يتراجع الظل وينكشف الجسد العاري أمام صقيع الشتاء ولهيب الصيف، فيفقد الكلام طهارته إن لم يكن صرخة مدوية في وجه عالم ماتت ضمائره.
الخيام في قطاع غزة ، بقعة قماش ممزقة تؤوي مهجرين أكل القهر أيامهم، وطريقة موصوفة للقتل البطيء ومسلخ مبرمج للروح، حيث يعتصم الموت في الزوايا، ويحرس الأمهات خوف دائم على أطفال يرتجفون تحت ركام البرد والقهر، وكأن الإنسانية بكل مؤسساتها قد ارتضت أن ترى الكرامة الإنسانية وهي تصلب كل ليلة على أوتاد واهية لا تقي حراً ولا تستر وجعاً.
تمعن قوات الاحتلال الإسرائيلي في فرض الحصار الشامل على قطاع غزة، والذي يستولي على مساحات شاسعة من أراضي القطاع، حاشراً قرابة مليوني إنسان في شريط ساحلي ضيق ومكتظ، على مساحة لا تتجاوز 30% من إجمالي مساحة القطاع.
ولا تملك العائلات المكلومة سوى اللجوء إلى خيار الخيمة القسري بعد تدمير ما يزيد عن (320) ألف وحدة سكنية كلياً وجزئياً، حيث تشير تقارير قطاع الإيواء التابع لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ومفوضية شؤون اللاجئين إلى أن نحو (170) ألف أسرة تضم ما يقارب مليون إنسان، يعيشون متكدسين داخل نحو (150) ألف خيمة موزعة على ما يزيد عن (1,600) موقع ومخيم للنزوح معتمد وغير معتمد في مختلف محافظات القطاع، محشورين في رقعة لا تتجاوز خمسين متراً مربعاً تضم الخيمة والمطبخ ومرافق الصرف البدائية, وسط غياب كامل للمواد الإنشائية الأساسية من أخشاب وألواح صفيح ومسامير بسبب منع الاحتلال إدخالها.
هذا الوجود القسري فرض روتيناً يومياً من الشقاء المستنزف، الذي يبدأ بمعركة ترقيع الثقوب ومكافحة رطوبة الأرض، والبحث عن حطب لإشعال النار وسط انعدام غاز الطهي، مروراً بطوابير طويلة للحصول على ربطة خبز أو جالون مياه صالحة للشرب أو مياه مالحة للغسيل والشطف.
وسط هذا كله يتحمل الأطفال وتتحمل النساء وزر المعركة بأكملها، فالطفل لم يعد طفلاً بل معيل صغير تائه بين طابور الخبز والتكية والمياه، ضاعت دفاتره وحرم حقه الأساسي في التعليم والتحصيل العلمي، في ظل انحسار العملية التعليمية وتضرر البنى التحتية واضطرار آلاف الأطفال للتعلم أو التواجد في عشرات النقاط التعليمية المؤقتة داخل مخيمات النزوح والخيام. وحين تعجز طاقته المنهكة عن تلبية هذه الأعباء يواجه وطأة العقاب الأسري وسط أعصاب متآكلة وتفش مخيف لظواهر العنف ضد الأطفال.
والأمر أدهى وأمرّ حين يتعلّق بانعدام أبسط مقومات الخصوصية الزوجية والأسرية، فخيمة الجار تبعد أمتاراً معدودة، والصوت مباح، والانكشاف تام، مما مزق النسيج الاجتماعي وأدى إلى تصاعد عدد المشكلات العائلية وارتفاع حالات الطلاق والعنف الأسري.
إن هذا الواقع الكارثي لا يقتصر على كونها أزمة معيشية، بل يشكل انتهاكاً فاضحاً لمنظومة الحقوق الأساسية ومبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني.
حقوق انتهكت وعصفت بكرامة أصحابها: الحق في السكن الملائم والآمن والمكفول بموجب المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد أُعدمت كلياً حين تحولت الخيام إلى مصائد موت سريعة الاشتعال أودت بحياة العشرات من المدنيين جراء حالات الوفاة المتكررة بفيض من الحرائق المدمرة التي اجتاحت الخيام وبلغت عشرات الضحايا من الأطفال والنساء نتيجة التدفئة البدائية والتماس الكهربائي.
والحق في الحياة والسلامة البدنية المنصوص عليه في المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يتعرض للانتهاك اليومي بفعل البرد والقوارض والزواحف والحرائق المفاجئة.
كما يُنتهك الحق في الغذاء والمياه الكافية والنظيفة وفق المادتين (11) و(12) من ذات العهد عبر غياب مقومات الحياة والاعتماد على معدلات شحيحة من المياه لا تتجاوز لترات معدودة للفرد يومياً.
ويتدحرج الحق في الصحة الجسمانية والعقلية في ظل بيئة موبوءة بالرطوبة والاختناق والضغط النفسي المدمر. ولا يتوقف النزيف عند هذا الحد بل يمتد ليطال الحق في بيئة نظيفة وآمنة والحق في التعليم المناسب المكفول بالمادة (13) من العهد الاقتصادي والاجتماعي حيث يحرم الأطفال من مدارسهم ليتحولوا إلى عمالة قسرية في طوابير الشقاء.
وأخيراً يسقط الحق في الخصوصية وحماية الحياة الأسرية والمكفول بالمادة (12) من الإعلان العالمي والمادة (17) من العهد المدني والسياسي تحت وطأة الانكشاف التام وانعدام الجدران.
إن بقاء السكان في قطاع غزة تحت سيف هذه الخيام هو وصمة عار أبدية تلاحق الضمير العالمي ومنظوماته الحقوقية التي تقف متفرجة أمام جريمة اقتلاع الوجود والكرامة، ولن يرمم هذا الوجع إلا بإنهاء الحصار الفاجر، ورفع ركام الدمار والشروع الفوري في الإعمار وفق خطة زمنية واضحة وموثقة، تعيد للإنسان الفلسطيني حقه الأبدي في العيش بكرامة تحت سقف يحميه لا يقتله.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية












0 تعليق