رواية خادمتي الصامته الفصل السادس والاربعون46 بقلم اسماعيل موسي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

رواية خادمتي الصامته الفصل السادس والاربعون46 بقلم اسماعيل موسي

لم تكن تقى قد استسلمت لمصيرها، رغم القيود التي أحكمها رجال المعلم يوسف حول معصميها، ورغم الظلام الذي ابتلع المغارة والوجوه النائمة من حولها. كانت تعرف أن بقاءها في ذلك المكان حتى الصباح يعني أن فرصتها في الهرب ستصبح أضعف، خصوصًا بعد أن أعلن يوسف عزمه على نقلها مع قافلة الجمال. لم تكن تعرف إلى أين سيأخذونها، لكنها أدركت أن عليها أن تغادر قبل أن تتحرك القافلة، مهما كانت المخاطر التي تنتظرها خارج المغارة.

ظلّت ساكنة بعض الوقت، تتظاهر بالاستسلام، بينما كانت أصابعها تتحسس القيد في هدوء. لم يكن الحارس الذي قيدها قد أحكمه كما ينبغي؛ فقد اطمأن إلى أن الأسيرة لا تملك مكانًا تهرب إليه، وأن الجبل المحيط بهم أشبه بسجن طبيعي لا يحتاج إلى كثير من الحراسة. كان يظن أن القيود وحدها كافية لمنعها من التفكير في الفرار، ولم يخطر له أن تقى ستغامر بالنزول من مرتفعات الجبل في ظلمة الليل.

وبصبر شديد، أخذت تحاول تخليص يديها دون أن تحرك جسدها حركة تلفت الأنظار. كانت تخشى أن يصدر عن القيد صوت، أو أن يشعر أحد الرجال بحركتها، لذلك توقفت أكثر من مرة حين سمعت شخيرًا يتعالى من ناحية قريبة، أو حركة جسد يتقلب فوق الأرض. لم تكن تملك وقتًا طويلًا، لكن الاستعجال قد يفسد كل شيء.

وبعد محاولات متأنية، استطاعت أخيرًا أن تحرر يديها.

بقيت لحظات لا تتحرك، تستمع إلى ما حولها وتتأكد من أن أحدًا لم ينتبه إليها. ثم أخذت تتحسس موضع سلاحها تحت ثيابها، حتى أخرجت الطبنجة التي أخفتها هناك قبل وصولها إلى الجبل. أمسكت بها في حذر، وتفقدت موضعها، ثم أخفتها مجددًا تحت ملابسها. لم تكن تريد استخدامها إلا إذا اضطرت إلى ذلك؛ فإطلاق النار داخل المغارة قد يوقظ جميع الرجال، ويحول محاولة الهرب إلى مواجهة لا تملك فيها أي فرصة للنجاة.

كان الليل قد انتصف، وغرق معظم المطاريد في النوم، حتى المعلم يوسف نفسه. لم يبقَ خارج المغارة سوى حارسين يتوليان مراقبة المكان، وكانا يتحركان في خطوط متقاطعة، يبتعد أحدهما عن المدخل بينما يقترب الآخر، ثم يتبادلان الاتجاه بعد فترة قصيرة.

راقبتهما تقى من موضعها، وحاولت أن تفهم إيقاع حركتهما. كانت بحاجة إلى لحظة ينشغل فيها كلاهما عن المدخل، ولو لدقائق قليلة، حتى تتمكن من الخروج دون أن تقع عينا أحدهما عليها.

بدأت تزحف بين الأجساد الممددة على الأرض، تتجنب لمس أحد النائمين، وتحذر من أن تعلق ثيابها بحجر أو غرض ملقى في طريقها. كان المكان ضيقًا، ورائحة التراب والرطوبة عالقة في الهواء، وكل حركة تبدو لها أعلى مما هي عليه في الحقيقة. وحين اقتربت من مدخل المغارة، توقفت خلف صخرة بارزة، وأطلت بحذر إلى الخارج.

كان الحارسان لا يزالان في موضعيهما، يتحركان على نحو يجعل عبورها في تلك اللحظة مخاطرة مؤكدة.

بحثت تقى بعينيها عن شيء يمكنها استخدامه لإبعادهما عن المدخل، فوقع نظرها على حجر صغير بالقرب من موضعها. التقطته، وانتظرت حتى ابتعد أحد الحارسين خطوات عن الآخر، ثم قذفته بكل ما تستطيع من قوة نحو موضع بعيد بين الصخور.

ارتطم الحجر بالأرض، وأحدث صوتًا واضحًا في سكون الليل.

توقف الحارسان في اللحظة نفسها، والتفتا نحو مصدر الصوت. تبادل أحدهما نظرة سريعة مع رفيقه، ثم تحرك لاستكشاف ما حدث، ولم يلبث الآخر أن تبعه بحذر، متأهبًا لأي مفاجأة قد تظهر لهما بين الصخور.

انتظرت تقى حتى ابتعدا بما يكفي، ثم خرجت من مخبئها وانسابت عبر المدخل في صمت. لم تلتفت خلفها، بل تابعت السير حتى ابتعدت عن موضع الحراسة، ثم انخفضت إلى الأرض وزحفت مسافة أخرى، حريصة على ألا تظهر في مجال نظر الحارسين إذا عادا فجأة.

وعندما رفعت رأسها، رأت حبلًا معدًا لربط الأغراض، ملقى بالقرب من الصخور. أسرعت إليه والتقطته، ثم وضعته فوق كتفها، ومضت باتجاه المنحدر الذي يقع خلف المغارة.

لم يكن الطريق الذي اختارته سهلًا، لكنه كان أقل وضوحًا من الدرب الممهد الذي يصل إلى المدخل. كانت تعرف أن أول ما سيفكر فيه رجال يوسف عند اكتشاف هربها هو البحث في الطريق المعتاد، وأن النزول منه قد يجعلها أول من يقع في أيديهم. لذلك قررت أن تغامر بتسلق الجبل من الجهة الأخرى، حتى لو اضطرت إلى مواجهة الصخور الحادة والمنحدرات الخطيرة.

بدأت تتسلق بخفة وصمت، تستعين بيديها وقدميها في البحث عن مواضع ثابتة، وتختبر كل صخرة قبل أن تنقل إليها وزن جسدها. كان الظلام يحجب كثيرًا من التفاصيل، فلم تكن ترى الطريق أمامها بوضوح، بل تميز نتوءًا هنا وشقًا هناك، ثم تتحرك نحوهما ببطء.

كانت تتوقف كلما احتاجت إلى التقاط أنفاسها، وتصغي إلى ما يأتي من ناحية المغارة. لم يكن يصل إليها سوى أصوات الليل، لكنها لم تسمح لنفسها بالاطمئنان؛ فلو اكتشف الحارسان غيابها، فقد يبدآن البحث في أي لحظة.

واصلت الصعود حتى أصبحت على ارتفاع يقارب عشرة أمتار فوق المغارة. توقفت عند موضع يسمح لها برؤية جانب من المدخل، فخفضت جسدها خلف الصخور ونظرت إلى الأسفل.

كان الحارسان قد عادا، ووقفا قريبًا من بعضهما يتبادلان الهمسات. لم تستطع سماع ما يقولانه، لكنها رأت أحدهما يشير بيده نحو الجبل، بينما أدار الآخر رأسه يتفقد المكان المحيط بهما.

حبست تقى أنفاسها، وبقيت ساكنة حتى اطمأنت إلى أن الظلام والصخور يحجبانها عن أعينهما.

وفي تلك اللحظة، ظهر في البعيد ضوء متحرك، أخذ يقترب شيئًا فشيئًا. كانت قافلة الجمال قد وصلت إلى المنطقة المحيطة بالجبل، وبدأت مشاعلها تتضح في العتمة.

ما إن لمح أحد الحارسين القافلة حتى صاح بصوت مرتفع:

«القافلة وصلت!»

التفت رفيقه نحو الأضواء، وانشغل الاثنان بمتابعة وصول الرجال والجمال، بينما كانت تقى قد بلغت قمة المغارة، حيث وجدت مساحة تسمح لها بالانتقال إلى الجهة الأخرى من الجبل.

لم تتردد طويلًا. أخرجت الحبل من فوق كتفها، واختارت صخرة كبيرة بدت ثابتة في مكانها، ثم أحكمت ربط أحد طرفيه حولها، وشدت عليه لتتأكد من أنه لن ينفلت مع أول ضغط. ألقت بالطرف الآخر إلى أسفل المنحدر، ثم نظرت إلى المسافة التي تنتظرها قبل أن تبدأ النزول.

كانت الجهة الأخرى أشد انحدارًا مما توقعت، والصخور فيها متباعدة، بينما بدت الأرض في الأسفل بعيدة وسط الظلام. ومع ذلك، لم يكن أمامها طريق آمن تعود إليه، ولم يكن لديها وقت تبحث فيه عن ممر آخر.

بدأت النزول مستعينة بالحبل، واضعة قدميها بحذر على نتوءات الصخور، بينما راحت يداها تنزلقان فوق الألياف الخشنة. سرعان ما ابتل جسدها بالعرق، والتصقت ثيابها بجلدها، وأخذت عضلات ذراعيها تؤلمها من شدة التعلق بالحبل. كانت تشعر بالخطر في كل حركة؛ فصخرة واحدة غير ثابتة، أو قبضة تفلت منها، قد تنهي محاولتها قبل أن تبلغ الأرض.

لكن رغبتها في النجاة كانت أقوى من الخوف.

واصلت النزول، تتوقف لحظات قصيرة لتثبت قدميها وتستعيد أنفاسها، ثم تتابع من جديد. وحين نظرت إلى أسفل، أدركت أنها قطعت معظم المسافة، ولم يبقَ بينها وبين الأرض سوى بضعة أمتار.

ثم حدث ما كانت تخشاه.

انتهى الحبل.

توقفت تقى معلقة فوق المنحدر، وقد وصلت قدماها إلى موضع لا يسمح لها بالاستقرار، بينما بقيت الأرض على مسافة تقارب خمسة أمتار. حاولت أن تمد ساقها بحثًا عن نتوء قريب، لكنها لم تجد ما تستطيع الاعتماد عليه. أما الصعود من جديد فلم يكن خيارًا ممكنًا؛ فقد استنفدت قواها، ولم تكن تعرف ما إذا كان الحارسان قد اكتشفا غيابها بعد.

نظرت إلى الأسفل، ثم شدّت قبضتها حول الحبل للحظة أخيرة.

لم يكن هناك وقت للتردد.

أفلتت يديها وقفزت.

سقطت على الأرض، وارتطم جسدها بالرمال التي خففت من وقع السقوط. تألمت من الصدمة، لكنها استطاعت النهوض، وتفقدت نفسها سريعًا، ثم انحنت تلتقط أنفاسها قبل أن تتابع.

لم تلتفت نحو المغارة، بل ركضت مبتعدة عنها في الاتجاه المعاكس للجهة التي توقعت أن يبدأ رجال يوسف البحث فيها. كانت تعرف أن كل دقيقة تقضيها قرب الجبل تزيد احتمال اكتشاف هربها، وأن وصول القافلة قد يمنحها بعض الوقت، لكنه لن يضمن لها النجاة إذا انطلق الرجال خلفها.

كان الطريق أمامها غير واضح، والأرض تتفاوت بين الرمل والحجارة، لكنها واصلت الركض، متجنبة المواضع المكشوفة قدر استطاعتها. لم تكن تعرف إلى أين ستصل، وكل ما أرادته هو أن تبتعد عن المغارة بما يكفي لتجد وسيلة تعيدها إلى العزبة.

وبعد مسافة، ظهرت أمامها قرية صغيرة غارقة في النوم. بدت بيوتها ساكنة، وأبوابها مغلقة، ولم يظهر في طرقاتها أحد. عبرتها تقى مسرعة، تكاد قدماها لا تلامسان الأرض، ولم تتوقف لتطرق بابًا أو تطلب المساعدة؛ فقد خشيت أن يوقظ صوتها أهل القرية، أو أن يكون بين سكانها من يعرف رجال الجبل.

واصلت السير حتى وجدت الطريق المؤدي إلى النهر. كانت قد قطعت، بحسب تقديرها، أكثر من ثلاثة كيلومترات بعيدًا عن المغارة، وربما استطاعت أخيرًا أن تترك الجبل وراءها وتنجو من مطارديها.

لكن حين وصلت إلى الشاطئ، توقفت فجأة.

امتد النهر أمامها عريضًا ومظلمًا، ولم يكن في المكان قارب قريب تستطيع استخدامه. نظرت إلى الماء، وحاولت تقدير المسافة إلى الضفة الأخرى، لكنها لم تكن سباحة ماهرة بما يكفي لتخاطر بعبوره في تلك الظروف. كانت المياه عميقة، والتيار قد يجرفها قبل أن تبلغ منتصف الطريق.

فكرت في الصراخ طلبًا للنجدة، لكنها تراجعت. لم تكن تعرف إلى أي مدى اقترب رجال يوسف، ولم ترد أن تمنحهم فرصة لتحديد مكانها. فإذا كانوا يبحثون عنها بالفعل، فقد يقودهم صوتها إليها قبل أن تتمكن من العثور على أي شخص يساعدها.

لم يبقَ أمامها سوى الانتظار.

انخفضت تقى خلف بعض النباتات القريبة من الشاطئ، وضمت جسدها إلى الأرض، تحاول أن تجعل نفسها غير مرئية من جهة الطريق. كان التعب قد بلغ منها مبلغًا شديدًا، ويداها تؤلمانها، وملابسها ملطخة بالتراب والعرق. لكنها ظلت صامتة، تصغي إلى الليل، وتراقب ما تستطيع رؤيته من الطريق المؤدي إلى النهر.

مر الوقت بطيئًا، حتى مضى نحو نصف ساعة.

عندها، رأت أضواء مشاعل تتحرك في البعيد، على مسافة لا تستطيع تحديدها بدقة. كانت المشاعل تتقدم ثم تتوقف، قبل أن تتحرك في اتجاه آخر. لم تستطع معرفة إن كان الرجال قد اكتشفوا هربها أم كانوا يبحثون في جهة مختلفة، لكنها أدركت أن بقاءها قرب الشاطئ قد يكون خطرًا إذا اقتربوا أكثر.

انكمشت خلف النباتات، ولم تحرك ساكنًا حتى خفتت الأضواء وابتعدت عن موضعها. بقيت بعدها تصغي، تحاول أن تميز أي صوت قد يدل على اقتراب أحد، حتى وصل إلى أذنيها صوت مختلف؛ رجل يغني بصوت خافت وهو يقترب من النهر.

أنصتت تقى جيدًا، ثم رفعت رأسها قليلًا.

كان الصوت يأتي من ناحية الماء، ويتخلله صوت المجاديف وهي تتحرك ببطء. أدركت أن هناك صيادًا في طريقه إلى الشاطئ، فجمعت ما بقي لديها من قوة، ومالت نحو الماء هامسة، خشية أن يسمعها أحد غيره.

«يا عم... يا عم، استنى»

توقف الغناء لحظة، ثم اقترب الصوت أكثر. ظهرت فلوكة صغيرة تتحرك فوق الماء، وكان الرجل الجالس فيها يحرك مجدافيه بانتظام. وحين صار قريبًا بما يكفي، استطاعت تقى أن تميز وجهه.

كان الحاج مصطفى.

لم تصدق في اللحظة الأولى أن الحظ ساق إليها الرجل نفسه الذي سبق أن التقت به عند بيته، حين كانت تسأله عن الصيادين والفلوكات التي ترسو على ضفة العزبة. كادت تناديه بصوت أعلى، لكنها تماسكت وهمست من جديد.

«يا حاج مصطفى، أنا هنا»

أدار الرجل رأسه نحو الصوت، ثم اقترب بالفلوكة من الشاطئ. وما إن لمحها حتى توقف عن التجديف، وحدق فيها بدهشة؛ فقد كانت تبدو في حالة يرثى لها، وثيابها متسخة، وأنفاسها متلاحقة، وملامحها تحمل آثار ساعات من الخوف والإرهاق.

«يا ساتر يا رب! تقى؟ إيه اللي جرى لك يا بنتي؟»

لم يكن لديها وقت تشرح له ما حدث. تقدمت نحو الفلوكة، واستعانت بحافتها لتصعد، ثم استقرت داخلها وهي تحاول السيطرة على ارتجاف جسدها.

قالت بصوت متعب، لكنه حاسم:

«أرجوك يا حاج مصطفى، لازم توصلني للبر عند العزبة. جدّف بكل قوتك، وماتقفش في الطريق»

نظر إليها الرجل مرة أخرى، ثم ألقى نظرة سريعة نحو الضفة التي جاءت منها، وكأنه أدرك أن وراء طلبها أمرًا خطيرًا لا يحتمل التأخير. لم يكثر من الأسئلة، بل أمسك المجدافين وأبعد الفلوكة عن الشاطئ.

راحت تقى تراقب الماء خلفهما، تخشى أن يظهر ضوء مشعل عند الضفة التي هربت منها. أما الحاج مصطفى، فكان يجدف بقوة، دافعًا القارب إلى وسط النهر ثم نحو الضفة المقابلة، بينما أخذت المسافة بينها وبين الجبل تتسع شيئًا فشيئًا.

للمرة الأولى منذ أن غادرت المغارة، شعرت تقى أن النجاة لم تعد بعيدة تمامًا. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها عند عودتها، ولا كيف ستكشف أمر المعلم يوسف ورجاله، لكنها كانت قد أفلتت من أيديهم، وحملت معها سرًا أخطر مما ذهبت من أجله.

ظلت جالسة في الفلوكة، تراقب الظلام الذي ينسحب خلفهما، فيما كان الحاج مصطفى يواصل التجديف بكل قوته، متجهًا بها إلى شاطئ العزبة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق