رواية الفستان الابيض الفصل الخامس5والاخيربقلم يارا علاء الدين
الظرف كان مكتوب عليه بخط كريم:
لو لقيتي الورقة دي ياندى اوعديني متقريهاش إلا وإنتِ مستعدة!
فتحت الظرف وأنا إيدي بتترعش. كان جواه ورقة واحدة...
وصورة.
الصورة كانت لسليم. تايم في الكرسي اللي ورا في العربية.
لابس الطقم الأزرق بتاعه، وحاضن الدبدوب الصغير .
أما الورقة...
فكانت رسالة بخط كريم:
ندى، حبيبتي
لو إنتِ بتقري الكلام ده، فغالبًا أنا فشلت أواجهك بالحقيقة، أو يمكن ماكانش من حقي أصلًا أحاول.
لازم تعرفي إن الحادثة مكنتش بسبب السرعة زي ما قولتلك، ومكنتش بسببي لوحدي.
كملت وأنا حاسة إن قلبي بيتخلع من مكانه:
يومها كنت إنت اللي بتسوقي مش أنا، إنتِ اللي صممتي تسوقي ماصدقتي سليم كان نايم، بس مكنتيش قاصدة إن كل ده يحصل، كل حاجة حصلت بسرعة وغصب عنك، بصة واحدة منك لسليم, بعدها كل حاجة اتغيرت!
الورقة وقعت من إيدي.
لا...
لا لا لا...
رجعت مسكتها وأنا بنهج، وكملت:
لما فوقنا بعد الحادثة، كان سليم مات.
وإنتِ أول ما عرفتي، دخلتي في انهيار كامل.
فضلتي تصرخي وتقولي: أنا قتلته... أنا قتلته...
الدكتور النفسي قال إنك في حالة صدمة شديدة جدًا، وإن عقلك بدأ يرفض اللي حصل ويحذف منه اللي مش قادر يستوعبه.
وأنا... أنا كنت بساعدك تنسي، بساعد عقلك يهرب!
كدبت.
وخبيت.
وزودت الدوا أكتر من اللازم
كنت جبان، أناني.
ماكنتش مستحمل أشوفك عايشة بذنب إنك السبب في موت ابننا، وفي نفس الوقت ماكنتش قادر أقولك إني متقبل اللي حصل... لأني أنا نفسي ماكنتش عارف أسامح نفسي إني سبت كل ده يحصل قدامي.
أنا غلطت في حقك، وفي حق سليم، وفي حق نفسي.
ولو جه يوم وعرفتي الحقيقة، ومقدرتيش تسامحيني، مش هزعل!
لكن فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها:
إنتِ ماكنتيش أم وحشة... ومش إنتِ السبب!
آخر سطر قريته وأنا مش شايفاه من كتر الدموع.
وقعت على الأرض.
الفستان في حضني.
والورقة مرمية جنبي.
وبطني بتوجعني كأن الحادثة حصلت دلوقتي حالًا.
وفجأة...
افتكرت......
أصوات كتير ، صور مهزوزة!
افتكرت صوت سليم وهو بيعيط وصاحي مخضوض.
افتكرت إني كنت مرهقة ومضغوطة ومنهارة.
افتكرت إني لفيت لورا. عشان أخده جمبي.
افتكرت كريم وهو بيقولي: حاسبي وبيمسك الدريكسيون بسرعة..
افتكرت صوت الفرامل...
والخبطه...
والدم...
والصوت اللي عمري ما نسيته، حتى وأنا فاكرة إني نسيته.
قعدت على الأرض أعيط بصوت مكتوم، وأضم الفستان لصدري كأنه آخر حاجة باقية من حياتي القديمة.
وفي اللحظة دي فهمت كل حاجة.
فهمت ليه عقلي خانني.
فهمت ليه كنت بشوف سليم في كل مكان.
فهمت ليه كريم عمل اللي عمله.
وفهمت إن فيه ذكريات مش بتختفي...
هي بس بتستخبى لحد ما الواحد يبقى قوي كفاية يواجهها.
بعدها بأسبوع، روحت قبر سليم لوحدي.
قعدت قدامه وقت طويل، وبعدين حطيت فستان الفرح جنبي على التراب.
نفس الفستان اللي لبسته وأنا فاكرة إني داخلة حياة جديدة...
وماكنتش أعرف إن أجمل حاجة فيها، هتكون أول حاجة أخسرها.
قلت له وأنا بعيط:
"سامحني يا حبيبي...سامح ماما."
وسبت الفستان هناك، وقومت.
وأنا ماشية، لقيت حد بينده عليّا وبيقولي:
"إنتِ نسيتي ده!"
بصيت ورايا...كان كريم.
كان واقف على بُعد كام خطوة، وفي إيده الدبدوب الصغير بتاع سليم...
نفس الدبدوب اللي كان حاضنه وهو نايم في آخر مرة شوفته فيها.
بصيتله وسكت.
ولأول مرة من وقت طويل، محستش بغضب...
ولا خوف...
بس حزن هادي، حزن عرف طريقه للقلب من غير ما يكسره.
قرب مني ومدّ إيده بالدبدوب، وقال بصوت واطي:
"أفتكرت إن ده لازم يفضل معاكي."
خدته منه، وضميته لصدري، وأنا حاسة إن دموعي نازلة... بس المرة دي ماكانتش نفس دموع الانهيار.
كانت أخف.
أهدى.
كأنها بتغسل آخر وجع ساكن جوايا.
بصيت لكريم...
وابتسمتله ابتسامة صغيرة، باهتة، لكنها صادقة.
وساعتها بس فهمت إن مش كل وداع بيبقى نهاية… أوقات بيبقى مجرد استراحة طويلة قبل ما الطريق يجمعنا من جديد!
تمت
















0 تعليق