أكد الدكتور سعيد حسانين، استشاري التخطيط العمراني، أن استراتيجية إنشاء المدن الجديدة في مصر لا تستهدف فقط معالجة المشكلات السكانية والعمرانية القائمة، وإنما تمتد إلى وضع حلول مستقبلية تضمن توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية بصورة أكثر توازنًا، وتحقيق تنمية عمرانية شاملة في مختلف أنحاء الجمهورية.
وأوضح استشاري التخطيط العمراني، خلال تواجده ضيفا ببرنامج هذا الصباح المذاع عبر قناة إكسترا نيوز، أن المدن الجديدة تسهم في الحد من التعديات على الأراضي الزراعية، من خلال توفير مناطق بديلة للسكن والتوسع العمراني، إلى جانب استغلال الأراضي الصحراوية وإقامة أنشطة اقتصادية واستثمارية بها، بما يتيح فرصًا جديدة للتنمية في مناطق لم تكن مستغلة من قبل.
وأشار استشاري التخطيط العمراني، إلى أن تجربة المدن الجديدة بدأت بالتركيز على مناطق شرق وغرب القاهرة، ثم امتدت تدريجيًا إلى مختلف محافظات الجمهورية، لافتًا إلى أن عدد المدن التي يجري تنفيذها أو العمل عليها يقترب من 41 مدينة، إلى جانب نحو 20 مدينة أخرى يجري التعامل معها وتخطيطها للمشاركة في جهود التنمية.
وأضاف أن انتشار المدن الجديدة في محافظات الصعيد، مثل المنيا وأسيوط وبني سويف وأسوان وقنا، ساعد على جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل، بعد أن كانت بعض هذه المناطق تعاني محدودية النشاط الاقتصادي والاستثماري، مؤكدًا أن ذلك يدعم تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع التنمية والحد من الهجرة الداخلية بحثًا عن فرص العمل.
وقال حسانين، إن مصر كانت تتركز أنشطتها العمرانية والزراعية والاقتصادية في نحو 6 إلى 7% فقط من مساحتها، رغم أن عدد السكان يقترب من 120 مليون نسمة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الكثافات السكانية في بعض المناطق إلى أكثر من 600 و700 فرد للفدان.
وأوضح أن هذه الكثافات المرتفعة تسببت في ضغوط كبيرة على الخدمات الأساسية، ومنها التعليم والصحة والمياه والكهرباء والصرف الصحي، مشيرًا إلى أن بعض الفصول التعليمية كانت تضم ما بين 80 و90 تلميذًا، رغم أن طاقتها الاستيعابية المفترضة تتراوح بين 35 و40 تلميذًا.
وأضاف أن التكدس أدى كذلك إلى تدهور بعض المرافق وظهور مشكلات صحية وبيئية، فضلًا عن انتشار المناطق العشوائية على أطراف المدن نتيجة انتقال السكان إليها بحثًا عن فرص العمل والخدمات.
وأكد استشاري التخطيط العمراني، أن إنشاء المدن الجديدة بالقرب من المدن القائمة لا يقتصر أثره على توفير مناطق سكنية إضافية، بل يسهم أيضًا في جذب الاستثمارات إلى المناطق المحيطة، مستشهدًا بمدينة بني سويف الجديدة وما شهدته من أنشطة صناعية وتكنولوجية وإلكترونية ساعدت على استقطاب استثمارات جديدة.
وأشار إلى أن قطاع التشييد والبناء يمثل نحو 20 إلى 22% من الاقتصاد المصري، موضحًا أن توزيع مشروعات التنمية العمرانية على المحافظات المختلفة يوسع نطاق الاستفادة الاقتصادية، ويتيح فرصًا أكبر للعمل والاستثمار خارج المراكز الحضرية التقليدية.
ولفت حسانين، إلى أن جاذبية المدن الجديدة شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن عدد المقيمين بها وصل إلى نحو 15 مليون مواطن، وفقًا لما أشار إليه رئيس مجلس الوزراء، مقارنة بأعداد محدودة كانت تسكن هذه المدن في مراحلها الأولى.
وأوضح أن نجاح المدن الجديدة في جذب السكان يرتبط بتوافر مجموعة من العناصر الأساسية، تشمل السكن وفرص العمل والخدمات والمرافق ووسائل الانتقال، مؤكدًا أن غياب أي عنصر من هذه العناصر يؤثر في قدرة المدينة على جذب السكان والاستقرار بها.
وضرب مثالًا بمدينة العاشر من رمضان، التي كانت تضم نشاطًا صناعيًا كبيرًا، لكن كثيرًا من العاملين بها كانوا يفضلون السكن بالقرب من أسرهم في مناطق أخرى، قبل أن يسهم تطور الخدمات ووسائل النقل في تشجيعهم على الإقامة داخل المدينة والاستفادة من قرب السكن من أماكن العمل.
وفيما يتعلق بمدن الجيل الرابع، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة، أكد حسانين أن نجاح هذه المدن يرتبط بتحديد الأنشطة الاقتصادية القادرة على توفير فرص عمل مستدامة، مشيرًا إلى أن نحو 20 إلى 25% من فرص العمل المستهدفة يمكن أن ترتبط بالخدمات، مثل التعليم والصحة، بينما يتعين توفير فرص اقتصادية متنوعة في القطاعات الأخرى.
وأوضح أن مدينة العلمين الجديدة تعتمد بصورة كبيرة على السياحة والترفيه، إلى جانب أنشطة مرتبطة بالاقتصاد الأخضر، لافتًا إلى أنها لم تعد تستهدف السياحة المحلية فقط، بل بدأت تجذب اهتمام شرائح من خارج مصر تبحث عن السكن الساحلي وتوافر الخدمات والأمن والأمان.
وأضاف أن بعض الشركات الاستثمارية أشارت إلى أن نسبة من حجوزاتها في المدينة تصل إلى نحو 30% لغير المصريين، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام الدولي بالاستثمار والإقامة في المدن الجديدة.
وأشار إلى تنوع الأنشطة الاقتصادية بين المدن المصرية، موضحًا أن العاصمة الإدارية الجديدة ترتبط بالنشاط الإداري، بينما تتميز مدن مثل الصالحية الجديدة بالأنشطة الزراعية، ومدن 6 أكتوبر والعبور والعاشر من رمضان والسادات وبني سويف بالأنشطة الصناعية، إلى جانب المدن التي تعتمد على السياحة الأثرية والتاريخية، مثل طيبة.
وأكد حسانين، أن اختيار مواقع المدن الجديدة بالقرب من المدن القائمة يمثل عاملًا مهمًا في جذب السكان، خاصة أن الروابط الأسرية والاجتماعية تلعب دورًا مؤثرًا في قرارات الانتقال والإقامة، مشددًا على أن المسافة وحدها ليست العامل الحاسم، بل يرتبط الأمر أيضًا بسهولة الوصول ومدة الانتقال وتوافر وسائل المواصلات.
وأوضح أن تطور شبكات النقل يسهم في زيادة جاذبية المدن الجديدة، مستشهدًا بتجربة مترو الأنفاق التي ساعدت على تسهيل الوصول إلى مناطق كانت أقل جذبًا للسكان في السابق، مؤكدًا أن توفير وسائل انتقال فعالة بالتوازي مع إنشاء المدن الجديدة يشجع المواطنين على الانتقال إليها والاستقرار بها.
واختتم استشاري التخطيط العمراني حديثه بالتأكيد على أن التنمية الشاملة وتكامل السكن والعمل والخدمات والمواصلات تمثل عناصر أساسية لنجاح المدن الجديدة، وتحويلها من مجرد تجمعات عمرانية إلى مجتمعات قادرة على جذب السكان والاستثمارات وتوفير جودة حياة أفضل.















0 تعليق