رصدت صحيفة «الإمارات اليوم» 10 تحديات وظواهر صحية خطرة تتداولها منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل بعضها من مقاطع مصورة تستهدف حصد المشاهدات والإعجابات، إلى ممارسات قد تهدد حياة الأطفال والمراهقين والشباب، فيما حذّر أطباء من خطورة تقليد هذه السلوكيات من دون إدراك عواقبها الصحية، مؤكدين أن تناول جرعة دوائية زائدة، أو تجربة سلوك ينطوي على حبس التنفس، قد يحوّل مقطعاً لا تتجاوز مدته ثواني إلى حالة طبية طارئة، وربما إلى مضاعفات صحية دائمة أو وفاة.
وتشمل هذه التحديات والظواهر «تحدي «Benny Tripping» القائم على تناول جرعات مفرطة من دواء «بينادريل» بهدف إحداث الهلوسة وتصوير التأثير، وتناول جرعات زائدة من الباراسيتامول، وخلط الأدوية للحصول على تأثير أسرع أو أقوى، فضلاً عن إيقاف العلاجات الموصوفة طبياً تقليداً لنصائح متداولة عبر الإنترنت، كما تشمل تحديات حبس الأنفاس وفقدان الوعي وتصويرها لجذب المتابعين، والإقبال على أجهزة التدخين الإلكتروني ومنتجات النيكوتين الحديثة والتفاخر باستخدامها، والترويج لأدوية وحقن التخسيس باعتبارها حلولاً سريعة لإنقاص الوزن دون تقييم طبي أو التأكد من سلامة المنتجات.
وتضم القائمة أيضاً الترويج لمنشطات وأعشاب مجهولة المكونات، وتجارب تجميل وعناية بالبشرة قائمة على خلط مواد كيميائية واستخدام مستحضرات غير مناسبة وتقليد إجراءات تجميلية منزلية، إلى جانب الترويج للمكملات الرياضية وهرمونات بناء العضلات والإفراط في استخدامها من دون إشراف طبي، وتمتد هذه الممارسات إلى الإفراط في استهلاك مشروبات الطاقة والكافيين وخلطها بمكونات أخرى، وتجربة منتجات تحفيز النشاط والتركيز، فضلاً عن تحديات النوم والسلوكيات الجسدية، مثل الحرمان المتعمد من النوم وتجارب التحمل الجسدي والترويج لها باعتبارها وسائل لتحسين الصحة واللياقة.
وأكد أطباء لـ«الإمارات اليوم» أن خطورة هذه الظواهر لا ترتبط بظهور تحديات جديدة فحسب، إذ إن بعضها يعود إلى سنوات سابقة، لكنه يعاود الظهور عبر المنصات بصيغ وأساليب مختلفة، مستفيداً من سرعة تداول المقاطع وإعادة نشرها، ما يزيد احتمالات تقليدها، خصوصاً بين الأطفال والمراهقين.
وأوضحوا أن الفضول والرغبة في التجربة والحصول على القبول الاجتماعي وإعجاب الأصدقاء، إلى جانب السعي وراء الشهرة وزيادة المشاهدات، من أبرز دوافع مشاركة بعض المراهقين في هذه السلوكيات، خصوصاً مع تأثير الأقران وفي ظل أن قدرتهم على تقدير العواقب واتخاذ القرارات لاتزال في طور النمو، داعين الأسر إلى بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار مع الأبناء، وتجنب العقاب والتوبيخ اللذين قد يدفعانهم إلى إخفاء سلوكياتهم، مشددين على أن حماية المراهقين مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والمنصات الرقمية، وتتطلب تكثيف التوعية بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا وتعزيز قدرة الشباب على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل، مؤكدين أهمية التقييم النفسي المتخصص عند تكرار السلوكيات الخطرة، أو ظهور تغيرات نفسية وعاطفية ملحوظة، أو إساءة استخدام الأدوية، أو سلوكيات إيذاء النفس، أو تأثر الحياة اليومية للمراهق.
أقسام الطوارئ
وحذّر أخصائي طب العناية المركزة، الدكتور محمود مدحت أبوموسى، من المخاطر الصحية الجسيمة المرتبطة بتقليد التحديات الخطيرة المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي تدفع بعض المراهقين إلى تناول جرعات مفرطة من الأدوية بهدف تحقيق المشاهدات أو إثارة إعجاب أصدقائهم، مؤكداً أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تسمم حاد يهدد الحياة، حتى عندما لا تظهر أعراض واضحة خلال الساعات الأولى.
وقال: «من واقع العمل في أقسام الطوارئ والعناية المركزة، تبرز أهمية التوعية بمخاطر هذه الممارسات، إذ قد يصل بعض المرضى إلى المستشفى وهم يعانون مضاعفات حادة تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، رغم أن بداية المشكلة كانت مجرد تجربة بدافع الفضول أو تقليد محتوى رائج على الإنترنت».
وأوضح أن بعض الأدوية الشائعة والمتوافرة في المنازل، بما فيها مسكنات الألم وأدوية الحساسية والنوم وبعض الأدوية النفسية، قد تتسبب عند تناولها بجرعات زائدة في مضاعفات خطيرة، تشمل اضطرابات ضربات القلب، والتشنجات، وفقدان الوعي، والفشل التنفسي، وتلف الكبد أو الكلى، وقد تصل في الحالات الشديدة إلى الوفاة.
وأشار إلى أن غياب الأعراض المبكرة لا يعني أن المراهق تجاوز مرحلة الخطر، إذ يمكن أن تبدأ بعض الأدوية بإحداث أضرار داخلية قبل ظهور العلامات السريرية الواضحة، مثل قد يؤدي تناول جرعة زائدة من الباراسيتامول إلى تلف شديد في الكبد، رغم أن المصاب قد يبدو بحالة طبيعية نسبياً خلال الساعات الأولى.
وأضاف أن الحالات الشديدة من التسمم الدوائي قد تستدعي إدخال المريض إلى وحدة العناية المركزة، خصوصاً عند حدوث اضطرابات في مستوى الوعي أو التنفس أو الدورة الدموية، وقد يحتاج بعض المرضى إلى أجهزة التنفس الاصطناعي، أو أدوية لدعم ضغط الدم، أو علاجات متخصصة للتسمم، وفي بعض الحالات إلى غسيل الكلى، وفقاً لنوع الدواء والمضاعفات الناتجة عنه.
وبيّن أن فرص التعافي تعتمد على عوامل عدة، أبرزها نوع المادة الدوائية، والكمية المتناولة، والوقت الذي مضى قبل بدء العلاج، والحالة الصحية للمصاب، ومدى تأثر الأعضاء الحيوية، وشدد على أن التدخل الطبي المبكر قد يحدث فرقاً حاسماً في إنقاذ حياة المريض وتقليل احتمالات الإصابة بمضاعفات دائمة.
وأكد أن من أخطر الأخطاء التي قد يرتكبها الأهل إجبار المصاب على التقيؤ أو إعطائه الحليب أو الوصفات المنزلية، اعتقاداً بأنها تساعد على التخلص من تأثير الدواء، مشيراً إلى أن هذه الممارسات قد تزيد من خطورة الحالة وتؤخر العلاج المناسب.
كما حذّر من تأخر بعض المراهقين في طلب المساعدة الطبية خوفاً من العقاب أو رد فعل الأسرة، داعياً الأهل إلى التعامل مع هذه الحالات بهدوء ومن دون توبيخ، مع طلب المساعدة الطبية العاجلة عند الاشتباه في تناول جرعة زائدة، حتى في غياب الأعراض.
وأكد أن الوقاية تبدأ بحفظ الأدوية بعيداً عن متناول الأطفال والمراهقين، وتعزيز الوعي بمخاطر إساءة استخدامها، وفتح قنوات الحوار داخل الأسرة بشأن المحتوى الخطير المنتشر على الإنترنت، قائلاً: «ما يبدأ كتحدٍّ يستمر لثوانٍ أمام كاميرا الهاتف قد ينتهي بأيام داخل العناية المركزة، وربما بمضاعفات صحية تستمر مدى الحياة، لذلك، فإن أي اشتباه بتناول جرعة دوائية زائدة يستدعي التعامل معه باعتباره حالة طبية عاجلة، لا مجرد تصرف متهور يمكن تجاهله».
تجاوز الحدود
وحذّر استشاري طب الطوارئ، الدكتور ضياء دانش جوماني، من خطورة التحديات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي تشجع المشاركين على تناول كميات مفرطة من الأدوية أو خلط مواد دوائية مختلفة، مؤكداً أن هذه الممارسات قد تعرّض حياتهم لمخاطر صحية جسيمة تصل إلى حد تهديد الحياة، إذ إن الدواء الذي يُعد آمناً عند استخدامه وفق الجرعة الموصوفة قد يتحول إلى مادة سامة عند إساءة استخدامه أو تناوله بكميات تتجاوز الحدود الآمنة.
وأوضح أن المضاعفات تختلف بحسب نوع الدواء والكمية المتناولة، وقد تشمل التشنجات، وصعوبات التنفس، واضطرابات نظم القلب، وتلف الأعضاء الحيوية، وفقدان الوعي، لافتاً إلى أن الحالات الشديدة قد تستدعي إدخال المصاب إلى وحدة العناية المركزة لتلقي الرعاية الطبية المكثفة، مشيراً إلى أن التحديات المنتشرة عبر مواقع التواصل تمثل مصدر قلق حقيقياً، إلا أن كل حالة تسمم دوائي تستدعي تقييماً طبياً مستقلاً لتحديد أسبابها ومدى خطورتها والعلاج الأنسب لها.
ولفت إلى أن بعض المراهقين قد يشاركون في هذه التحديات الخطرة نتيجة ضغط الأقران، أو بدافع الفضول، أو سعياً للحصول على الاهتمام والشهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون إدراك كامل للعواقب الصحية المحتملة، مشدداً على أهمية دور الآباء والمعلمين ومقدمي الرعاية في توعية المراهقين، وحفظ الأدوية في أماكن آمنة بعيداً عن متناولهم، وتشجيعهم على مناقشة المحتوى الخطير الذي يشاهدونه عبر الإنترنت مع شخص بالغ يثقون به، دون خوف من اللوم أو إصدار الأحكام عليهم.
وفي ما يتعلق بالإجراءات الواجب اتخاذها عند الاشتباه في تناول جرعة دوائية زائدة، أكد أن الخطوة الأهم هي طلب المساعدة الطبية فوراً وعدم الانتظار حتى ظهور الأعراض، محذراً من محاولة إجبار المصاب على التقيؤ، إذ قد يؤدي ذلك إلى دخول القيء إلى الرئتين والتسبب في مضاعفات رئوية خطيرة. وأضاف أنه من الضروري عدم ترك المصاب بمفرده، وعدم إعطائه أي شيء عن طريق الفم إذا كان يعاني النعاس الشديد أو التشوش الذهني أو فقدان الوعي.
دوافع نفسية
من جانبه، أكد أخصائي الطب النفسي، الدكتور عمر بن عبدالعزيز، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً أساسياً من حياة المراهقين، إلا أن بعض الاتجاهات والتحديات المتداولة عبرها قد تعرّضهم لمخاطر غير ضرورية، خصوصاً عندما تتضمن تقليد سلوكيات خطرة، أو تجربة الأدوية بطرق غير آمنة، أو الانخراط في أنشطة محفوفة بالمخاطر بهدف جذب الانتباه وتحقيق الشهرة، موضحاً أن المراهقين لايزالون في مرحلة النمو والتطور النفسي والعاطفي، وقد يرون في المشاركة في هذه التحديات فرصة للحصول على القبول الاجتماعي والتقدير والاعتراف من الآخرين، حتى وإن بدت للبالغين مجرد تصرفات متهورة.
وأشار إلى أن الحاجة إلى الشعور بالقبول والانتماء تُعد من أهم الاحتياجات النفسية لدى الإنسان، وتزداد أهميتها خلال مرحلة المراهقة، ما قد يدفع بعض الشباب إلى تقليد أقرانهم، أو محاولة إثارة إعجاب أصدقائهم، أو السعي للحصول على مزيد من الإعجابات والمشاهدات عبر منصات التواصل الاجتماعي، لافتاً إلى أن نشوة الشهرة والتقدير الاجتماعي قد تتغلب أحياناً على الخوف من العواقب المحتملة، مؤكداً أهمية عدم الاكتفاء بالتساؤل عن أسباب إقدام المراهق على سلوك خطير، بل فهم الحاجة النفسية أو الاجتماعية التي يحاول تلبيتها من خلاله.
وأوضح أن الفضول والرغبة في تجربة أشياء جديدة جزء طبيعي من مراحل النمو، ولا يعني كل قرار متهور يتخذه المراهق بالضرورة وجود اضطراب نفسي لديه، إلا أن مؤشرات القلق تظهر عندما تتحول السلوكيات المحفوفة بالمخاطر إلى ممارسات متكررة، أو تزداد خطورتها تدريجياً، أو تبدأ بالتأثير في التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية والاستقرار النفسي والعاطفي، مشدداً على أنه لا توجد مرحلة عمرية يمكن عندها اعتبار تقليد السلوكيات الخطرة أمراً آمناً، إذ قد تترتب على حادثة واحدة عواقب صحية ونفسية جسيمة، مؤكداً أن التعامل مع هذه الحالات يجب أن يقوم على فهم دوافع المراهق ومساعدته على اتخاذ قرارات أكثر وعياً وأماناً، بدلاً من إصدار الأحكام عليه أو تصنيفه.
وشدد على أهمية دور الأسرة في التعامل مع هذه السلوكيات، والاستماع إلى أبنائها قبل الحكم عليهم، لأن خوف المراهق من العقاب أو الإهانة قد يجعله أقل استعداداً للحديث عن تجاربه أو الاعتراف بأخطائه، ويدفعه إلى إخفاء ممارسات قد تعرّض سلامته للخطر، ناصحاً بالتعامل مع هذه المواقف بهدوء، وتوضيح المخاطر المحتملة، ووضع حدود وقواعد واضحة، دون الإضرار بعلاقة الثقة بين الأهل وأبنائهم.
ولفت إلى عدد من العلامات التحذيرية التي تستدعي انتباه الأسرة، من بينها التغيرات المفاجئة في السلوك، والميل إلى السرية وإخفاء التصرفات، والانسحاب من الحياة الأسرية، والاستخدام غير المعتاد للأدوية، أو الانشغال المفرط بالشهرة والشعبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أهمية توفير بيئة منزلية يشعر فيها الأبناء بالأمان والراحة عند الحديث عن أخطائهم، دون خوف من الرفض أو التشهير.
وعن سبل الوقاية ومتى تصبح الاستشارة النفسية ضرورية، أكد أن الوقاية تبدأ بالتوعية والحوار وبناء الثقة، وليس بالاعتماد على التخويف وحده، مشدداً على ضرورة تعليم الشباب التفكير النقدي فيما يشاهدونه عبر الإنترنت، وإدراك العواقب المحتملة لقراراتهم، وفهم أن قيمتهم الشخصية لا تُقاس بعدد الإعجابات أو المشاهدات أو حجم الاهتمام الذي يحصلون عليه عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن مسؤولية حماية المراهقين من هذه السلوكيات تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والمنصات الرقمية، لافتاً إلى أهمية الدعم المتواصل الذي توليه القيادة الرشيدة في دولة الإمارات لصحة الأطفال ورفاههم واستقرار الأسرة والتعليم وحماية الأجيال القادمة، باعتباره أساساً لتعزيز الوعي المجتمعي ودعم الصحة النفسية والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، مع الحفاظ على القيم الأسرية والثقافية الأصيلة.
وبيّن أن التقييم النفسي المتخصص يصبح ضرورياً عند ملاحظة تكرار السلوكيات الخطرة، أو حدوث تغيرات نفسية وعاطفية ملحوظة، أو إساءة استخدام الأدوية، أو ظهور سلوكيات إيذاء النفس، أو مواجهة صعوبات تؤثر في الحياة اليومية للمراهق، مؤكداً أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تربية أبناء يخشون ارتكاب الأخطاء، بل تنشئة جيل يتمتع بالثقة بالنفس، ويحظى بالدعم الأسري والمجتمعي، ويمتلك الوعي والقدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة تحمي صحته وسلامته ومستقبله.
• الحصول على القبول الاجتماعي وإعجاب الأصدقاء، والشهرة وزيادة المشاهدات، من أبرز دوافع مشاركة مراهقين في هذه السلوكيات.
أطباء:
• حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والمنصات الرقمية.













0 تعليق