل حلماً بتأسيس جريدة رياضية مغربية بروح جديدة، تخرج من ضيق النتائج إلى رحابة التحليل، وتلاحق الحدث من قلب الملاعب، وتمنح القارئ ما يتجاوز الخبر العابر.
وجد الثلاثي في محمد برادة، المدير العام السابق لشركة «سابريس»، الرجل الذي آمن بالمشروع ودعم ميلاده، فالتقت المغامرة الصحافية بالإرادة، وخرجت «المنتخب» إلى الأكشاك تحمل اسماً سيصبح علامة بارزة في المشهد الإعلامي الرياضي المغربي.
لم تكن البداية مفروشة بالورود، لكن الحلم كان أكبر من الخوف، والإصرار أقوى من حسابات المغامرة.
سندباد الرحلات وفيلسوف الكلمة… مدرسة صنعتها الملاعب!
في زمن لم تكن فيه الهواتف الذكية ولا المنصات الرقمية، كان الوصول إلى الخبر يحتاج إلى رحلة، وإلى صبر، وأحياناً إلى مغامرة في ملاعب بعيدة داخل القارة الإفريقية.
هناك لمع اسم مصطفى بدري، الذي استحق لقب «سندباد المنتخب» لكثرة أسفاره خلف المنتخب الوطني والأندية المغربية.
كان سندباداً من نوع آخر؛ لا يبحث عن كنوز الأساطير، بل عن خبر في ملعب بعيد، وعن تصريح وسط ظروف صعبة، وعن حكاية رياضية تستحق أن تصل إلى القارئ.
كان يعود من رحلاته محملاً بتفاصيل لا تمنحها المكاتب، وبشهادات تكتبها المعايشة المباشرة.
وإلى جانب سندباد الميدان، برز بدر الدين الإدريسي، الملقب بـ«الفيلسوف»، الذي منح الكتابة الرياضية نفساً فكرياً وأسلوباً تحليلياً متميزاً.
فالفيلسوف لا يتوقف عند النتيجة، بل يغوص في أسبابها، ولا يكتفي بوصف المباراة، بل يفكك أسرارها ويقرأ ما وراء أحداثها.
وبين سندباد يطارد الخبر، وفيلسوف يستنطق معانيه، ومحمد بنيس الذي ساهم في وضع اللبنات الأولى، تشكلت ملامح مدرسة صحافية جعلت من الميدان مصدرها، ومن القارئ وجهتها.
1988… امتحان الجرأة في كأس إفريقيا!
بعد سنتين فقط من ميلادها، وجدت «المنتخب» نفسها أمام تحد كبير، بمناسبة احتضان المغرب نهائيات كأس إفريقيا للأمم سنة 1988.
اختارت الجريدة أن تصدر يومياً خلال البطولة، في مغامرة مهنية جريئة، بالنظر إلى إمكانات تلك المرحلة وصعوبات التحرير والطباعة والتوزيع.
كان السباق مع الوقت لا يقل إثارة عن المباريات نفسها. أخبار تتلاحق، وصحافيون يتنقلون، ومطبعة تنتظر، وقارئ يريد أن يستعيد صباحاً تفاصيل ما عاشه في المدرجات مساءً.
كانت تلك التجربة إعلاناً عن طموح صحيفة فتية قررت أن تلعب في مستوى الكبار، وأثبتت أن الجرأة قد تختصر سنوات من التجربة.
أقلام صنعت الذاكرة… ونجوم خارج المستطيل الأخضر!
لم تكن «المنتخب» حكاية مؤسسيها وحدهم، بل بيتاً صحافياً تعاقبت عليه أسماء ساهمت في إغناء تجربته، من بينها مصطفى طلال، وحسن العطافي، وخالد المختاري، ومحمد النصيري، وسمير شوقي، وحسن البصري، إلى جانب زملاء آخرين تركوا بصماتهم في مسارها.
ولأن الصحافة لا تصنعها الأقلام وحدها، يستحق العاملون في التصوير والتصحيح والإخراج والطباعة والتوزيع نصيبهم من الاعتراف؛ فهم الجنود الذين ساهموا في وصول الجريدة إلى قرائها.
ولم تكتف «المنتخب» بملاحقة الأبطال في الملاعب، بل بادرت إلى الاحتفاء بهم من خلال «ليلة النجوم»، التي خصصتها لتكريم رياضيي السنة، في تقليد جعل الاعتراف بالعطاء جزءاً من رسالتها.
فالجريدة التي تنتقد الإخفاقات، تعرف أيضاً كيف تصفق للإنجازات، وتمنح الأبطال لحظات يستحقونها من الوفاء.
حرب الخليج… الصحيفة على حافة الصمت!
لكن مسيرة الأربعين سنة لم تكن كلها انتصارات.
فقد عصفت بـ«المنتخب» أزمات قاسية، وكانت حرب الخليج إحدى المحطات التي ألقت بظلالها على أوضاعها، حتى كادت الجريدة أن تتوقف.
وما أقسى أن يجد صحافي نفسه أمام احتمال اختفاء مؤسسة أفنى فيها سنوات من عمره، وأن تصبح المطبعة التي اعتادت إعلان ميلاد عدد جديد مهددة بالصمت!
كانت لحظات اختبار حقيقي، لا لقدرة الجريدة على إنتاج الأخبار، بل لقدرتها على البقاء.
غير أن «المنتخب» قاومت العاصفة، وواصلت الطريق، لتؤكد أن بعض المؤسسات لا تحميها الإمكانات وحدها، بل يحميها إيمان أصحابها بمشروعها، وتعلق القراء بها.
لقد خسرت معارك أمام الأزمات، لكنها لم تخسر حرب البقاء.
القارئ… النجم الغائب عن صفحات التكريم!
وراء هذه المسيرة اسم يستحق أن يتقدم صفوف المحتفى بهم: القارئ.
ذلك المغربي الذي كان يتوجه إلى الكشك بحثاً عن «المنتخب»، ويحملها إلى المقهى، ويقلب صفحاتها بشغف، ويختلف مع تحليلاتها، ويحتج على بعض عناوينها، لكنه يعود لاقتنائها من جديد.
كانت الجريدة امتداداً للمدرجات، ورفيقاً للنقاشات الرياضية، وجزءاً من ذاكرة أجيال عاشت زمن الورق قبل زحف الشاشات.
وهذا القارئ، الذي لم يظهر اسمه في هيئة التحرير، كان أحد أكبر أسرار استمرارها.
أربعون سنة… ذاكرة تستحق الوفاء ومستقبل ينتظر الجرأة!
في الذكرى الأربعين، لا يكفي أن نستحضر الماضي ونشعل الشموع. فالأهم أن نسأل عن مستقبل الصحافة الرياضية في زمن تتسابق فيه الأخبار والإشاعات، وتتنازع فيه المهنية والإثارة، وتضيق فيه المسافة بين الصحافي وصانع المحتوى.
هل ما زالت الصحافة قادرة على إنجاب سندباد جديد يسافر وراء الحقيقة؟ وهل ما زالت تملك فسحة لفيلسوف يفكر ويحلل، بدل الاكتفاء بنقل التصريحات وترديد الضجيج؟
إن التحدي الحقيقي أمام «المنتخب» وهي تدخل عقدها الخامس، أن تحافظ على روح المغامرة التي صنعت بدايتها، وأن تجدد أدواتها دون أن تفقد هويتها أو استقلالية كلمتها.
فالصحافة لا تموت بتراجع الورق، بل بفقدان الجرأة والمصداقية واحترام عقل القارئ.
وفي هذه المناسبة، يستحق محمد بنيس، وبدر الدين الإدريسي «الفيلسوف»، ومصطفى بدري «سندباد المنتخب»، ومحمد برادة، وكل من أسهم في بناء هذا الصرح، تحية تقدير واعتراف.
كما يستحق الزملاء الذين تعاقبوا على صفحاتها، ومن يواصلون حمل مشعلها، وقفة وفاء تليق بتضحياتهم.
وتظل الذكرى فرصة لاستحضار من رحلوا عن دنيانا، ولتوجيه أصدق التحيات إلى زميلنا مصطفى طلال، مع أطيب المتمنيات له بالشفاء والعافية.
اللافتة الأخيرة…
أربعون سنة ليست مجرد رقم في عمر صحيفة، بل أربعون موسماً من المواجهة، وألوف الصفحات التي احتضنت أحلام الرياضيين، وانتصاراتهم وانكساراتهم.
لقد تغير اللاعبون، وتبدلت الخطط، وتعاقب المدربون، واشتدت العواصف، لكن قميص «المنتخب» ظل حاضراً في الميدان.
طوبى لمن أشعلوا الحلم، وتحية لمن حرسوا شعلته، ووفاء لمن تركوا بصماتهم ورحلوا، وتقدير لمن يواصلون المسيرة.
ولأن أجمل الصحف هي التي لا تشيخ أحلامها، فإن أربعين سنة من الحبر والعرق والوفاء لا ينبغي أن تكون نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد.
أما صافرة النهاية… فلا تطلقوها!
فما زال في القلم حبر، وفي الذاكرة حكايات، وفي الميدان متسع لأحلام جديدة.
كل عام و«المنتخب» بخير… وكل عام والصحافة الرياضية المغربية أكثر حرية وجرأة ووفاء لرسالتها!















0 تعليق