لم تكن قوة علي بن حسن، الذي عرفته الأجيال بلقب «شمشون العرب»، مجرد استعراضات جسدية أبهرت الجمهور، بل كانت بوابة لشهرة واسعة حملت اسم رجل إماراتي إلى مسارح الوطن العربي وذاكرة أجياله. واليوم، بعد سنوات غيّبت فيها الأيام تفاصيل حكايته عن المشهد الإعلامي، تعود سيرته إلى الواجهة عبر فيلم «شمشون العرب: حكاية بطل من الإمارات»، للمخرج ناصر الظاهري، الذي يقام عرضه الأول مساء اليوم، ضمن فعاليات نادي العويس السينمائي، بحضور بطل الفيلم، في تجربة سينمائية تحمل لمسة وفاء لرجل قدّم الكثير، وتعيد الاعتبار إلى شخصية تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية.
لا يكتفي الفيلم باستعادة عروض القوة التي رسّخت شهرة «شمشون العرب»، من جرّ السيارات بشعره إلى تحمّل الأوزان الثقيلة على صدره، بل يتجاوز الصورة التي عرفه بها الجمهور، ليقترب من الإنسان خلف الشخصية الاستثنائية، ومن تفاصيل حياته وذكرياته وعلاقته بأسرته. وبين مشاهد أرشيفية وشهادات عائلية ووثائق جُمعت من مصادر متعددة، يستعيد العمل فصلاً من حكاية شعبية إماراتية، ويؤكد أن الوفاء لمن صنعوا حضورهم بالإنجاز لا يكتمل إلا بحفظ سيرهم ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
تبلور الفكرة
استهل المخرج ناصر الظاهري، حديثه مع «الإمارات اليوم» عن تبلور فكرة الفيلم، وقال: «كان علي بن حسن بطلاً وصاحب قوة خارقة، وقد أتيحت لي الفرصة لأرى بعض عروضه عندما كنت صغيراً، وكانت أخباره تتصدر الصحف والمجلات في العالم العربي، وكنا كأطفال نتسمى باسمه، وعلى الرغم من كل ما حققه، وبعد أن جال الوطن العربي كله، إلا أن الرجل الخارق لم يعد حاضراً في الذاكرة». وأضاف الظاهري: «أولي اهتماماً كبيراً لكل من قدم شيئاً للبلد، وصورة (شمشون العرب) اختفت من المشهد الإعلامي، ولهذا واصلت البحث عنه، واعتقدت في البدء أنه قد توفي، ولكن عندما اكتشفت أنه لايزال على قيد الحياة، قررت أن أصور الفيلم، وفي غضون أسبوع رتبت كل الإجراءات التي تمكنني من تسجيل الفيلم».
وأشار الظاهري إلى أن «شمشون العرب»، الذي يبلغ من العمر 80 عاماً، فقد بصره حالياً، لكن ذاكرته مازالت حاضرة بشكل كامل، معبّراً عن سعادته بتمكّنه من تقديمه مجدداً إلى المجتمع بصورة ملوّنة، بعيداً عن الصورة بالأبيض والأسود التي ارتبطت بمرحلة سابقة من حياته.
ولفت إلى أن الشخصية ارتبطت في أذهان الناس بالقوة البدنية، إلا أنه، بصفته مخرجاً، بحث عمّا وراء هذه الحكاية، موضحاً أن هذه القوة كانت هبة من الله، وقد استغلها «شمشون العرب» في أشياء جميلة، وكان بمثابة مصدر للتسلية والفرجة للناس. وأشار إلى أنه تعرّف إلى الإنسان الكامن خلف الشخصية الخارقة، موضحاً أنه يتسم بضعفه أمام دمعة طفل، وأمام زوجته الوفية له.
تحديات وأرشيف ضائع
وعن التحديات التي واجهت تصوير الفيلم والحصول على الوثائق، أوضح الظاهري أنه واجه صعوبة في الحصول على مقاطع فيديو من الأرشيف، لأن معظم أرشيف «شمشون العرب» احترق في بيته الأول. وبيّن أنه استعان بأرشيفات في عدد من الدول العربية، بينها مصر ولبنان، للحصول على وثائق أسهمت في إنجاز الفيلم، مع إخضاع بعضها لأعمال الترميم.
وأضاف أنه عمل أيضاً على جمع ما تبقى من قصاصات الصحف والمجلات والأشياء التي احتفظ بها «شمشون العرب»، ومنها أعقاب تذاكر العروض التي كان يقدمها، قبل تجميعها رقمياً واستخدامها في الفيلم. وشدد على أن البحث عن هذه الوثائق لم يكن سهلاً، لاسيما أنها كانت موزعة بين أرشيفات قديمة يصعب الوصول إلى بعض محتوياتها.
ويستند الفيلم إلى رواية حكاية «شمشون العرب» من خلال استعادة مشاهد من عروضه، بينها جرّ السيارة بشعره، وتحطيم الصخور على صدره، والاستلقاء على الزجاج، ووضع صخرة فوقه قبل كسرها، إلى جانب مقاطع أرشيفية أخرى توثق استعراضاته. ويهدف الظاهري من خلال هذه المشاهد إلى تقديم صورة أمينة عن بطولاته، بعيداً عن المبالغات التي قد تتناقلها الذاكرة الشعبية مع مرور الزمن.
وأكد أن «شمشون العرب» كان يولي اهتماماً كبيراً لبناء جسده، وتعزيز قوته البدنية، مشيراً إلى أنه كان يتناول 14 بيضة للمحافظة على صحته البدنية.
الأسرة امتداد للبطولة
وإلى جانب المواد الأرشيفية، يتضمن الفيلم شهادات من أبناء «شمشون العرب»، حرص الظاهري على حضورها ضمن السرد، لأن معظمهم ساروا على خطاه. وأوضح أنه اكتشف أنهم حققوا رقماً قياسياً في موسوعة غينيس من خلال جرّ طائرة، وقد عرض بعض المشاهد التي توثق ذلك في الفيلم.
وتبلغ مدة الفيلم ساعة وربع الساعة، فيما استغرق إنجازه نحو سبعة أشهر، وهي مدة شهدت البحث عن المواد الأرشيفية وجمعها، وترميم بعضها، إلى جانب بناء رواية سينمائية تستعيد سيرة البطل الإماراتي من زوايا متعددة، وتمنح شهادات أسرته مساحة للكشف عن امتداد تجربته في حياة أبنائه.
وحول ما يأمل أن يتلقفه الجيل الجديد من السيرة الذاتية لهذه الشخصية، أردف الظاهري بالقول: «أشعر بالدين للشخصيات التي قدمت الكثير للإمارات، وأتمنى أن يشعر الجيل الجديد بهذا الدين، لكل إنسان خدم الدولة بحب وتفانٍ، فهذه السير يجب ألا يطويها النسيان». ورأى أن التعامل مع سيرة ذاتية من الناحية الإخراجية أمر متعب، لأنه، بصفته مخرجاً محباً للشخصية، يجد صعوبة في التعامل بموضوعية مع الطرح الذي يقدمه، لاسيما أن كل مخرج يعمل بحب، ويسعى إلى تقديم الشخصية من مختلف الجوانب.
ذاكرة ووفاء
وعن دور السينما في توثيق الشخصيات الملهمة، لفت الظاهري إلى أنه لا يريد التخصص في تقديم الشخصيات، لكنه سبق أن قدم فيلمه الأول «حجر الرحى»، الذي تناول سيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فيما يأتي «شمشون العرب» في المرتبة الثانية ضمن أعماله التي توثق سيرة شخصية شهيرة.
ومن خلال هذا العمل، تعود حكاية «شمشون العرب» إلى الواجهة بوصفها أكثر من سيرة رجل اشتهر بقوته، إنها حكاية عن الإنجاز والذاكرة والوفاء، وعن ضرورة ألا تنقطع صلة الأجيال الجديدة بالشخصيات التي صنعت حضورها في المجتمع، وتركت بصمتها في ذاكرة الناس. فالأبطال لا يعيشون بما حققوه في زمنهم فحسب، بل بما تحفظه الذاكرة من حكاياتهم، وبما تمنحه لهم الأجيال اللاحقة من تقدير مستحق.
«على ضفة وطن»
يُحضّر المخرج ناصر الظاهري لفيلم جديد يحمل عنوان «على ضفة وطن»، يروي من خلاله قصة الدكتور فالح حنظل الذي كان في الحرس الملكي في عهد الحكم الملكي في العراق، وعندما حدثت الانقلابات انتقل إلى الأردن، ومنها انتقل إلى أبوظبي في الستينات من القرن الماضي، وعمل في العاصمة الإماراتية في حفر آبار المياه، ثم آبار الغاز والبترول، وأصبح أول مؤرخ لتاريخ وثقافة الإمارات والحياة الاجتماعية، والآن هو في التسعينات من عمره.
• أشعر بالدين للشخصيات التي قدمت الكثير للإمارات، وأتمنى أن يشعر الجيل الجديد بهذا لكل إنسان خدم الدولة بحب وتفانٍ.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news











0 تعليق