الأمن المائي خط أحمر.. والتعاون طريق التنمية

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

أسبوع المياه يرسم خريطة المصالح فى حوض النيل.. والقاهرة: حقوقنا لا تقبل التفريط.. وفرض الأمر الواقع "رهان خاسر"

المياه حق حصرى للجميع ولا يمكن استغلالها لأغراض سياسية.. ومصر من أكثر دول العالم جفافا وتعتمد على النيل فى أكثر من 98% من مواردها

 

لم تكن قضايا المياه مجرد محور من محاور أسبوع القاهرة التاسع للمياه، الذي استضافته القاهرة الأسبوع الماضى، بمشاركة دولية رفيعة المستوى، بل تصدرت المشهد، في ظل ما تحمله قضية نهر النيل والسدود المقامة عليه من أبعاد قانونية ومائية وتنموية تمس الأمن المائى المصرى، وتفرض نفسها على أجندة العلاقات بين دول الحوض.

وعلى مدار خمسة أيام، وبمشاركة 21 وزيرا أجنبياً، ومبعوثة رئيس الوزراء الياباني للمياه، ومبعوثة الامم المتحدة للمياه، ومبعوث المياه بكل من هولندا وفنلندا، ورئيس المجلس العالمى للمياه، وعدد من نواب الوزراء، و23 وفد رفيع المستوى، وبحضور عدد كبير من كبار المسئولين في قطاع المياه والعلماء والمنظمات والمعاهد الدولية ومنظمات المجتمع المدني والسيدات والمزارعين والقانونيين من مختلف دول العالم، وضعت القاهرة نهجاً جديداً لاستخدام المياه كحافز للسلام والاستقرار من خلال تنظيم فعاليات أسبوع القاهرة التاسع للمياه، تحت عنوان "المياه حافزًا للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام"، كما سعت القاهرة إلى تأكيد موقفها من إدارة الموارد المائية المشتركة، وشرح خصوصية وضعها المائى، فى ظل اعتمادها شبه الكامل على نهر النيل، بالتوازى مع التأكيد على أن حق دول الحوض في التنمية لا يتعارض مع ضرورة احترام قواعد القانون الدولى، وعدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى أو المساس بأمنها المائى.

وجاءت رسائل فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال فعاليات الأسبوع لتضع القضية فى إطارها السياسى والقانونى الأوسع، من خلال التأكيد على أن المياه ينبغى أن تكون مدخلا للتعاون والاستقرار والازدهار المشترك، لا أداة للضغط السياسي أو سببا للصراعات، مع التشديد على أن مصر لن تقبل المساس بأمنها المائى أو فرض أمر واقع ينتقص من حقوقها.

وحرصت مصر، خلال فعاليات الأسبوع، على عرض الأرقام التى تعكس حجم التحدى المائى الذى تواجهه، إذ تعتمد على نهر النيل فى توفير أكثر من 98% من مواردها المائية المتجددة، بينما لا يتجاوز متوسط الأمطار 18 ملليمترًا سنويًا، وانخفض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 473 مترا مكعبًا سنويًا، وتعكس هذه المؤشرات، أن قضية النيل لا تتعلق بمجرد إدارة مورد طبيعى مشترك، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على تلبية احتياجات السكان وتحقيق الأمن الغذائى واستدامة النشاط الاقتصادى، ومن هنا، ركزت القاهرة على أن حماية حقوقها المائية لا تعنى رفض التنمية فى دول الحوض، بل تستند إلى ضرورة التوفيق بين حق كل دولة فى الاستفادة من مواردها الطبيعية، والتزامها بعدم إلحاق الضرر بالدول الأخرى، مع الاحتكام إلى القانون الدولى والتشاور وتبادل الدراسات والإخطار المسبق بشأن المشروعات ذات التأثير المحتمل على الموارد المائية المشتركة.

لذلك أكد فخامة الرئيس السيسي أن وجود منابع النهر داخل أراضي دولة بعينها لا يمنحها حق التحكم المنفرد فى مورد تتشارك فيه شعوب عدة، مجددًا التأكيد على أن مصر اختارت طريق التعاون والحوار، مع تمسكها بمسئوليتها في حماية مصالح شعبها وأمنه المائى.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة فى سياق الخلافات المرتبطة بالسدود المقامة على النيل، وفى مقدمتها سد النهضة الإثيوبى، إذ تسعى مصر إلى ترسيخ مبدأ أن التنمية المائية لا ينبغى أن تنفصل عن قواعد التعاون بين الدول المتشاطئة، أو أن تتحول إلى إجراءات أحادية تفرض واقعا جديدا على بقية الأطراف.

ولم يقتصر الحضور المصرى خلال الأسبوع على عرض الموقف الرسمى، بل امتد إلى طرح رؤية أوسع للتعاون بين دول حوض النيل، تقوم على تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، وتطوير مشروعات مشتركة فى مجالات الطاقة والزراعة والرى، بما يحقق مصالح دول المنبع والمصب معا، وهنا استشهد الرئيس السيسى بتجارب التعاون فى دول حوض النيل الجنوبى، معتبرا أن الإخطار المسبق وتبادل الدراسات والتشاور يمكن أن تهيئ بيئة أكثر ملاءمة لتمويل المشروعات وتنفيذها، وأن هذا النهج يمكن أن يمتد إلى حوض النيل الشرقى، بما يحقق مصالح مصر والسودان وإثيوبيا.

كما طرحت القاهرة أهمية التوصل إلى إطار جامع يضم دول حوض النيل، مع معالجة شواغل الدول التي لم تنضم إلى الاتفاقية الإطارية، من خلال الحوار والتوافق، بدلًا من استمرار الخلافات التى تعرقل بناء منظومة مشتركة لإدارة الموارد المائية. وتكتسب هذه الدعوة أهمية فى ظل استمرار الخلاف بشأن سد النهضة، وغياب اتفاق ملزم بشأن قواعد تشغيله وتبادل البيانات والتعامل مع فترات الجفاف.

بالتوازى مع شرح موقفها من النيل والسدود، حرصت مصر على إبراز ما تنفذه داخليًا لمواجهة محدودية مواردها المائية، من خلال إعادة استخدام نحو 23 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، وتطوير البنية الأساسية، والتوسع فى الإدارة الذكية والتحول الرقمى، وتعزيز القدرة على التكيف مع آثار تغير المناخ، وتعكس هذه الجهود، وفق الرسالة المصرية، أن الدولة لا تكتفى بالمطالبة بحماية حقوقها المائية، بل تعمل أيضا على رفع كفاءة إدارة الموارد المتاحة، وتقليل الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات، مع إبداء الاستعداد لتبادل الخبرات والتكنولوجيا مع دول الحوض، وهنا أكد الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، أن مواجهة التحديات المائية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى الإدارة الاستباقية، وبناء منظومات أكثر مرونة، مشددًا على أهمية التعاون والشفافية والالتزام بقواعد القانون الدولى فى إدارة الأنهار الدولية.

ووجه فخامة الرئيس السيسى كلمة للأسبوع، كما استقبل، الأثنين الماضى، الوزراء ورؤساء الوفود المُشاركين في الأسبوع، وأكد أن مصر تعانى من ندرة المياه، وأنه من الهام أن يتفهم الجميع موقف مصر ووجهة نظرها إزاء موضوعات المياه، خاصة وأن مصر ليس لديها مورد للمياه تقريبا سوى نهر النيل، مضيفًا أن الدولة المصرية قامت بجهد كبير ومشاريع عملاقة لتحقيق الاستخدام الأمثل للمياه وتدويرها، أخذًا فى الاعتبار أن عدد سكان مصر أصبح 110 مليون نسمة، بالإضافة إلى 10 مليون أجنبى مقيمين فيها، وأن كل ما تطالب به مصر هو عدم المساس بحصتها من مياه النيل، مشيرًا إلى أن "المياه حق حصرى للجميع ولا يمكن استغلالها لأغراض سياسية".

كما أشار إلى أن حجم المياه والأمطار التى تنزل فى حوض النيل تكفي الجميع، وأنه إذا كان هناك التعاون اللازم بإقامة المشاريع ذات الصلة، فإن ذلك سوف يكون مفيدا للجميع، موضحاً أنه يوجد نماذج يحتذى بها للتعاون بين دول تتشارك في أنهار دولية عابرة للحدود، وأن هذا يتم وفقا للقانون الدولي.

كما أشار الرئيس إلى إيمان مصر بأهمية تعزيز التعاون المائى على أساس احترام قواعد القانون الدولى، وتحرص على تبادل الخبرات وإقامة الشراكات والمشروعات التى تخدم مصالح الشعوب، منوهاً إلى اعتماد مصر على نهر النيل فى أكثر من 98% من مواردها المائية المُتجددة، وهى موارد تأتى بالكامل من خارج حدودها، كما تُعد من أكثر دول العالم جفافا، إذ لا يتجاوز متوسط الأمطار 18 ملليمترا سنويا، وانخفض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 473 متر مكعب سنويا، لذلك تعيد مصر استخدام نحو 23 مليار متر مكعب من المياه سنويا، حيث أصبحت كل قطرة مياه ذات قيمة كبيرة.

وشدد الرئيس على أن التنمية والأمن المائى حق للجميع، وأن يد مصر ممدودة للتعاون القائم على القانون الدولى والتشاور والتنسيق وحُسن الجوار وعدم الإضرار، وقال إن "النيل يجمعنا، ومصالحنا المشتركة أكبر من أى خلافات"، مجدداً الدعوة إلى جعل المياه أداة للسلام والازدهار المشترك، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الحلول، ومن التعهدات إلى التنفيذ، وقال "إن أى رهان على قبول مصر بفرض الأمر الواقع، أو التفريط فى أمنها المائى.. هو رهان خاسر".

من جانبه أكد الدكتور هاني سويلم، أن مصر اختارت أن تكون المياه جسرا للتعاون، وأن أسبوع القاهرة للمياه يمثل منصة للحوار وتبادل الخبرات وبناء الشراكات، مؤكدا أن رسالة مصر لشعوب حوض النيل هى "نهر واحد، وحوض واحد، ومستقبل واحد"، وأن التنمية والأمن المائى حق للجميع، ويمكن تحقيقهما معا بالإرادة والثقة والتعاون.

وفيما يتعلق بالسد الإثيوبى، أشار سويلم إلى أن الدولة المصرية صبرت وكان التعامل دائما بهدوء، وأن الدولة عملت كل ما تستطيع عمله فى هذا الملف فى المفاوضات، وفى اتفاق إعلان المبادئ الذى كان خطوة لإثبات حسن النوايا المصرية تجاه الشعب الإثيوبى، إلا أن الجانب الإثيوبى للاسف لم يقم بتنفيذ اتفاق إعلان المبادئ، مشيراً إلى أن المفاوضات ذات الصلة التى استضافتها واشنطن شهدت التوصل إلى اتفاق بموافقة الجانبين الاثيوبي والسوداني فضلاً عن الجانب المصري، وكان اتفاقا متوازنا لجميع الأطراف، إلا أن الجانب الإثيوبى تهرب قبل التوقيع، وتطورت الأمور إلى مسارات مختلفة لم تؤد إلى نتائج إلى أن قررت الدولة المصرية عدم الاستمرار فى التفاوض.

وأكد سويلم، أن حوض النيل ليس اثيوبيا فقط، مؤكداً أنه إذا كان الهدف من اقامة السدود هو تقاسم المياه، فإن دول حوض النيل بها 7000 مليار متر مكعب من المياه من الامطار التى يمكن استغلالها وحصادها وتوجيهها للزراعة أو الشرب أو الصناعة، موضحاً أن حوض النيل فى حد ذاته تتراوح المياه فيه من 1600 إلى 2000 مليار متر مكعب في العام، بينما يصل مصر من هذه الكمية 55.5 مليار متر مكعب في العام بما يعنى أقل من 3% من الامطار التي تسقط على دول حوض النيل، بما يعني عدم وجود ازمة مياه فى دول حوض النيل، الا أن مصر بها ازمة مياه لعدم وجود موارد للمياه بها، وبالتالي فإنه يمكن التعاون ما بين مصر ودول حوض النيل لاستغلال المياه وتحقيق المنفعة المشتركة لكافة دول حوض النيل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق