المنتخب".. أربعون سنة من كتابة ذاكرة الرياضة المغربية

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

• من حبر البدايات إلى مجد الريادة.. •صحيفة لم تكتف بمواكبة التاريخ، بل جعلت من صفحاتها شاهداً على صناعته

هناك صحف تعبر الزمن، وهناك صحف تجعل الزمن يعبر من صفحاتها. وهناك أسماء في ذاكرة الإعلام الرياضي لا تختصرها أعداد السنوات، ولا تقاس مكانتها بعدد النسخ التي طبعت، بل بما راكمته من أثر، وما نسجته من علاقة وجدانية مع القراء، وما تركته من بصمات في الذاكرة الجماعية لوطن جعل من الرياضة شغفاً يومياً، ومن كرة القدم حكاية هوية وانتماء.

هذا الخميس 29 أكتوبر 2026، تطفئ صحيفة «المنتخب» شمعتها الأربعين، وهي تحمل في رصيدها أربعة عقود من العطاء الصحفي المتصل، والحضور الوازن في المشهد الرياضي المغربي والعربي والدولي، ومسيرة لم تكن مجرد تعاقب لأعداد ورقية، بل رحلة في أعماق الرياضة المغربية، بمواعيدها الكبرى، وأفراحها وانكساراتها، وانتصاراتها التي صنعت المجد، وإخفاقاتها التي فتحت أبواب النقد والمساءلة.

40 سنة، و"المنتخب" تكتب عن الرياضة، وتكتب بها أيضاً تاريخ مرحلة كاملة من تاريخ المغرب. من الملاعب التي شهدت بدايات أحلام كروية كبرى، إلى المنصات التي اعتلاها الأبطال المغاربة، ومن المواعيد القارية التي جمعت القارة الإفريقية على إيقاع الكرة، إلى المحافل العالمية التي حمل فيها الرياضيون المغاربة راية الوطن، ظلت الصحيفة حاضرة، بعين الصحفي الذي يلتقط الحدث، وبذاكرة المؤرخ الذي يدرك أن ما يحدث اليوم سيصبح غداً وثيقة وشهادة ومرجعاً.

لم تكن الحكاية، في جوهرها، حكاية صحيفة رياضية فحسب؛ كانت حكاية رهان على تخصص إعلامي لم يكن الطريق أمامه مفروشاً بالورود، وعلى قارئ يستحق أن يجد في الصحافة الرياضية أكثر من نتيجة مباراة أو خبر عابر. كان الرهان أن تكون الرياضة مادة للمعرفة، والتحليل، والنقد، وأن يكون الصحفي الرياضي جزءاً من صناعة الوعي الرياضي الوطني، لا مجرد ناقل لما يدور فوق المستطيل الأخضر.

ومن هنا، اكتسب اسم «المنتخب» معناه الأوسع؛ منتخباً من الأقلام، ومن القيم المهنية، ومن الرهانات التحريرية، ومن الأجيال التي تعاقبت على صناعة تجربة أرادت لنفسها أن تكون أكبر من عمر العدد اليومي، وأعمق من حدود الخبر، وأبقى من تقلبات النتائج.

• 1986.. حين وُلد الحلم من رحم الحاجة إلى صحافة رياضية مختلفة

لكل حكاية لحظة ميلاد، ولحكاية «المنتخب» يوم لا يشبه سائر الأيام. الأربعاء 29 أكتوبر 1986، حين خرج العدد الأول إلى الأكشاك، لم يكن الأمر مجرد إضافة عنوان جديد إلى المكتبة الصحفية المغربية، بل كان إعلاناً عن ميلاد مشروع أراد أن يمنح الرياضة مكانتها المستحقة في إعلام ظل الحضور الرياضي فيه محدوداً، وتطغى فيه الأخبار السياسية على واجهات الصفحات.

كان المغرب قد خرج لتوه من نشوة مونديال المكسيك، حيث بصم أسود الأطلس على مشاركة تاريخية ببلوغهم الدور الثاني، في إنجاز غير مسبوق عربياً وإفريقياً آنذاك. وكانت ذاكرة الرياضة الوطنية لا تزال متوهجة بذهبيتي نوال المتوكل وسعيد عويطة في أولمبياد لوس أنجلوس 1984. لقد كانت تلك اللحظة التاريخية تهيئ الأرضية لصحافة رياضية أكثر تخصصاً، وأكثر قدرة على استيعاب اتساع الحلم المغربي.

في ذلك المناخ، اجتمعت إرادة ثلاثة أسماء حملت مشروع التأسيس: بدر الدين الإدريسي، مصطفى بدري، ومحمد بنيس. ومن تجربة مهنية راكموها في قطر فرسانا مميزين داخل فيلق "الصقر"، انبثقت فكرة العودة إلى المغرب لإطلاق صحيفة رياضية مستقلة في شخصيتها التحريرية، جريئة في طموحها، ومؤمنة بأن القارئ المغربي يستحق منتوجاً صحفياً يليق بشغفه بالرياضة.

ويكشف تقرير نشرته مجلة «تيل كيل» سنة 2006، بمناسبة الذكرى العشرين للصحيفة، عن الدور الذي اضطلع به محمد برادة، مدير شركة التوزيع «سابريس» آنذاك، في دعم المشروع وتوفير شروط انطلاقه. كما يستحضر شهادة الإعلامي الراحل نجيب السالمي، أحد الأسماء البارزة في الصحافة الرياضية المغربية، الذي أشاد بجودة الكتابة وبالاهتمام بالصورة الرياضية، باعتبارهما من العناصر التي ميزت التجربة الجديدة منذ بداياتها.

لم يكن سهلاً أن تراهن صحيفة متخصصة على الاستمرار في سوق إعلامية محدودة الإمكانات، ولا أن تقنع قارئاً اعتاد العثور على الأخبار الرياضية في مساحات صغيرة داخل الصحف العامة بأن الرياضة تستحق منبراً قائماً بذاته. لكن «المنتخب» دخلت التحدي بثقة من يعرف أن المشاريع الكبرى لا تولد من وفرة الإمكانات، بل من وضوح الرؤية وصلابة الإرادة.

وهكذا، تحولت الفكرة إلى مطبوعة أسبوعية، ثم سرعان ما اتسع إيقاع صدورها إلى مرتين في الأسبوع، في استجابة للإقبال الذي رافق بداياتها. لم تكن تلك مجرد زيادة في عدد الأعداد، بل كانت أولى العلامات على أن الرهان وجد طريقه إلى القارئ.

مدرسة "المنتخب".. حين أصبحت المصداقية هوية والجرأة أسلوباً

لم تبنِ «المنتخب» مكانتها على مطاردة النتائج وحدها، وإنما على فلسفة تحريرية راهنت على الخبر الدقيق، والحوار العميق، والتحليل الذي يذهب إلى ما وراء الأرقام، والنقد الذي لا يتخلى عن مسؤوليته المهنية.

كان المطلوب أن يتحول الصحفي الرياضي من ناقل للحدث إلى قارئ لخلفياته، وأن يصبح الحوار فرصة لاستنطاق الفاعلين، وأن تمنح الصورة الرياضية حقها بوصفها وثيقة بصرية تحفظ تفاصيل اللحظة، وتختصر أحياناً ما تعجز الكلمات عن قوله.

ولذلك، لم يكن غريباً أن تتسع مساحة الصحيفة للحوارات المطولة، والتحقيقات، والتغطيات الميدانية، وأن تتقدم الصورة إلى واجهة العمل الصحفي، في زمن لم تكن فيه الإمكانات التقنية تسمح بما تتيحه اليوم وسائل الإعلام الرقمية.

لقد أرادت «المنتخب» أن يكون الخبر خبراً، لا رواية مزخرفة؛ وأن يكون النقد نقداً، لا تصفية حسابات؛ وأن تكون المعلومة أمانة، لا مادة قابلة للتصرف وفق الأهواء. وفي هذا المعنى، لم تكن المصداقية مجرد شعار يزين الخط التحريري، بل كانت أساس العلاقة التي ربطت الصحيفة بقرائها.

وفي شهادة منشورة سنة 2017 بصحيفة «المنتخب»، يستعيد الصحفي محمد الجزولي الأثر الذي أحدثته التجربة، معتبراً أنها ساهمت في إعادة بناء صرح الصحافة الرياضية المغربية وتطوير الثقافة الرياضية، من خلال الجرأة في التناول، والدقة في التحليل، وحرية الكلمة. وهي شهادة تكتسب دلالتها من كونها صادرة عن صحفي خبر المدرسة من الداخل، وعاش جزءاً من تجربتها المهنية.

وإذا كانت الجرأة قد فتحت أمام «المنتخب» أبواباً واسعة لدى القراء، فإنها وضعتها أيضاً في مواجهة حساسيات كثيرة. فالصحيفة التي تختار أن تكون عيناً ناقدة على المشهد الرياضي، لا يمكنها أن تتوقع رضا الجميع. لكنها راهنت على أن احترام القارئ أهم من استرضاء العابرين، وأن استقلالية الكلمة لا تُقاس بما تجنيه من التصفيق، بل بما تتحمله من مسؤولية.

• الصحيفة التي سافرت مع أحلام الوطن

إذا كان تاريخ الرياضة المغربية يُكتب بالإنجازات والألقاب والأرقام، فإن جزءاً من ذاكرته يُحفظ أيضاً في أرشيف الصحافة التي واكبت تلك الإنجازات، ورافقت أصحابها في لحظات التألق والانكسار.

من مونديال المكسيك 1986، الذي وضع كرة القدم المغربية على خريطة العالم، إلى المشاركات الإفريقية والعربية والأولمبية، ظلت «المنتخب» تسعى إلى أن تكون قريبة من الحدث، لا أن تكتفي بانتظار ما تنقله وكالات الأنباء. وكانت سياسة مرافقة الرياضيين المغاربة في المنافسات الخارجية من أبرز عناصر تميزها، كما أشار التقرير المنشور سنة 2006 عن مسار الصحيفة.

وعلى امتداد أربعة عقود، لم تعد التغطية الخارجية مجرد نافذة على نتائج المباريات، بل صارت امتداداً لحضور الصحافة الرياضية المغربية في الفضاء الدولي. فالمراسل والصحفي والمصور، حين يصلون إلى مواقع المنافسات الكبرى، لا يحملون أدوات العمل وحدها، بل يحملون أيضاً مسؤولية نقل صورة الرياضة الوطنية، وتوثيق ما يحققه أبطالها، وإيصال صوتهم إلى القارئ المغربي.

وفي كل مرة كان فيها علم المغرب يرتفع في منصة تتويج، أو كان فيها المنتخب الوطني يكتب فصلاً جديداً من فصول المجد، كانت «المنتخب» تحاول أن تجعل القارئ شريكاً في تلك اللحظة، وأن تحفظ للحدث تفاصيله الإنسانية والفنية والتاريخية.

هكذا واكبت الصحيفة تطور كرة القدم الوطنية، ومسارات الأندية المغربية في المنافسات القارية، وتألق ألعاب القوى، ومشاركات الأبطال المغاربة في الألعاب الأولمبية، كما ظلت حاضرة في تتبع تحولات الرياضة الدولية، من كأس العالم إلى البطولات القارية، ومن المستطيلات الخضراء إلى مختلف فضاءات التنافس الرياضي.

ولم تكن قيمة هذا الحضور في اتساع رقعته الجغرافية فحسب، بل في تراكم مادته الصحفية. فالأرشيف الذي يتكون يوماً بعد يوم يصبح، مع مرور السنوات، ذاكرة لا غنى عنها لفهم كيف تطورت الرياضة المغربية، وكيف تغيرت أنديتها ومنتخباتها، وكيف انتقل الرياضي المغربي من تحديات البدايات إلى رهانات المنافسة على أعلى المستويات.

إنها، بهذا المعنى، ليست مجرد صحيفة تكتب عن تاريخ الرياضة المغربية؛ إنها إحدى الشهادات التي يمكن العودة إليها لاستعادة تفاصيل ذلك التاريخ، وقراءة تحولاته، وفهم اللحظات التي صنعت منعطفاته الكبرى.

• «المنتخب».. بيت مهني تخرجت منه أجيال من الصحفيين

ولا تُقاس قيمة المؤسسات الصحفية بما تنشره فقط، وإنما أيضاً بما تخرجه من كفاءات، وما تغرسه في الأجيال التي تمر من مدارسها من قيم مهنية، وما تتركه من أثر في المشهد الإعلامي بعد أن يغادر أبناؤها مكاتبها إلى تجارب أخرى.

ومن بين الشهادات التي تمنح هذه الفكرة عمقها، ما كتبه مصطفى بدري في مقاله «رحلة الألف ميل.. تستمر قطار الحياة»، المنشور سنة 2020، مستعيداً بدايات المشروع، والتحديات التي واجهته، والأسماء التي ساهمت في بنائه، والأقلام التي مرت من رحابه.

في ذلك الاستحضار، تبدو «المنتخب» أكثر من مقر للعمل أو مطبوعة تصدر مرتين في الأسبوع؛ إنها بيت مهني تشكلت داخله تجارب صحفية، وتعلمت فيه أجيال معنى الملاحقة الميدانية للحدث، وأهمية التثبت من المعلومة، وقيمة الوفاء للقارئ.

لقد عرفت الصحيفة تعاقب الأجيال وتغير أدوات العمل، ومر من صفحاتها ومكاتبها صحفيون ومراسلون ومصورون وتقنيون، أسهم كل منهم في صناعة جزء من هويتها. بعضهم واصل مساره داخل المؤسسة، وبعضهم حمل تجربته إلى منابر إعلامية أخرى، لكن ما يجمعهم هو أن الصحيفة كانت، بالنسبة إلى كثيرين، محطة للتعلم والاحتكاك اليومي بالمهنة.

ومن هنا، فإن الاحتفاء بأربعين سنة من عمر «المنتخب» هو أيضاً احتفاء بكوكبة من الأسماء التي لا تظهر جميعها على الصفحة الأولى، لكنها تشكل العمود الفقري للعمل الصحفي: مراسلون يطاردون الخبر في المدن والملاعب، ومصورون يقتنصون لحظة لا تتكرر، ومحررون يدققون الأسماء والأرقام، وتقنيون يسهرون على إخراج العدد في موعده.

إن وراء كل عدد حكاية جهد جماعي، ووراء كل سبق صحفي ساعات من البحث والاتصال والتحقق، ووراء كل تغطية ناجحة إيمان بأن القارئ يستحق الأفضل.

ولعل أجمل ما يمكن أن تحمله هذه الذكرى هو الاعتراف بأن تاريخ المؤسسة لا يصنعه أصحاب التوقيعات وحدهم، بل كل الذين منحوا الصحيفة شيئاً من أعمارهم، وأخلصوا لمشروعها، وتركوا في صفحاتها أثراً لا تمحوه السنوات.

• من الورقي إلى الرقمي.. تجدد الأدوات وثبات الروح

حين بدأت «المنتخب» رحلتها في أكتوبر 1986، كان العالم الإعلامي مختلفاً تماماً. كانت المعلومة تسافر عبر الهاتف والوكالات والمراسلين، وكانت الصورة تحتاج إلى جهد تقني خاص حتى تصل إلى الصفحة، وكان صدور العدد في موعده إنجازاً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين مختلف حلقات الإنتاج الصحفي.

أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد القارئ ينتظر موعد صدور العدد ليعرف ما وقع، ولم تعد المنافسة محصورة بين الصحف الورقية، بل اتسعت لتشمل المواقع الإخبارية والمنصات الاجتماعية والبث المباشر والفيديوهات القصيرة.

وكان على «المنتخب»، مثلما كان على الصحافة التقليدية عموماً، أن تدخل هذا العالم الجديد، من دون أن تتخلى عن هويتها المهنية. وهكذا امتدت التجربة من الصحيفة الورقية إلى الموقع الإلكتروني، ثم إلى منصات التواصل الاجتماعي ومحتوى الفيديو، في محاولة للجمع بين عمق المادة الصحفية وسرعة الوصول إلى القارئ.

وفي مقاله بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين، وصف بدر الدين الإدريسي هذا التحول حين كتب أن «المنتخب» لم تعد مجرد صحيفة ورقية، بل أصبحت فضاءً يضم الموقع الإلكتروني وشبكات التواصل وقناة على «يوتيوب»، مع استمرار الرهان على تجويد المضمون الصحفي.

ولم يكن هذا التحول تنكراً للجذور، بل محاولة لحمايتها من التآكل في زمن تتغير فيه عادات القراءة وتتبدل فيه وسائل الوصول إلى المعلومة. فالوسيط قد يتغير، من الورق إلى الشاشة، لكن جوهر العمل الصحفي يظل واحداً: معلومة موثوقة، وتحليل رصين، ولغة تحترم عقل القارئ، واستقلالية تسمح للصحفي بأن يؤدي دوره كاملاً.

وفي هذا السياق، يصبح التحدي المقبل أكبر من مجرد المحافظة على الاستمرارية؛ إنه تحدي تجديد النموذج الاقتصادي والتحريري، واستقطاب أجيال جديدة من القراء، وتطوير أشكال السرد الرياضي، والاستثمار في الصحافة الرقمية من دون التضحية بعمق المحتوى وجودته.

• حين تتجاوز الصحيفة حدود الخبر اليومي

على امتداد أربعين سنة، لم تكن قيمة «المنتخب» محصورة في عدد الأخبار والحوارات والتحقيقات التي نشرتها، بل امتدت إلى طبيعة الرهانات التي اختارتها، وإلى حرصها على جعل الرياضة فضاءً للحوار والتأمل والنقاش المهني.

إن التغطيات الميدانية للأحداث الكبرى، ومواكبة الرياضيين المغاربة خارج الحدود، وإفراد المساحة للتحقيقات والحوارات، والانتقال إلى النشر الإلكتروني، كلها حلقات في مشروع واحد: أن تظل الرياضة موضوعاً يستحق المتابعة الجادة، وأن تظل الصحافة الرياضية شريكاً في تطوير الثقافة الرياضية الوطنية.

ومن المبادرات التي تمنح هذه الرؤية امتداداً معاصراً، الاشتغال على الملفات الخاصة المرتبطة بالمواعيد الكبرى، وتوسيع حضور الصورة الرياضية، وفتح النقاش حول قضايا الممارسة الرياضية والإعلام، بما يربط بين الخبر اليومي والأسئلة العميقة المتعلقة بمستقبل الرياضة المغربية.

وتكتسب هذه الرهانات أهمية إضافية في مرحلة يستعد فيها المغرب لاحتضان استحقاقات عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، بما يطرحه ذلك من أسئلة حول البنيات التحتية، والاحتراف، والتكوين، والاقتصاد الرياضي، والصورة الدولية للمغرب.

فالمطلوب من الصحافة الرياضية في هذه المرحلة ليس أن تكتفي بمواكبة الاستعدادات أو الاحتفاء بالمنجزات، بل أن تسهم في توثيق التحولات، ومساءلة الاختيارات، وتقديم المعرفة التي تجعل القارئ شريكاً واعياً في هذا الورش الوطني.

وإذا كانت «المنتخب» قد راكمت تجربة طويلة في مرافقة الأحداث الكبرى، فإن رصيدها التاريخي يضع أمامها مسؤولية جديدة: أن تحول خبرتها إلى قيمة مضافة في النقاش الرياضي الوطني، وأن تمنح الأجيال الجديدة من الصحفيين مساحة للتعلم والابتكار، وأن تحافظ على تقاليد المهنة في بيئة إعلامية تتطلب السرعة من دون أن تسمح بالتفريط في الدقة.

• شهادات من الذاكرة.. القارئ شريك في صناعة الاستمرار

لا تكتمل حكاية صحيفة من دون قرائها. فالمؤسسة الإعلامية قد تمتلك مطابعها وأقلامها ومكاتبها، لكنها لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تجد من ينتظرها، ويقرأها، ويناقشها، ويختلف معها أحياناً، ثم يعود إليها بحثاً عن المعلومة والتحليل.

وقد عبرت شهادات سابقة منشورة في «المنتخب» عن هذه العلاقة، باعتبارها إحدى ركائز الاستمرارية. ففي مقال الذكرى الثانية والثلاثين سنة 2018، استحضر منعم بلمقدم، نيابة عن طاقم التحرير، ما وصفه برباط المحبة بين الصحيفة وقرائها، مشيراً إلى أن الصحيفة ظلت وفية لخطها التحريري، وأنها تلقت شهادات من فاعلين رياضيين ومسؤولين ومدربين ولاعبين، احتفاءً بمسارها وبحضورها في المشهد الرياضي.

هذه العلاقة ليست تفصيلاً عاطفياً في حكاية الصحافة، بل هي رأس مال معنوي لا يقل أهمية عن الإمكانات المادية. فالثقة التي تتكون عبر السنوات لا تُشترى بحملة إعلانية، ولا تُبنى بسبق عابر، وإنما تتشكل من تراكم التجارب، ومن الوفاء للمواعيد، ومن احترام ذكاء القارئ، ومن القدرة على الاعتراف بالخطأ حين يقع.

وفي المقابل، فإن الوفاء لا يعفي المؤسسة من واجب التجديد. فالقراء الذين رافقوا «المنتخب» منذ بداياتها تغيرت احتياجاتهم، والتحق بهم جيل جديد يريد المعلومة السريعة والمحتوى المرئي والتحليل المتخصص. ومن ثم، فإن التحدي هو الحفاظ على الثقة القديمة، مع بناء علاقة جديدة مع قارئ لا يعرف الصحيفة بالضرورة من خلال الورق.

إن أفضل شهادة يمكن أن تقدمها «المنتخب» في عيدها الأربعين ليست فقط ما يقال عنها، بل ما تواصل تقديمه من عمل مهني يستحق تلك الثقة.

• أربعون سنة.. والمستقبل يبدأ من الذاكرة

في الخميس 29 أكتوبر 2026، لن تكون الشمعة الأربعون مجرد رقم يضاف إلى سجل العمر. ستكون مناسبة لاستعادة الطريق، بكل ما حمله من تحديات وإخفاقات وانتصارات وانكسارات صغيرة وكبيرة، ولتقدير ما راكمته الصحيفة من خبرة، وما نسجته من علاقات، وما حفظته من ذاكرة رياضية وطنية وما أبدته من مقاومة ضد أشكال التعرية.

من عدد أول خرج إلى الأكشاك في خريف 1986، إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، قطعت «المنتخب» مسافة طويلة، تغير خلالها وجه الرياضة المغربية، وتبدلت أجيال اللاعبين والمدربين والمسيرين، وتغيرت طبيعة المنافسات ووسائل تغطيتها. لكن الخيط الذي يصل بين البدايات واليوم ظل، في جوهره، هو الرهان على الصحافة الرياضية باعتبارها مهنة لها قواعدها، ورسالة لها مسؤوليتها، وجمهور يستحق أن يجد في الإعلام مرجعاً موثوقاً.

أربعون سنة من العمل تعني أن «المنتخب» شهدت من تاريخ الرياضة المغربية ما يكفي لقراءة أربعة عقود من التحولات، وأن أرشيفها يختزن صوراً وأسماء وأحداثاً ونتائج وشهادات لا ينبغي أن تبقى حبيسة الرفوف، بل أن تتحول إلى مادة حية للتوثيق والبحث واستعادة الذاكرة.

ومن هنا، فإن الذكرى الأربعين تفتح الباب أمام مبادرات نوعية تليق بقيمة المناسبة: إصدار كتاب يوثق المحطات الكبرى للصحيفة، وتنظيم معرض للصور والصفحات التاريخية، وإنتاج سلسلة وثائقية تستعيد شهادات الرياضيين والصحفيين الذين عاصروا مسيرتها، ورقمنة الأرشيف حتى يصبح متاحاً للباحثين والمهتمين بتاريخ الرياضة المغربية.

مثل هذه المبادرات من شأنها أن تنقل الاحتفال من لحظة رمزية إلى مشروع ثقافي وإعلامي مستدام، يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال المقبلة فرصة للتعرف إلى تاريخ الرياضة المغربية من خلال وثائقها وشهاداتها الأصلية.

أما «المنتخب»، وهي تدخل عقدها الخامس، فربما يكون أجمل ما تحتفي به هو قدرتها على تحويل الذاكرة إلى طاقة للمستقبل؛ أن تظل وفية لروحها، منفتحة على التحولات، ومؤمنة بأن الصحافة الرياضية لا تستمد قيمتها من قربها من الأضواء، بل من قدرتها على إضاءة الطريق أمام القارئ.

أربعون سنة مضت، ولم تنته الحكاية.

ففي كل عدد جديد، وفي كل خبر يُدقق، وفي كل تحقيق، هناك نافذة تفتح على الحقيقة، وفي كل صورة تحفظ لحظة من المجد الرياضي المغربي، هناك فصل آخر يكتب من حكاية «المنتخب».

أربعون سنة من الوفاء للرياضة المغربية.. وأربعون سنة من الشراكة مع القارئ.. وأربعون سنة تؤكد أن المؤسسات التي تولد من فكرة صادقة، وتكبر بالعمل، وتستمر بالثقة، لا تحتفل بعمرها فقط، بل بما تتركه من أثر.

وفي عيدها الأربعين، تستحق «المنتخب» أن تحتفي بما أنجزته، وأن تتطلع، بعين الطموح نفسه الذي رافق عددها الأول، إلى سنوات مقبلة تظل فيها شاهدة على أمجاد الرياضة المغربية، ومرجعاً لذاكرتها، وصوتاً مهنياً يواكب أحلامها وأسئلتها وتحدياتها.

فالشمعة الأربعون ليست نهاية مسيرة، بل ضوء محطة جديدة في قطار لم يفقد إيمانه بالوصول.

••••••••••

الشكر.. لا يكفي

ومع ذلك سنقول.. شكراً لكل من خطّ حرفاً، أو التقط صورة، أو أخرج صفحة من بين آلاف الحكايات التي نسجت ذاكرة «المنتخب» على امتداد أربعة عقود.

شكراً لكل قلم أضاء حقيقة، ولكل عدسة اختزلت لحظة مجد، ولكل يد سهرت على أن يرى النور فصل جديد من حكاية لا تنتهي.

شكراً لكل من مرّ من هنا، فترك أثراً في الورق، وبصمة في الذاكرة، وشيئاً من روحه في وجدان هذه الصحيفة. فخلف كل عدد حكاية جهد، وخلف كل صفحة نبض إنسان، وخلف أربعين سنة من العطاء عائلة مهنية آمنت بأن الصحافة رسالة، وأن الوفاء للكلمة هو أجمل ما يُورَّث للأجيال، نستطيع أن نستذكرهم إسما إسما، فهم شموع في دربنا لا تنطفئ، من غادرونا إلى دار البقاء رحمهم الله، ومن هم لا يزالون بيننا نبضا يتحرك في عروق "المنتخب".

إلى كل هؤلاء، الذين كتبوا «المنتخب» بالحبر والضوء والجهد والإخلاص: أنتم بعض من حكايتها، وأنتم، في أبهى المعاني، حكايتها التي لا تُنسى.

أخبار ذات صلة

0 تعليق