شتاء أوروبي قارس يعصف بالإرهابية.. القارة العجوز تضيق الخناق على الشبكات الإخوانية

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من باريس إلى برلين.. تشريعات وضغوط أمنية ومالية تطارد شبكات التنظيم وغلق مساحات تحركه

فرنسا وهولندا والنمسا وألمانيا على جبهات المواجهة.. مطالب بالحظر وتشديد الرقابة ومراجعة التمويل والامتدادات التنظيمية

تحركات متزامنة تعيد رسم قواعد التعامل مع الإسلام السياسي.. وتضع شبكات الإخوان وتمويلها وعلاقاتها المؤسسية تحت المجهر

 

تواجه جماعة الإخوان الإرهابية شتاءً سياسياً قارساً في القارة الأوروبية، مع تصاعد التحركات التي تستهدف محاصرة نفوذها، وكشف امتداداتها التنظيمية، وتجفيف منابع تمويلها.

فسنوات من التحرك تحت لافتات العمل المدني والشبابي والتعليمي لم تعد كافية لحماية التنظيم المتهالك من موجة متصاعدة من التدقيق والملاحقة السياسية والتشريعية، في ظل تنامي القناعة لدى قطاعات أوروبية بأن مواجهة التطرف لا يمكن أن تتوقف عند حدود الشعارات، بينما تظل شبكات النفوذ والتمويل بمنأى عن المساءلة.

وجاء تحرك البرلمان الأوروبي في 8 أكتوبر الماضى، بإقرار قراراً يدعو إلى وضع استراتيجية أوروبية لمواجهة ما وصفه بالنفوذ الإسلامي المنظم والشبكات المرتبطة بالتنظيم، ليضيف جبهة جديدة إلى المواجهة؛ فالرسالة التي تحملها هذه التحركات تتجاوز حدود الإدانة السياسية، لتطال واحدة من أهم أدوات التمدد الإخواني: بناء العلاقات المؤسسية، واستغلال مساحات العمل الجمعياتي، والوصول إلى برامج التمويل الأوروبية عبر شراكات وكيانات متعددة.

وبالتوازي، تتقدم التحركات الفرنسية، وتتصاعد الدعوات داخل النمسا وهولندا لتشديد التشريعات في مواجهة الإسلام السياسي، فيما تتزايد الأسئلة بشأن أنشطة المنظمات الشبابية والطلابية ومصادر تمويلها وعلاقاتها المؤسسية، وهكذا، يجد التنظيم نفسه أمام مشهد أوروبي يتغير، حيث لم تعد المعركة محصورة في مراقبة الخطاب المتطرف، بل امتدت إلى ملاحقة قنوات النفوذ التي تتيح له إعادة إنتاج حضوره وتوسيع دوائره.

 

فرنسا توسّع جبهة المواجهة

يتسع نطاق المواجهة مع شبكات الإسلام السياسي، من مجلس الشيوخ الفرنسي إلى البرلمان الأوروبي، وسط تحركات تستهدف تشديد الأدوات القانونية، ومراجعة مصادر التمويل، ومواجهة "الاختراق المنظم"، ولم يعد الملف الفرنسي قائمًا على تقرير حكومي أو دعوة برلمانية للتصنيف فحسب، بل دخل مسارًا تشريعيًا جديدًا، تزامن مع تحرك أوروبي أوسع يضع شبكات الإخوان الإرهابية تحت مجهر المؤسسات والجهات الرقابية.

وفي 5 مايو 2026، أقر مجلس الشيوخ الفرنسي مشروع قانون لمكافحة الاختراق الإسلامي بأغلبية 208 أصوات مقابل 124، وتضمن النص المقترح إنشاء جريمة تتعلق بالإخلال بالمبادئ الأساسية للجمهورية، وتوسيع الحالات التي يمكن فيها حل الجمعيات إداريًا، وتعزيز أدوات الرقابة على بعض الكيانات وتجميد أموالها في حالات محددة، إلى جانب تشديد الرقابة على بعض الأنشطة المرتبطة بالمؤسسات الدينية. ويمثل المشروع تحركًا تشريعيًا يستهدف توسيع قدرة الدولة على التدخل في مواجهة الأنشطة التي ترى السلطات أنها تتجاوز المشاركة المدنية إلى تقويض مبادئ الجمهورية.

ولم يتوقف المسار عند مجلس الشيوخ؛ فقد أُحيل المشروع إلى الجمعية الوطنية في 6 مايو 2026، وهو ما يعني انتقال المواجهة إلى محاولة توسيع الأدوات التشريعية، ضمن موجة أوروبية أوسع لتعقب أذرع التنظيم، فالتطورات الأوروبية في 8 أكتوبر المنقضي، تضيف بُعدًا جديدًا إلى هذا المسار، بعدما أقر البرلمان الأوروبي، بأغلبية 381 صوتًا قرارًا يدعو إلى وضع استراتيجية للاتحاد الأوروبي لمواجهة الاختراق المنظم ونفوذ الشبكات المرتبطة بالإخوان الإرهابية، من خلال قضايا الرقابة على التمويل، والعلاقات المؤسسية، والتعاون بين الدول، وتقييم الكيانات والأفراد الذين يُشتبه في ارتباطهم بشبكات التنظيم.

وفي السياق نفسه، أكدت الحكومة الفرنسية، في رد برلماني نُشر في 8 سبتمبر الماضي، استمرار استخدام الدولة أدوات إدارية وقانونية لمواجهة أنشطة تصفها بالانفصالية أو المرتبطة بالإسلام السياسي، مشيرة إلى إجراءات شملت حل جمعيات، وإغلاق أماكن عبادة، وتجميد أموال، وتدابير أخرى اتُخذت منذ عام 2017، ليتقدم بذلك الملف الفرنسي على مسارين متوازيين: توسيع الأدوات الوطنية لمواجهة الاختراق الأيديولوجي، والضغط من أجل تنسيق أوروبي أشمل في التعامل مع شبكات الإخوان الإرهابية.

 

هولندا تصعّد ضد الإرهابية

تتجه هولندا إلى تشديد الرقابة على تمويل المؤسسات غير الحكومية والأنشطة المرتبطة بالتشدد الأيديولوجي، وسط تصاعد النقاش السياسي بشأن شبكات منظمات يُشتبه في ارتباطها بجماعة الإخوان الإرهابية، وطبيعة أدوارها في المجتمعات المحلية وقدرتها على التأثير في الجاليات المسلمة داخل المدن الكبرى.

ونقلت تقارير صحفية، عن قياديين في حزب العقد الاجتماعي الجديد بمدينة روتردام، دعم حزبه المقترحات الرامية إلى تعزيز الشفافية في عمل المؤسسات غير الحكومية، ومراقبة مصادر تمويلها، والكشف عن الأموال غير القانونية والأجندات التي قد تقف وراء أنشطة بعض المنظمات، والتصدي للتشدد الأيديولوجي ومحاولات إنشاء مجتمعات موازية تتعارض مع القيم الديمقراطية الهولندية.

وتتجاوز هذه المطالب حدود الرقابة المالية، لتتقاطع مع تحرك برلماني يستهدف جماعة الإخوان الإرهابية بصورة مباشرة، ففي 17 مارس 2026، أقر مجلس النواب الهولندي مذكرة تطالب الحكومة بحظر جماعة الإخوان والمنظمات المرتبطة بها، بأغلبية 76 صوتًا مقابل 74، رغم توصية الحكومة برفضها، مما يكشف عن تصاعد الضغوط الرامية إلى الانتقال من مراقبة أنشطة الشبكات المرتبطة بالتنظيم إلى اتخاذ إجراءات قانونية تستهدف وجودها ونطاق تحركها.

وتستند المخاوف الهولندية بشأن شبكات النفوذ الإسلامي إلى نقاشات وملفات برلمانية سابقة، من بينها التحقيق الذي تناول التأثيرات الخارجية غير المرغوب فيها في المؤسسات الدينية والاجتماعية، وفي هذا السياق، ظهرت أسماء مؤسسات من بينها رابطة المجتمع الإسلامي في هولندا  (LIGN)، واتحاد المنظمات الإسلامية في هولندا  (FION)، ومؤسسة يوروب تراست نيديرلاند  (Europe Trust Nederland)، التي تناولت شهادات وتقارير دورها في إدارة العقارات المرتبطة بالمؤسسات الإسلامية وتمويل المشروعات والمساجد.

وامتد الجدل إلى مؤسسات ومراكز دينية واجتماعية، من بينها المسجد الأزرق في أمستردام، ومركز "دي ميدنفِخ" الإسلامي في روتردام، ومؤسسة "رحمة للإغاثة"، إلى جانب جهات أخرى وردت أسماؤها في سياق النقاش بشأن التمويل والروابط المحتملة بشبكات الإسلام السياسي، وتورطها في علاقات عابرة للحدود، وإدارة الأموال والأصول، ضمن تحرك حكومي بدأ في 2021، حين قررت السلطات الهولندية عدم منح منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية تمويلًا جديدًا ضمن أحد برامج دعم المجتمع المدني، بعد مراجعة معلومات تلقتها الحكومة بشأن مخاوف تتعلق بعلاقات المنظمة بجماعة الإخوان الإرهابية.

النمسا تشهر سلاح التشريع في وجه الإرهابية

"هذا الحظر مهم للغاية بالنسبة لي، نحن بحاجة إلى أساس قانوني متين يتيح لنا حظر الجماعات والجمعيات التي تروج للإسلام السياسي والمواقف المتطرفة الأخرى".. بهذه الكلمات جدد المستشار النمساوي كريستيان ستوكر، في تصريحات لصحيفة "فيلت" الألمانية نُشرت الإثنين 26 أكتوبر، تمسكه بسن تشريع يحظر الإسلام السياسي، مؤكدًا ضرورة حماية الديمقراطية والنظام الاجتماعي وسيادة القانون في النمسا.

ويعكس هذا التصريح إصرار الحكومة النمساوية على نقل المواجهة مع التيارات الإسلامية المتشددة من التحذيرات الأمنية إلى مسار تشريعي يستهدف توفير أدوات أكثر اتساعًا لملاحقة التنظيمات والجمعيات التي يثبت ترويجها للتطرف، وهو ما تدعمه تحركات حكومية أخرى.

ففي 2 أكتوبر، أعلنت وزيرة الاندماج والشؤون الأوروبية كلوديا باوير الانتهاء من إعداد وثيقة تتضمن 24 نقطة بشأن حظر الإسلام السياسي، تمهيدًا لمناقشتها داخل الائتلاف الحاكم، شملت حظر جماعة الإخوان الإرهابية، إلى جانب تشديد الرقابة على التعليم الديني الإسلامي ومؤهلات القائمين عليه والمواد التعليمية المستخدمة.

وجاء هذا التصعيد بعد تطور أمني أثار جدلًا واسعًا في أغسطس الماضي، عندما أعلنت السلطات النمساوية إنهاء التعاون مع منظمة ديراد (DERAD) المعنية بإزالة التطرف وإعادة التأهيل، عقب رصد أجهزة الأمن مؤشرات على وجود صلات أيديولوجية بين أشخاص داخل المنظمة وجماعة الإخوان الإرهابية، وهو ما نفته المنظمة إلا أن السلطات اتجهت بالفعل إلى مراجعة وضعها ضمن برامج مكافحة التطرف. وتسلط القضية الضوء على مخاوف أمنية بشأن احتمال امتداد نفوذ الإسلام السياسي إلى مؤسسات يفترض أن تعمل على مواجهة التطرف.

وفي المقابل، لا يزال مشروع الحظر يواجه عقبات تشريعية؛ إذ أرجأت اللجنة الدستورية في البرلمان مناقشة مقترح إنشاء قانون لحظر الإسلام السياسي في 16 سبتمبر، وهو ما يعني أن التصعيد السياسي لم يصل بعد إلى مرحلة الحظر القانوني، لكنه أبقى ملف الإخوان في صدارة النقاش بشأن الأمن والتمويل والرقابة على الجمعيات.

ألمانيا تضع الإخوان تحت المجهر

وتتواصل التحركات الألمانية لمواجهة جماعة الإخوان الإرهابية وشبكات الإسلام السياسي، عبر مسارات تجمع بين تشديد إجراءات مكافحة التطرف، وتطوير أدوات الرقابة الأمنية، وإعادة فحص آليات تمويل المؤسسات التي أثيرت بشأنها تساؤلات رقابية.

ففي سبتمبر وأكتوبر من العام الجاري، انتقل هذا المسار إلى ملفات أكثر تحديدًا، مع إقرار الحكومة خطة جديدة لمواجهة الإرهاب الإسلامي، بالتزامن مع تجدد المساءلة البرلمانية بشأن التمويل الحكومي لمنظمات إنسانية ارتبط اسمها بنقاشات حول صلات محتملة بجماعة الإخوان الإرهابية.

وفي أحدث تطورات ملف التمويل، كشفت إجابة حكومية أمام البرلمان الألماني، نُشرت في 28 سبتمبر 2026، عن إقرار وزارة الخارجية بوقوع أوجه قصور في توثيق الملفات وحفظ السجلات بصورة مكتملة خلال بعض حالات التمويل بين عامي 2013 و2019.

وأكدت الحكومة، في المقابل، تطوير إجراءات فحص الشركاء منذ عام 2020، وتضمينها في قواعد تمويل المساعدات الإنسانية الصادرة في 17 ديسمبر 2025، وذلك في سياق استفسارات برلمانية بشأن تمويل منظمة "الإغاثة الإسلامية ألمانيا"، والضوابط التي اتبعتها الوزارة في ضوء معلومات رقابية عن صلات محتملة بجماعة الإخوان.

وقبل ذلك، أقرت الحكومة الألمانية، في 16 سبتمبر 2026، خطة عمل من عشر نقاط لتعزيز الحماية من الإرهاب، وتضمنت الخطة إجراءات لتشديد الرقابة على الأشخاص المصنفين خطرًا أمنيًا، وتعزيز مكافحة تمويل الإرهاب، وتطوير التدابير الوقائية لمواجهة التطرف، ما يعني توسيع أدوات المواجهة الأمنية والمالية مع التنظيمات والأنشطة التي تهدد النظام الدستوري.

وعلى مستوى التقديرات الأمنية، قدّم تقرير حماية الدستور الألماني لعام 2025، الذي نُشر في 30 يونيو 2026، أحدث الأرقام السنوية المتاحة بشأن مشهد الإسلاموية في البلاد، حيث قدّر التقرير عدد المنتمين أو الأنصار المنسوبين إلى جماعة الإخوان الإرهابية، بما يشمل الجماعة الإسلامية الألمانية (DMG)، بنحو 1450 شخصًا، كما وصف الجماعة الإسلامية الألمانية بأنها التنظيم المركزي والأبرز في أوساط أنصار الإخوان داخل ألمانيا، معتبرًا أن تحركاتها تستهدف التأثير في المجالين السياسي والاجتماعي.

 

شتاء الإخوان في أوروبا

لم تعد جماعة الإخوان الإرهابية تواجه تحركات أوروبية متفرقة يمكن احتواؤها بالمناورة السياسية أو إعادة ترتيب الواجهات، بل تجد نفسها أمام مشهد تتقاطع فيه الضغوط التشريعية مع الرقابة الأمنية والمالية، من باريس إلى أمستردام وفيينا وبرلين.

وبين مطالب الحظر، ومراجعة مصادر التمويل، والتدقيق في العلاقات المؤسسية، تتقلص المساحات التي تستطيع الشبكات المرتبطة بالتنظيم التحرك من خلالها دون إثارة أسئلة بشأن طبيعة أنشطتها وامتداداتها.

وتكمن خطورة التحول الراهن بالنسبة إلى التنظيم في أن المواجهة باتت تمس الأدوات التي تتيح له بناء النفوذ واستمراره، لا مجرد خطابه المعلن؛ فحين تنتقل الأسئلة من الشعارات إلى الحسابات، ومن الواجهات إلى العلاقات التنظيمية، ومن التحذيرات الأمنية إلى محاولة صياغة قواعد قانونية أكثر صرامة، يصبح هامش الحركة مرتبطًا بقدرة المؤسسات على فرض الشفافية والمساءلة.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد التصريحات أو قوة القرارات البرلمانية وحدها، بل في مدى تحولها إلى إجراءات نافذة تستند إلى أدلة واضحة وتنسيق أوروبي فعلي، فالتحدي أمام الدول الأوروبية هو سد الثغرات التي تسمح بتمرير التمويل أو استغلال المؤسسات، دون الخلط بين الاشتباه والإدانة أو بين التنظيمات المحددة والمجتمعات المسلمة عمومًا.

وهكذا يتشكل الشتاء الأوروبي القارس حول الإخوان: جبهات متعددة، وأسئلة أكثر صعوبة، ومساحة أضيق للمناورة، أما ما إذا كان هذا الشتاء سيؤسس لمواجهة أوروبية مستدامة، فلن تحسمه نبرة الخطاب، بل قدرة الحكومات على تحويل التعهدات إلى قواعد ملزمة، والرقابة إلى نتائج، والمعلومات إلى إجراءات قانونية قابلة للمحاسبة والمراجعة.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق