دقت في مسمعي رنة هاتف، كنت قد أودعته حاجة أن يوقظ ذاكرتي على إيقاع لحظة فارقة من هذا الزمن المترامي، فأحالني على بحر من الذكريات، تتزاحم على مدى أربعين سنة، أعرف لها تفاصيل ولا أعرف لها مواقيت.
في الذكرى الأربعين لميلاد «المنتخب»، مهجة الروح، لا أقيس السفر بعدد السنوات التي عبرت، بل بعدد تفاصيل السفر التي استقرت في القلب، وبحجم ما تركته في الروح من أثر لا تمحوه الأيام. فهناك حكايات لا نستطيع أن نرويها من الخارج، لأننا ببساطة جزء منها، ولأن ما بيننا وبينها أكبر من أن تختصره الكلمات، مهما أخلصت في القول، ومهما أوغلت في استنطاق الذاكرة.
و«المنتخب»، وهي تطفئ شمعتها الأربعين، واحدة من هذه الحكايات التي لا أستطيع أن أقف منها موقف المؤرخ المحايد، ولا أن أستعيد فصولها كما يستعيد المرء سيرة شيء يخص الآخرين. فالمنتخب ليست صحيفة عبرت حياتي، ولا مهنة مارستها، ولا مجرد عنوان ارتبط باسمي منذ أربعة عقود. إنها قطعة من روحي، وامتداد لحلمي، وشيء من ذاكرتي الشخصية التي اختلط فيها الخاص بالعام، حتى صار الفصل بيني وبينها ضربا من المستحيل.
في ذاك اليوم، 29 أكتوبر 1986، لم يكن ميلاد «المنتخب» مجرد إضافة عنوان جديد إلى مشهد الصحافة الرياضية المغربية. كان الأمر أشبه بفتح نافذة واسعة على شغف وطن بكرة القدم، وبرياضة كانت تبحث عن صوتها، وعن من يمنحها حقها في الحكي والتوثيق والاحتفاء. يومها، ولدت صحيفة، وولد معها عهد من الوفاء، عهد لم أكن أعرف أنني سأمضي فيه كل هذه السنوات مع زميلي السندباد مصطفى بدري، حاملا وإياه أمانة الحرف، ومؤتمنا معه على حلم جميل، يتجدد كل صباح مع كل عدد جديد، تأخذنا لحظات الفرح فلا ننسى من أين جئنا وتهب علينا رياح الإنكسار فلا ننكسر.
كنت رئيسا للتحرير منذ اليوم الأول. وما كان ذلك بالنسبة إلي مجرد موقع مهني، أو مسؤولية تنتهي بانتهاء ساعات العمل. لقد كان ارتباطا يشبه العهد، وتكليفا يشبه الوصية، وإيمانا بأن الصحيفة التي نكتبها بأيدينا ستكون حتما، مع مرور الزمن، جزءا من الذاكرة الجماعية لوطن بأكمله.
أربعون سنة، يا لها من مسافة طويلة، ويا لها من رحلة تختزل أعمارا من الأفراح والانكسارات، ومن الانتصارات التي جعلتنا نطير من الفرح، ومن الخيبات التي علمتنا كيف نواسي أنفسنا ونعود إلى الكتابة. عشنا مع «المنتخب» لحظات كان فيها الحبر يختلط بدموع الفرح، كتبنا عن أبطال صنعوا مجد الرياضة المغربية، وعن أجيال تعاقبت، وملاعب شهدت ولادة الأحلام، ومنتخبات حملت على أكتافها أشواق المغاربة إلى العالم.
كبرت «المنتخب»، وكبرنا معها. تغيرت الوجوه، وتبدلت الأزمنة، وانتقلت الصحافة من رائحة الورق إلى ضوء الشاشات، ومن إيقاع المطابع إلى سرعة العالم الرقمي. لكن شيئا واحدا ظل ثابتا في داخلي: أن «المنتخب» ليست ما نطبعه، بل ما نؤمن به؛ ليست ما نوزعه على القراء، بل ما نتركه في وجدانهم؛ وليست ما نكتبه عن الرياضة، بل ما نكتبه من أجل أن تبقى الرياضة ذاكرة وطن، وصورة شعب، وحكاية أجيال.
ولأن الوفاء لا يقبل أنصاف المواقف، فقد اخترت أن أظل إلى اليوم حارسا على هذا المعبد الجميل. والمعبد هنا ليس جدرانا ولا أوراقا، بل قيم تأسست عليها المنتخب: صدق الكلمة، ونبل الرسالة، واحترام القارئ، والإيمان بأن الصحافة الرياضية ليست ترفا على هامش الحياة، وإنما جزء من حيويتها ومن قدرتها على صناعة الوعي والفرح والانتماء.
ولست أدعي أن الطريق كان مفروشا بالورود. فلكل حكاية أثمانها، ولكل حلم معاركه، ولكل مسيرة مطباتها، ولكل بيت عزيز عليه أن يصمد أمام الرياح. لكن ما يجعل الأربعين سنة جديرة بالاحتفاء ليس أننا بلغنا هذا العمر فحسب، بل أننا ظللنا نملك ما يستحق أن ندافع عنه، وأننا كلما ظن التعب أنه انتصر علينا، وجدنا في عيون القراء ما يعيد إلينا أسباب البقاء.
إلى كل من خط حرفا في «المنتخب»، أو التقط صورة، أو أخرج صفحة، أو حمل عددا إلى قارئ، أو منح هذه الصحيفة شيئا من عمره وشغفه، أقول: أنتم لستم أسماء عابرة في سجل مهني، أنتم شركاء في صناعة ذاكرة، وفي كتابة حكاية لم تنته فصولها بعد.
أما أنا، فما زلت أقف عند عتبة هذا البيت، أتأمل أربعين سنة مرت كأنها بالأمس، وأشعر أن أجمل ما في الحكاية لم يكن يوما ما أنجزناه، بل ما ظل فينا من رغبة في مواصلة الإنجاز.
ف»المنتخب»، بالنسبة إلي، ليست صحيفة لها تاريخ ميلاد، بل روح لها تاريخ من الوفاء.
أربعون سنة مضت، وما زلت أفتح بابها كل صباح، كأنني أدخلها للمرة الأولى. وما زلت، بكل ما في القلب من حب، أحرس هذا المعبد الجميل.















0 تعليق