لم تكن الزراعة في الفجيرة قديماً مجرد مهنة لتأمين الغذاء ومصدراً للرزق، بل كانت أسلوب حياة تشكلت تفاصيله من علاقة الإنسان بالأرض والماء، ومن مواسم الحصاد التي تنتظرها الأسر، والجهد الذي يبذله المزارعون في رعاية النخيل والمحاصيل، وصولاً إلى نقل المنتجات إلى الأسواق البعيدة، وبين مشقة العمل ومتعة جني ثماره، نشأت ذاكرة زراعية تحتفظ بتفاصيلها حكايات رجال ارتبطت حياتهم بالأرض منذ الطفولة، ومن بينهم المزارع الإماراتي راشد سالم سعيد بن صياح اليماحي، البالغ من العمر 78 عاماً، الذي لايزال يشرف على مزرعته، مستعيداً ملامح زمن كانت فيه البساطة والقناعة والسعادة رفيقة العمل اليومي.
ويستذكر الجد اليماحي، في حواره مع «الإمارات اليوم»، أن الزراعة كانت مهنة شاقة، لكنها مربحة، والأهم أنها جمعت الناس على مائدة عنوانها الرضا والقناعة، مشيراً إلى أن أصحاب المزارع والفلاحين كانوا في الغالب من المواطنين أبناء المنطقة، فيما نادراً ما كان يعمل بينهم أشخاص من جنسيات أخرى. ورغم مشقة العمل وقلة الإمكانات، كانت السعادة سمة بارزة في حياتهم، إذ ارتبطت بما تنتجه الأرض، وبما توفره من احتياجات المعيشة.
وشدد على أن تقدمه في العمر لم يغيّر علاقته بالمزرعة، معتبراً أن مشاهدة بزوغ النبتة الصغيرة وهي تخرج من الأرض وتنمو تدريجياً بعد زراعتها وسقيها، تظل من أجمل لحظات حياة المزارع، إنها فرحة البدايات التي لا تفقد معناها مع مرور الزمن، وتختصر حكاية رجل بدأت علاقته بالأرض في طفولته، ومازالت مستمرة حتى اليوم.
الماء سر الخصب
كانت المياه العذبة من أبرز مقومات الزراعة في الفجيرة، التي تميزت بوفرة الآبار والأودية، على الرغم من موقعها الساحلي المطل على البحر، ويربط اليماحي هذه الوفرة بالأمطار التي كانت تهطل باستمرار وبكميات كبيرة، إلى جانب خصوبة الأراضي وقلة المساحات المالحة، وهي عوامل أسهمت في ازدهار النشاط الزراعي على امتداد الساحل الشرقي.
لكن الوصول إلى المياه لم يكن مهمة سهلة، إذ اعتمد المزارعون على الآبار المعروفة محلياً باسم «الطوي»، واستعانوا بالثيران في أعمال الحراثة وسحب المياه، بينما اعتمد سكان المناطق الجبلية على الأفلاج مصدراً للمياه العذبة المستخدمة في ري المزروعات، وكانت هذه الوسائل تعكس طبيعة الحياة الزراعية في زمن لم تتوافر فيه المضخات والآلات الحديثة، ما جعل الحصول على المياه وتوزيعها على المحاصيل يتطلبان جهداً وخبرة وصبراً.
وكان إنشاء السواقي وحفرها من الأعمال الأكثر مشقة، إلى جانب تنظيف قنوات الري، والمحافظة على تدفق المياه إلى المزروعات. ومع ذلك، لم تكن الصعوبات تحجب عن المزارعين متعة العمل، بل كانت رؤية المحاصيل تنمو وتؤتي ثمارها تمنحهم شعوراً بالرضا عن جهودهم.
ولم تقتصر أهمية المزارع على إنتاج الغذاء، بل امتدت إلى طبيعة الحياة الاجتماعية والسياحية في المنطقة. فبحسب اليماحي، كانت الأشجار متقاربة ومتصلة ببعضها، في مشهد يعكس وفرة الغطاء الزراعي وخصوبة المكان، ما جعل مزارع الفجيرة وجهة يقصدها أبناء الإمارات للاستمتاع بأجوائها الطبيعية، وكان بعضهم يمضي فيها شهراً أو شهرين.
من الطفولة إلى ذاكرة النخيل
بدأت علاقة اليماحي بالزراعة في سن مبكرة، إذ دخل المزرعة عندما كان في نحو السادسة من عمره، ليتعلم تفاصيل المهنة التي ظلت حاضرة في حياته حتى اليوم. وكانت التمور تحتل مكانة أساسية في معيشة الناس، في وقت لم تكن الفواكه متوافرة بالتنوع الذي تعرفه الأسواق حالياً.
وأضاف اليماحي أن المزارعين كانوا يستخدمون الخوص والجراب لحفظ التمور بكميات تراوح بين 12 و16 كيلوغراماً، فيما اعتمد الناس في توفير احتياجاتهم المعيشية على ثلاثة موارد رئيسة هي الزراعة والبحر والاحتطاب من الجبال. وكانت هذه الأنشطة تتكامل في حياة أبناء المنطقة، بحيث توفر الأرض الغذاء، ويمنح البحر مورداً للرزق، فيما شكلت الجبال مصدراً للحطب الذي احتاجت إليه الأسر في حياتها اليومية.
وتكشف هذه التفاصيل عن طبيعة اقتصاد محلي اعتمد على الموارد المتاحة، وعلى معرفة متوارثة بخصائص الأرض والمواسم والمحاصيل، فضلاً عن قدرة المزارعين على الاستفادة من المنتجات الزراعية ومخلفاتها في تلبية احتياجات الأسرة وتربية الحيوانات.
إعداد الشتلات
ومن بين المحاصيل التي ارتبطت بالذاكرة الزراعية والتجارية للفجيرة، برز التبغ المعروف محلياً باسم «الغليون»، إلى جانب البطاطا الحلوة والبصل والفلفل والذرة، وأشار اليماحي إلى أن زراعة الغليون كانت من أبرز الأنشطة الزراعية في المنطقة، رغم ما تتطلبه من جهد وعناية، إذ حظي المحصول بطلب تجاري جيد، وامتدت تجارته إلى أسواق داخل الدولة وخارجها، بما في ذلك دول الخليج العربي وبلدان أخرى.
وكانت زراعته تبدأ بإعداد الشتلات ونقلها إلى الأحواض الزراعية، ثم متابعة نموها والعناية بها، قبل حصاد الأوراق وتجفيفها وتجهيزها للبيع. وهي مراحل تحتاج إلى عمل متواصل وخبرة في التعامل مع المحصول، في ظل غياب التقنيات الزراعية الحديثة. كما عرف المزارعون استخدام مواد طبيعية في تسميد المزروعات، من بينها الأسماك الصغيرة المجففة، إلى جانب مخلفات الأغنام والمواشي.
ولم تنته رحلة المحصول عند حدود المزرعة، إذ كان المزارعون ينقلون الغليون وغيره من المنتجات إلى أسواق دبي والشارقة، في رحلات طويلة استغرقت ما بين سبعة و10 أيام. وكانت عملية النقل تتم في ظل غياب السيارات، سيراً على الأقدام، ثم بالاستفادة من بعض الحيوانات والاستعانة بالبدو في حمل المنتجات ونقلها باستخدام أوعية وأكياس تقليدية.
وتعكس تلك الرحلات جانباً من المشهد الاقتصادي والاجتماعي الذي رافق الزراعة قديماً، حين كانت المسافة بين المزرعة والسوق تتطلب وقتاً وجهداً، وكان تسويق المحاصيل يعتمد على وسائل النقل المتاحة، وعلى التعاون بين أبناء المناطق المختلفة.
ومع مرور السنوات، بدأت زراعة الغليون تتراجع تدريجياً، حتى توقفت في أوائل التسعينات، نتيجة توجه كثير من أبناء المنطقة إلى وظائف ومهن أخرى. وبذلك انحسر أحد الأنشطة التي شكلت جانباً مهماً من الاقتصاد الزراعي في الفجيرة، بعد أن كانت المحاصيل تتجاوز في قيمتها حدود الاستهلاك المحلي لتصل إلى أسواق متعددة.
مواسم
ولم يكن المزارعون يزرعون محاصيلهم بصورة عشوائية، بل راعوا اختلاف المواسم واحتياجات النباتات، فخصصوا الصيف لزراعة الذرة وبعض النباتات المستخدمة أعلافاً للحيوانات، فيما اتجهت زراعات الشتاء إلى محاصيل غذائية يحتاج إليها السكان، من بينها الحنطة والشعير.
وعرفت المزارع التقليدية في الفجيرة كذلك زراعة الطماطم والباذنجان والقرع والبطيخ، إلى جانب أشجار المانغو والجوافة والليمون، في تنوع يعكس قدرة المزارعين على الاستفادة من طبيعة الأرض والمياه، وتكييف أنشطتهم مع الظروف الموسمية.
وكان هذا التنوع جزءاً من منظومة معيشية متكاملة، إذ لم تقتصر الاستفادة من المزرعة على المحاصيل المعدة للاستهلاك أو البيع، بل امتدت إلى مخلفات بعض الزراعات الحقلية التي كانت تستخدم في تغذية المواشي. ويعزو اليماحي المذاق المميز للمنتجات الزراعية في الفجيرة وجودتها إلى طبيعة الأرض والمياه العذبة، إلى جانب اعتماد المزارعين على الأسمدة الطبيعية.
بين الماضي والحاضر
وشهدت الزراعة في الفجيرة تحولات تدريجية مع قيام دولة الاتحاد، تمثلت في انتشار المضخات والآلات الزراعية وتطور وسائل الري، وصولاً إلى استخدام البيوت المحمية والتقنيات الحديثة التي أسهمت في تخفيف مشقة العمل وتنويع الإنتاج. كما تطورت وسائل النقل والتسويق، وأصبح وصول المحاصيل إلى الأسواق أسرع وأسهل مقارنة بالرحلات الطويلة التي عرفها المزارعون في الماضي.
ومع هذه التحولات، لم تعد الزراعة المصدر الوحيد للدخل لدى جميع المزارعين، إذ اتجه بعضهم إلى الجمع بين العمل في المزارع والوظائف الأخرى لتأمين احتياجات أسرهم، ولفت اليماحي إلى أن أبناءه مارسوا الزراعة لفترة قصيرة قبل انتقالهم إلى أعمال أخرى، في صورة تعكس التغير الذي طرأ على أنماط العمل والمعيشة بين الأجيال.
جزء من الحياة
في سن الـ78 لم تنقطع صلة الجد راشد اليماحي بالأرض، إذ لاتزال مزرعته جزءاً من حياته وذاكرته، ومكاناً يستعيد فيه تفاصيل البدايات وما حملته من تجارب وخبرات، فبالنسبة له لا تقاس قيمة الزراعة بما تنتجه من محاصيل فحسب، بل بما تمنحه للمزارع من شعور بالإنجاز، وبما تنشئه من علاقة متجددة بين الإنسان والطبيعة.
راشد اليماحي:
• الزراعة كانت مهنة شاقة لكنها مربحة، والأهم أنها جمعت الناس على مائدة الرضا والقناعة.
• محاصيل الفجيرة كانت تتميز بمذاق خاص وجودة عالية، بسبب طبيعة الأرض والمياه العذبة.
• 6 سنوات، كان عُمر راشد سالم سعيد بن صياح اليماحي عندما دخل المزرعة للمرة الأولى للعمل.













0 تعليق