رواية خادمتي الصامته الفصل الخامس والاربعون45 بقلم اسماعيل موسي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

رواية خادمتي الصامته الفصل الخامس والاربعون45 بقلم اسماعيل موسي

انقضت الأيام الأربعة عشر التي حددها صاحب الرسالة الأولى، ثقيلة على تقى، وكلما اقترب موعد انتهائها ازدادت حيرتها بشأن الخطوة التي تنتظرها. لم تكن تعرف أين تُحتجز الفتيات، ولا كيف يمكنها الوصول إليهن، ولم يكن أمامها سوى الانتظار حتى يكشف المجهول عن خطوته التالية.

وفي اليوم الأخير، خرجت تقى إلى أطراف العزبة، حيث الأشجار الكثيفة التي تفصل بعض الحقول عن الغابة القريبة. كانت تتفقد الطريق حين لمحت ورقة معلقة بين الأشجار، ثبتت في موضع لا تخطئه العين لمن مر من ذلك الممر. اقتربت منها وانتزعتها، ثم فتحتها وقرأت ما كُتب فيها.

كان الخط رديئًا كما في الرسالة السابقة، والكلمات قليلة لا تحتمل التأويل. حدد صاحبها موعد تسليم الفدية، وأمر تقى أن تحضر بمفردها إلى شاطئ النهر، حاملة حقيبة النقود. لم يذكر مكانًا آخر، ولم يوضح كيف ستجري عملية التسليم، بل اكتفى بإخبارها أن عليها اتباع التعليمات دون أن تصطحب أحدًا معها.

أعادت تقى قراءة الرسالة، ثم طوتها ووضعتها في ثيابها. لم يكن في وسعها أن تعرف إن كانت هذه الورقة ستقودها إلى الفتيات أم إلى فخ أُعد لها، لكنها أدركت أن صاحب الرسائل لن يمنحها فرصة أخرى للتردد. وإذا أرادت أن تعرف الحقيقة، فعليها أن تذهب إلى الموعد الذي حدده.

عادت إلى القصر، وبدأت تدبر أمر المال. اختارت أن تأخذ المبلغ المطلوب من أرباح العزبة، دون أن تطلب من الأسر الفقيرة أن تجمع الفدية من قوتها المحدود. كان المال من حصيلة العمل الذي تشرف عليه، ولم يكن قرارها سهلًا، لكنها لم تستطع أن تتصور أن تطلب من أهل العزبة دفع ثمن عودة بناتهم، بينما تملك هي سبيلًا لتوفير المبلغ دون تحميلهم عبئًا جديدًا.

جمعت النقود ورتبتها داخل حقيبة، ثم أغلقتها بإحكام. لم تخبر أحدًا بموعدها، ولم تصطحب معها حارسًا، فقد كان الخطاب صريحًا في طلب حضورها بمفردها، وكانت تخشى أن يؤدي ظهور أي شخص آخر إلى ضياع الفرصة التي تنتظرها. ومع ذلك، لم يكن في داخلها اطمئنان؛ كانت تعرف أنها تضع نفسها في مواجهة أشخاص لا تعرف عددهم ولا قوتهم، ولا تعرف ما إذا كانوا سيفون بوعدهم بعد تسليم المال.

حين أرخى الليل سدوله، حملت تقى حقيبة النقود وغادرت القصر وحدها، متجهة إلى شاطئ النهر.

كان الطريق ساكنًا، والظلام يزداد كثافة كلما ابتعدت عن البيوت. لم يكن القمر كافيًا لإنارة المسالك، وكانت أصوات الحشرات تتصاعد من بين الأعشاب وعلى حواف الحقول، فيما يصلها خرير الماء خافتًا كلما اقتربت من الشاطئ.

بلغت المكان المحدد، واختارت موضعًا قريبًا من الماء تنتظر فيه. وضعت الحقيبة إلى جوارها، وظلت تراقب النهر، مصغية إلى كل صوت يأتي من بعيد. مرت الدقائق بطيئة، ولم يظهر أحد.

كانت تتوقع أن يصل صاحب الرسالة في موعد واضح، أو أن ترى إشارة تدلها على المكان الذي ينبغي أن تقف فيه، لكن الليل امتد دون أن يحدث شيء. أخذت تنظر إلى الضفة المقابلة، ثم تعود بعينيها إلى المجرى المظلم، وكلما تحركت الأعشاب بفعل الريح رفعت رأسها ظنًا منها أن أحدًا يقترب.

مر الوقت، وبقيت تقى وحدها في ذلك المكان، لا تسمع سوى أصوات الحشرات وحركة الماء. حتى بلغ الليل منتصفه، وبدأ التعب يتسلل إلى جسدها من طول الانتظار، دون أن تفكر في العودة. فقد جاءت إلى هنا من أجل الفتيات، ولم تكن مستعدة للمغادرة قبل أن تعرف ما الذي ينتظرها.

عندئذ، ظهر في عرض النهر شكل داكن يتحرك ببطء.

حدقت تقى في الماء، حتى اتضحت لها ملامح فلوكة تشق طريقها نحو الشاطئ. لم تكن تحمل ضوءًا يكشف عن ركابها، وظلت تقترب في هدوء حتى لامس مقدمها الضفة.

كان في داخلها رجل يرتدي جلبابًا قديمًا، وقد لف وجهه بلثام أخفى ملامحه. لم يبادر بتحيتها، ولم يشرح سبب تأخره، بل اكتفى بأن أشار إليها أن تصعد إلى الفلوكة.

حملت تقى حقيبتها واقتربت منه، ثم توقفت لحظة قبل أن تضع قدمها في القارب.

«إلى أين ستأخذني؟»

لم يجبها الرجل.

نظرت إليه في انتظار أن يتكلم، ثم سألت مرة أخرى عن الفتيات، وعن المكان الذي ستجدهن فيه. بقي صامتًا، لا يكشف من وجهه سوى عينيه، ولم يصدر عنه ما يدل على رغبته في الإجابة.

لم يكن أمام تقى سوى أن تصعد. استقرت في الفلوكة وحقيبة النقود إلى جوارها، فانفصل القارب عن الشاطئ، ومضى في عتمة النهر، بينما ظلت هي تراقب الضفاف محاولة أن تعرف إلى أين يتجهان.

لم تعرف الطريق الذي سلكته الفلوكة، ولم يقدم الرجل أي تفسير. وحين وصلت إلى الضفة الأخرى، ساعدها على النزول، ثم قادها إلى موضع قريب حيث كان حمار ينتظر. أشار إليها أن تركب، وحين استقرت فوق ظهره وضع حقيبة النقود في متناولها، ثم أمسك باللجام وسار بها بعيدًا عن النهر.

امتد الطريق أمامهما مظلمًا، لا تظهر منه سوى أجزاء قليلة كلما انكشفت السماء عن ضوء خافت. كان الرجل يقود الحمار دون كلام، وتقى تتبعه بعينيها، تحاول أن تحفظ اتجاه الطريق وما تمر به من معالم، لكنها لم تجد ما يسهل عليها تحديد موضعها.

ابتعدا عن الأراضي الزراعية، وبدأت الأرض ترتفع شيئًا فشيئًا، حتى أخذت ملامح الجبل الشرقي تظهر أمامهما كتلة سوداء ضخمة في نهاية الطريق. كان المكان خاليًا، لا بيوت فيه ولا أضواء، ولم يعد يصل إليهما من العزبة شيء سوى ذكرى بعيدة لحياة تركتها خلفها قبل ساعات.

تعلقت يد تقى بحقيبة النقود، بينما راحت تفكر في المكان الذي يقودها إليه الرجل. لم تكن تعرف إن كان هذا الطريق سينتهي عند مخبأ الفتيات أم عند مجموعة من الرجال الذين ينتظرون المال، لكنها أدركت أن الرجوع أصبح أصعب كلما توغلا في ذلك المكان النائي.

وحين بلغا سفح الجبل الشرقي، أوقف الرجل الحمار وأشار إليها بالنزول.

نظرت تقى حولها، فلم ترَ سوى الصخور المتناثرة والمرتفعات المعتمة. لم يكن هناك طريق واضح يمكن أن تسلكه عائدة، ولم يظهر في المكان ما يدل على وجود مأوى قريب.

تقدم الرجل نحو ممر ضيق بين الصخور، ثم التفت إليها وأشار أن تتبعه سيرًا على الأقدام.

حملت تقى حقيبتها ومضت خلفه. كان الدرب متعرجًا، تحف به الصخور من الجانبين، ويضيق في بعض المواضع حتى اضطرت إلى السير بحذر كيلا تتعثر. وكلما تقدمت، ابتعدت عن سفح الجبل، وغابت عنها المساحة المفتوحة التي جاءت منها، حتى لم يعد يظهر أمامها سوى الممر الذي يسلكه الرجل.

بعد مسافة من السير، انفتح الدرب على مدخل مغارة في جوف الجبل.

توقفت تقى لحظة، وقد أحاط بها الظلام من كل جانب. لم يكن في وسعها رؤية ما بداخل المغارة، لكنها لم تحتج إلى وقت طويل حتى أدركت أنها لم تصل إلى مكان خالٍ؛ فقد تحركت ظلال عند المدخل، وظهر رجال يحملون أسلحة، كانوا في انتظار وصولها.

تقدم أحدهم نحوها، ثم نظر إلى حقيبة النقود التي تحملها، قبل أن يطلب منها الدخول.

ترددت تقى لحظة، لكنها واصلت السير، وهي تحاول أن تحتفظ بثباتها أمام الرجال المسلحين. لم تعرف عددهم، ولم تستطع أن ترى ما وراء المدخل، غير أنها شعرت بأنها دخلت مكانًا لا تستطيع مغادرته متى أرادت.

قادها الرجال إلى داخل المغارة، حيث اتسع المكان قليلًا، وظهرت أمامها وجوه أخرى لم ترها من قبل. كان الجميع يتصرفون كما لو أنهم يعرفون بقدومها، ولم يبدُ على أحدهم أنه فوجئ بوجودها أو بحقيبة النقود التي تحملها.

ثم تقدّم رجل بدا أن الآخرين ينتظرون كلمته، فتغيرت طريقة تعاملهم معها، وأفسحوا له الطريق.

كان ذلك هو المعلم يوسف، زعيم المطاريد.

توقفت تقى أمامه، ممسكة بحقيبة الفدية، وقد وصلت أخيرًا إلى المكان الذي قادتها إليه الرسائل الغامضة.

توقف المعلم يوسف أمام تقى، وألقى نظرة على الحقيبة التي تحملها، ثم رفع عينيه إليها وسألها بلهجة آمرة

«جبتِ الفلوس؟»

لم تجبه تقى على الفور، بل وضعت الحقيبة أمامه، وفتحتها لتكشف عن النقود المرتبة بداخلها. كان المبلغ الذي طلبه قد وصل إليه كاملًا، ولم تأتِ إلى ذلك المكان لتساومه أو تناقشه، بل لتستعيد الفتيات اللاتي وعدها بإعادتهن مقابل الفدية.

قالت وهي تنظر إليه بثبات تحاول الحفاظ عليه رغم وجود الرجال المسلحين من حولها

«دي الفدية اللي طلبتها، وأنا نفذت اللي اتفقنا عليه، ودلوقتي لازم توفي بوعدك وتحضر البنات»

ساد الصمت لحظة، قبل أن ينفجر المعلم يوسف ضاحكًا، ضحكة عريضة ملأت فمه، وكأن طلبها كان طرفة لم يسمع مثلها من قبل. تبادلت بعض الوجوه المحيطة به نظرات عابرة، بينما ظلت تقى واقفة في مكانها، لا تفهم سبب ضحكه، ولا ما الذي يمكن أن يكون مضحكًا في طلبها.

وحين هدأت ضحكته قليلًا، نظر إليها بازدراء وقال

«بنات إيه؟»

تجمدت ملامح تقى، وشعرت بانقباض شديد في صدرها، لكنها لم تتراجع عن النظر إليه.

تابع يوسف، مستمتعًا بوقع كلماته عليها

«إنتِ فاكرة إنهم لسه هنا؟»

لم تستطع تقى أن تخفي الصدمة التي ظهرت في عينيها. كانت قد قطعت الطريق إلى ذلك المكان، وتحملت مخاطر الذهاب وحدها، وسلمت نفسها للرجال الذين قادوها إلى جوف الجبل، وهي تتعلق بوعد أن تجد الفتيات وتعيدهن إلى أسرهن. أما الآن، فقد بدا من كلامه أنه لم يكن ينوي الوفاء بشيء منذ البداية.

مال يوسف قليلًا نحو الحقيبة، ثم أعاد نظره إليها وقال ببرود

«الفلوس اللي باخدها من بيع العذارى أكتر بكتير من المبلغ اللي إنتِ جبتيه»

وقعت كلماته عليها كضربة مفاجئة. لم تعد المسألة اختفاءات غامضة أو ابتزازًا لجمع المال، بل اتضح لها أن الفتيات وقعن في أيدي عصابة تتاجر بهن، وأن الفدية التي جاءت بها لم تكن سوى مبلغ صغير بالنسبة إلى ما يجنيه هؤلاء من بيعهن.

حاولت تقى أن تستوعب ما تسمعه، وأخذت تتذكر الأسر التي انتظرت بناتها، والوجوه التي كانت تسألها كلما مر يوم دون خبر، والآمال التي تعلقت بها حين وعدتهم بأنها ستبذل كل ما تستطيع لكشف الحقيقة. لم تكن تعرف أين ذهبت الفتيات، لكنها فهمت الآن أنهن نُقلن من المكان قبل وصولها، وأن الرجل الذي أمامها لم يكن ينتظر المال وحده، بل كان يبحث عن شيء آخر يمكن أن ينتفع به.

ظل المعلم يوسف يتأملها، وقد تغيرت نظرته إليها. لم يعد ينظر إلى الحقيبة أو إلى المبلغ الذي جاءت به، بل أخذ يمعن النظر في وجهها، وفي ثيابها، وفي الطريقة التي تقف بها أمامه رغم الخوف الذي لم تستطع إخفاءه تمامًا.

ثم اقترب منها قليلًا، وظهرت في عينيه لمعة جشع، قبل أن يخفض صوته ويتمتم

«بيقولوا إنك بترطمي فرنساوي ومتعلمة»

توقفت تقى عن التفكير للحظة، ونظرت إليه بحذر.

ابتسم يوسف ابتسامة ضيقة، ثم أردف

«هيجيلي من وراكي مبلغ كويس»

أدركت تقى من نبرته أن الأمر لم يعد متعلقًا بالفدية التي جاءت بها، وأن الرجل بدأ يفكر في استغلالها هي أيضًا. حاولت أن تتكلم، وأن تعترض على ما يقوله، لكن يوسف لم يمنحها الفرصة.

التفت إلى رجاله وصاح فيهم بلهجة حاسمة

«قيدوها»

تحرك الرجال نحوها قبل أن تتمكن من الابتعاد. حاولت تقى أن تفلت من أيديهم، لكنها كانت محاصرة بين عدة رجال مسلحين، ولم تكن تملك فرصة حقيقية لمقاومتهم جميعًا. أمسك أحدهم بذراعها، بينما جذب آخر يديها إلى الخلف، وأحكموا القيود حولهما.

قالت تقى بغضب وهي تحاول تحرير يديها

«إنتوا مش هتقدروا تحبسوني هنا، واللي بتعملوه ده مش هيمر من غير حساب»

لم يعرها يوسف اهتمامًا، بل استدار نحو رجاله وكأنه حسم أمرها بالفعل، ثم أمرهم بأن يستعدوا لنقلها مع قافلة الجمال في اليوم التالي.

لم تكن تقى تعرف إلى أين ستأخذها القافلة، ولا من الذي ينتظرها في نهاية الطريق، لكنها فهمت أن يوسف لن يتركها تعود إلى العزبة، وأن معرفتها بالقراءة والكتابة واللغة الفرنسية قد جعلتها في نظره سلعة أخرى يسعى إلى الربح منها.

اقتادها الرجال بعيدًا عن المعلم، وساقوها إلى مؤخرة المغارة، حيث دفعوها إلى موضع ضيق مظلم، ثم تركوها هناك مقيدة، لا تستطيع تحريك يديها بحرية، ولا ترى من حولها إلا أشباحًا تتحرك على ضوء خافت يتسلل من بعيد.

جلست تقى على الأرض الصلبة، وظهرها يستند إلى صخرة باردة، تحاول أن تستعيد تماسكها. كان الألم في معصميها يزداد كلما تحركت، لكن ما أثقل قلبها لم يكن القيود، بل مصير الفتيات اللاتي عجزت عن إنقاذهن، والخطر الذي بات يحيط بها بعد أن أصبحت أسيرة في أيدي هؤلاء الرجال.

ومع تقدم الليل، تعالت في المغارة أصوات متفرقة، ثم خفتت شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ سوى حركة الرجال من حين إلى آخر. لم تستطع تقى النوم، وظلت مستيقظة، تفكر في قافلة الجمال التي ستتحرك في الصباح، وفي الطريق الذي ستسلكه، وفي مصيرها إذا أُبعدت عن الجبل إلى مكان لا تعرفه

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق