لم يكن قرار العودة إلى إقامة كأس إفريقيا للأمم كل سنتين مجرد تصحيح لمسار تنظيمي اختير قبل أقل من عام، بقدر ما بدا وكأنه انقلاب على قرار سابق، يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير شؤون الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، وحقيقة ما يجري داخل دواليبها، ومدى قدرة رئيسها باتريس موتسيبي على الإمساك بخيوط القرار داخل اللجنة التنفيذية.
فبعدما خرج موتسيبي قبل أشهر ليعلن، وبنبرة الواثق من المستقبل، اعتماد نظام الأربع سنوات لتنظيم كأس إفريقيا للأمم، لم يكن أحد يتوقع أن يعود الجهاز التنفيذي للكاف، في اجتماع الخميس الماضي، ليصوت بالإجماع على استعادة النظام القديم، وكأن القرار السابق لم يكن سوى محطة عابرة في مسار مرتبك، لا يستند إلى رؤية استراتيجية واضحة بقدر ما يخضع لحسابات متغيرة.
هل فقد موتسيبي السيطرة على لجنته التنفيذية؟
هذا السؤال بات مشروعا، ليس لأن اللجنة التنفيذية تملك حق مراجعة قراراتها، فذلك من صميم اختصاصها، ولكن لأن التراجع بهذه السرعة، وبعدما جرى تسويق القرار الأول باعتباره تحولا تاريخيا في تدبير المسابقات الإفريقية، يكشف عن خلل في صناعة القرار، ويضع علامات استفهام حول طبيعة النقاش الذي سبق اعتماد النظام الجديد.
فهل اقتنع موتسيبي فجأة بأن كأس إفريقيا لا يمكن أن تعيش على إيقاع الأربع سنوات؟ أم أن اللجنة التنفيذية فرضت مراجعة لموقف رئيسها، بعدما اصطدمت الحسابات المالية والتجارية بواقع لا يمكن القفز عليه؟ وهل نحن أمام رئيس يقود الجهاز التنفيذي، أم أمام رئيس وجد نفسه مضطرا إلى مسايرة توجه جماعي لم يعد يملك القدرة على مقاومته؟
سياسة بوليسية أم سياسة لتدبير الأزمات؟
في قراءة الصحافي الفرنسي فيليب دوسي، الذي أثار الموضوع عبر قناة «كانال بلوس إفريقيا»، فإن ما يقوم به موتسيبي يتجاوز مجرد تقلب في المواقف، ليصل إلى ممارسة ما وصفه بالسياسة البوليسية، أو «السياسة السياسوية»، التي تقوم على المناورة وتدبير المصالح أكثر مما تقوم على وضوح الرؤية وثبات المواقف.
ويرى دوسي أن قرار الانتقال إلى نظام الأربع سنوات لم يكن بريئا من الحسابات المرتبطة برئيس الفيفا جياني إنفانتينو، الذي كان يبحث عن استرضاء الأندية الأوروبية الكبرى، الغاضبة من اضطرارها إلى تسريح لاعبيها الأفارقة في منتصف الموسم، حتى يتسنى لهم المشاركة في كأس إفريقيا للأمم، وذلك في سياق الترويج لمونديال الأندية بصيغته الجديدة.
وإذا صحت هذه القراءة، فإن الكاف تكون قد وضعت مصالحها القارية في ميزان حسابات دولية، قبل أن تعود اليوم إلى مراجعة قرارها، بعدما اتضح أن أي مسابقة بديلة لا تستطيع أن توفر، في المدى المنظور، العائدات المالية والتجارية التي تدرها كأس إفريقيا للأمم.
• هل يخفي التراجع أزمة أعمق؟
لا يستبعد دوسي أن يكون هذا التحول محاولة من موتسيبي لصرف الأنظار عن أزمة تتسع داخل محيطه، خصوصا بعد الحديث عن تعثر مشروع تنظيم كأس إفريقيا 2027 بشرق إفريقيا، في ظل الصعوبات التي تواجه البلدان الثلاثة، كينيا وتنزانيا وأوغندا، ضمن مشروع «باموجا».
وبينما يواصل رئيس الكاف التأكيد علنا على أن البطولة ستقام في موعدها وبمنطقة شرق إفريقيا، تتحدث تقارير عن تحركات داخلية للبحث عن بدائل، في ظل مخاوف من عدم جاهزية البنيات التحتية والوفاء بالالتزامات التنظيمية.
وذهب دوسي إلى حد اعتبار أن موتسيبي قد يكون منشغلا بتأمين مستقبله السياسي، في ظل ما يروج عن طموحاته للعودة إلى المشهد السياسي في جنوب إفريقيا، وإن كان الرجل قد نفى سعيه إلى رئاسة بلاده.
• الكاف.. مؤسسة أم مختبر للمناورات؟
المؤكد أن العودة إلى نظام السنتين لا يمكن أن تمحو الأسئلة التي أثارها قرار الأربع سنوات، ولا أن تعفي القيادة الحالية من تقديم توضيحات مقنعة حول خلفيات التراجع، والجهات التي صنعت القرار الأول، والأسباب التي عجلت بإلغائه.
فالكاف ليست ملكا لرئيسها، ولا مختبرا لتصفية الحسابات أو تدبير الطموحات الشخصية، وإنما مؤسسة قارية يفترض أن تستمد قراراتها من رؤية استراتيجية مستقرة، ومن حكامة تضع مصلحة كرة القدم الإفريقية فوق كل اعتبار.
وإذا كان موتسيبي قد أعلن بالفعل أنه لن يترشح لولاية جديدة سنة 2029، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف سيغادر الكاف، بل بأي صورة سيغادرها؟ وهل ستظل السنوات المتبقية من ولايته مساحة لتصحيح الاختلالات، أم ستتحول إلى مرحلة تدبير الأزمات والمناورات السياسية؟
في كرة القدم الإفريقية، لم تعد المشكلة في عدد السنوات الفاصلة بين نسختين من كأس إفريقيا، بل في عدد القرارات المتناقضة التي يمكن أن تتخذها مؤسسة يفترض أن تكون عنوانا للاستقرار والوضوح والحكامة.















0 تعليق