رواية جحيم جدتي الفصل الرابع والاخير بقلم محمود الأمين
البابان والشبابيك بدأت تترزع وتتفتح وتتقفل بعنف. صوت صراخ هيستيري طالع من جميلة، جسمها بيظهر عليه آثار ضرب.
وسمعت أشرف بيقول: الحق يا شيخ صادق!
اتلفت ورايا لقيت أوضة فوزية النار ماسكة فيها.
رجعت تاني لجميلة وأنا بقول: اخرج باسم الله الأعظم، اخرج بحق لا إله إلا الله.
فضل يقولي: اسكت، هأذيك وهقتلها يا صادق.
فضلت أقرأ أكتر وأعلي صوتي أكتر. شهقت جميلة بقوة وفقدت الوعي.
ناديت على أهلها اللي دخلوا، وقولتلهم: خرج من عليها، الحمد لله.
خرجت لبره عرقان وقولتلهم: هو خرج من على بنتكم، لكن هو لسه موجود في البيت.
وعدت الليلة، وتاني يوم فاقت جميلة ومكنتش فاكرة أي حاجة، وبدأت ترجع لحياتها خلاص. واتعرفت على أمل وطارق، وبدأت تعاملهم زي إخواتها.
لحد ما في يوم كنت نايم وحلمت إني واقف قدام قبر قديم ومتهالك. ومن العدم ظهر دخان كثيف واتشكل على كائن مفزع مقرف بشع بعين واحدة، وقالي: هتندم يا صادق، بكرة هتكون آخر ليلة ليك هنا، بكرة يا صادق.
صحيت من النوم لقيتها 10 الصبح، استعذت بالله من الشيطان الرجيم.
قومت واطمنت على الولاد، وكان اليوم ماشي طبيعي، لحد بليل كان أشرف بيتكلم معايا وسمعت حاجة اتهبدت من مكان عالٍ، وصوت صرخة خلعت قلبي من مكانه.
جريت ناحية مصدر الصوت، وكانت الصدمة.
اتصدمت من اللي شوفته، حسيت إني اتشليت وأنا شايف جث.ة بنتي أمل قدام عينيا. بنتي أمل ماتت!
بصيت من مكان ما وقعت، لقيت جميلة واقفة بتصرخ وبتقول: وقعت لوحدها والله ما عملت حاجة.
صمت، دموع، صراخ مراتي شق الليل. جريت على جث.ة بنتي وحضنتها وفضلت أبكي.
أنا واقف مصدوم ومبرق، مش مصدق ولا قادر أصدق اللي حصل. ده يعني إيه؟ يعني انتقم مني في بنتي؟
مراتي بدأت تضرب فيا وتقولي: أنت السبب، أنت اللي قتلتها، أنت السبب!
مفيش دقيقة وسمعت صراخ هيستيري طالع من البيت، والنار بدأت تمسك في كل ركن في البيت.
دخلت بسرعة جبت ابني طارق من جوه، وأشرف خرج عيلته بسرعة بره البيت. شيلت جث.ة بنتي من على الأرض ومشينا.
ورحنا كلنا بيت ناس قرايب أشرف. تخيل داخل على ناس متعرفهمش بجث.ة، لكن بصراحة الناس اتعاطفت معانا.
دخلنا جوه الأوضة اللي هنغسل فيها بنتي. الدموع في عينيا والسؤال: ليه؟ ليه بنتي؟ ليه يا رب؟
غسلناها وكفناها ودفناها.
وقفت قدام القبر أبكي وأدعي لها، وقولتلها: سامحيني يا بنتي، أنا السبب.
لقيت أشرف بيطبطب عليا وبيقولي: اهدي يا شيخ صادق، راحت للأحسن مني ومنك.
رجعت بلدي في الصعيد أنا ومراتي وابني. عملت عزا كبير، كل الناس كانت بتسأل ده حصل إزاي، لكن أنا مكنتش بتكلم، كنت رافض أتكلم مع أي حد.
حبست نفسي في أوضتي بعد انتهاء أيام العزا، مش عايز أتكلم ولا أشوف حد. إحساسي إني السبب في موتها مخليني عاجز عن التفكير في أي حاجة.
بفكر في حاجة واحدة، الانتقام. أيوه، الانتقام.
حاولت أتكلم مع مراتي، لكن دايمًا تقولي: أنا عمري ما هسامحك، أنت السبب في موت بنتي. ياما قولتلك بطل الشغلانة دي، إحنا مش قدهم، لكن اللي في دماغك في دماغك، وأدي النتيجة.
بقيت أنام لوحدي في الأوضة، نومي قل، لحد ما في يوم تليفوني رن.
كان مين؟ كان أشرف.
_ ألو، أيوه يا أشرف.
= شيخ صادق، أنا مش عارف أتكلم وأقول إيه. أنا عارف إن اللي حصل بسبب عيلتي، لكن أنا معرفش غيرك عشان ألجأ ليه دلوقتي.
_ خير يا أشرف؟
= مش سيباني في حالنا يا شيخ صادق، لسه المصايب شغالة على دماغنا، وبابا بيشوف كوابيس مفزعة كل يوم.
_ حاضر يا أشرف، هرجع.
وفعلًا تاني يوم جهزت شنطتي عشان أسافر. مراتي شافتني وقالتلي: أنت رايح فين؟
_ راجع أجيب حق بنتي.
= لسه اللي في دماغك هو هو، والمرة دي مين هيموت؟ أنت مش هتخرج من هنا، أنا مش مستغنية عنك لا أنت ولا ابني.
_ لازم أرجع، مش هسيب حق بنتي.
= حق إيه؟ هتاخد حقك من الجن؟
_ أيوه، هاخد حقي من الجن.
وخرجت ركبت القطر ورجعت القاهرة. رحت على طول على بيت قرايب أشرف اللي قاعدين عندهم.
دخلت وحصنت أشرف وعيلته كلها، وقريت سورة البقرة وآية الكرسي وبعض الأدعية.
لقيت والد أشرف بيقولي: أنا خبيت عنك حاجة، أو بمعنى أوضح كدبنا عليك في حاجة.
_ حاجة إيه؟
= أمي بيتها موقعش، أمي أهل البلد طردوها عشان كده جيت تعيش معانا.
_ وهو البيت ده فين؟
= في المنصورة.
وداني العنوان.
خرجت عندي رهبة، وفي نفس الوقت شغف الانتقام مسيطر عليا. أخدت مواصلة لحد البلد اللي فيها البيت اللي كانت فوزية عايشة فيه.
سألت أهل البلد عن البيت، لكن الكل كان بيبصلي برعب، لحد لما سألت راجل كبير وقالي: بتسأل عن البيت ده ليه؟ امشي من هنا.
_ لا مش همشي، وقولي البيت فين.
لقيته بيشاور ورايا. اتلفت ورايا، كان بيت من طين متهالك.
قربت ناحية الباب وفتحته، ريحة هبت، ريحة عفن. فضلت أكح ودخلت. الحيطان كلها رسومات غريبة زي الرسومات اللي شوفتها قبل كده. بيت مقبض، حاسس إني مخنوق.
لكن بدأت أسمع صوت صراخ مكتوم جاي من أوضة معينة.
فتحت الأوضة واتصدمت. بنت في الـ30 من عمرها متكتفة.
دخلت بسرعة فكيتها وسألتها: أنتِ مين؟
= أنا مسعدة، مساعدة الست فوزية.
_ ومين اللي ربطك كده؟
= الست فوزية، هي اللي ربطتني عشان قررت أتوب.
_ أنا عايز أعرف حكاية الست دي إيه؟
= دي ست كافرة بتعمل أعمال وبتأذي الناس، ومعاها خادم سحر قوي جدًا من قبيلة بني غيلان. أنا ياما شوفتها بتأذي وبتفرق وبتقتل. أنا عشت معاها أسود أيام حياتي، ولما قررت أتوب ربطتني من غير أكل أو شرب. أنا كنت هموت لو أنت مجتش.
_ أنا عايز سرها، حاجة تخلصني منها.
سكتت البنت شوية، وبعدها قامت وفتحت دولاب وخرجت منه كيس وقالتلي: المكان اللي اتأذيت فيه دور فيه على نجمة خماسية، وحط الكيس ده في وسط النجمة وولع فيه.
_ هو إيه ده؟
= ده سر الست فوزية.
أخدت الكيس ورجعت البيت عند أشرف. طلبت أقعد في أوضة لوحدي، عايز أعمل خلوة.
وبعدها خرجت ورحت مكان محدش يعرفه غيري عشان أحصن نفسي.
مش مهم دلوقتي أنا فين، أنا حصنت نفسي منهم عشان أكون مستعد للمواجهة دي.
خرجت ومشيت في طريقي ناحية البيت اللي دمر حياتي وحولها لجحيم.
وصلت بعد نص الليل. البيت ضلمة، لكن الباب كان موارب. فتحته ودخلت، أول ما دخلت الباب اترزع واتقفل.
ومن العدم بدأ يترسم على الأرض نجمة خماسية بتحاط بحروف مقلوبة، وكانت منورة في الضلمة.
حسيت إني بتخنق، وقبل ما أنطق سمعت صوت من ورايا بيقولي: بابا، أنت بتعمل إيه هنا؟
اتلفت ورايا بسرعة، وكانت الصدمة.
بنتي!
جيت أقرب منها، لكن إزاي هتخدع بالسهولة دي؟
رجعت تاني وقولت: بسم الله الأعظم، نبدأ.
بسم الله الأعظم نحتجب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أعوذ بالله من كل شيطان مريد.
أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن شر طوارق الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمان.
وقريت آية الكرسي.
ظهر من العدم بمنظره البشع وقالي: لسه فيك نفس يا صادق؟ المرة دي هقتلك أنت وعيلتك كلها.
خرجت من جيبي الكيس بسرعة وأنا بقول: يا من ألجمت كل متمرد، سلم يا رب، سلم.
وولعت في الكيس ورميته في نص النجمة الخماسية. النار مسكت في النجمة والحروف، وكأنها بتزود.
الشيطان صرخ والبيت اتهز زي ما يكون فيه زلزال. فضلت أقري قرآن لحد ما اتحرق واتحول جسمه لرماد.
خرجت من البيت ورجعت لأشرف وأهله. كانوا بخير، وطمنتهم إنه خلاص مفيش مشاكل تاني هتحصل.
ورجعت بلدي.
رجعت لبيتي، لمراتي وابني.
رغم الخساير، إلا إننا مش لازم نستسلم، ولازم الخير في النهاية ينتصر.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم














0 تعليق