بعد كل اللي عاشوه الحقيقة كانت أبشع بكتير من أي كابوس!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لفيت بسرعة...وشوفت آدم.
كان واقف في آخر الأوضة، ساكت، وبيبصلي بنفس النظرة اللي شوفتها في عينه من أول ليلة.
اتجمدت مكاني.
كل حاجة حصلت من أول ما دخلنا المكان ده عدت قدام عيني في لحظة واحدة.
بصيت له وقولت بصوت مهزوز:
ـ إنت؟
سكت شوية وأنا بحاول أستوعب:
ـ إنت ورا كل ده؟
آدم مردش فضل واقف مكانه ثواني، وبعدها قرب مني بهدوء وقال:
ـ تعالى معايا يا إيهاب.
بصيت له باستغراب:
ـ أجي معاك فين؟
قال وهو بيبص ناحية الباب:
ـ عشان أوريك كل حاجة.
اترددت.
بس كان واضح إن مفيش حل تاني.
خرجت وراه مشينا في الطرقة، وأنا كل شوية أبص ورايا.
كنت مستني أشوف حد من أصحابي.
بس محدش ظهر.
ناديـت بصوت عالي:
ـ يا سيف!
ـ مروان!
بس محدش رد
ـ كريم! يوسف!
الصمت كان هو الإجابة الوحيدة.
بصيت لآدم وسألته:
ـ هما فين؟
قال بهدوء:
ـ هتعرف كل حاجة دلوقتي.
وصلنا لحد نفس الباب القديم اللي جواه أوضة المراقبة
لما دخلت شوفت نفس الشاشات.
نفس الميكروفون اللي كان في النص.
بس المرة دي...كان الوضع مختلف.
آدم دخل وقفل الباب وراه.
أنا بصيت للشاشات.
كل شاشة كانت بتعرض أوضة مختلفة.
قربت خطوة.
وفجأة شوفت سيف.
كان واقف جوه أوضة ضيقة، بيخبط على الباب بكل قوته.
ـ افتحوا الباب!
بصيت للشاشة التانية.
مروان.
قاعد على الأرض، وشه شاحب، ومحبوس هو كمان.
الشاشة التالتة...
كريم.
واقف في نص الأوضة، مش قادر يستوعب اللي حواليه.
والرابعة...
يوسف كان بيصرخ:
ـ حد يرد عليا!
بصيت لآدم وأنا مش قادر أتكلم.
الأوض دي...أنا عمري ما شوفتها.
مكنتش موجودة في الفيلا, ولا ظهرت في أي وقت قبل كده.
قولت:
ـ إيه ده؟
آدم قرب من الميكروفون وضغط على زرار.
وفجأة صوته طلع من السماعات الموجودة في الأربع أوض.
ـ اسمعوني كويس.
الأصوات وقفت.....
سيف سكت وقال:
ـ آدم؟!
مروان صرخ:
الحقني يا آدم
آدم مردش عليهم, بصلي وقال:
ـ دلوقتي تقدر تشوفهم كلهم.
سألته:
ـ بتعمل كده ليه؟
آدم قال بنبرة قوية:
ـ عشان وقت الحقيقة جه!
ضحكت بسخرية من شدة التوتر:
ـ الحقيقة؟
ـ بعد كل اللي عملته فينا؟ إنت عايزني أصدقك؟
آدم قرب من الميكروفون تاني, وقال:
ـ مش مطلوب من أي حد فيكم يصدقني, مطلوب تسمعوني وبس!
سكت ثواني طويلة وبعدها بدأ يتكلم:
ـ المكان اللي إحنا فيه دلوقتي...كان اسمه زمان مصحة الشفاء.
سيف قام من مكانه بغضب وقال:
ـ وإيه علاقة ده بينا؟
آدم رد:
متستعجلش كل واحد فيكم هيعرف الحقيقة كاملة.
بصيت للشاشة.
سيف رجع خطوة وآدم كمل:
ـ المصحة دي كانت شراكة بين مجموعة من الناس, أربع شركاء بس الصراحة أقذر ناس ممكن حد يعرفهم في حياته!
سكت لحظة وقال:
أكيد عرفتوهم دلوقتي!
اتسمرت مكاني، بصيت للشاشات.
مروان وقف.
يوسف قرب من الباب.
كريم فضل ساكت.
سيف قال:
ـ كدب.
آدم رد بهدوء:
-مش كدب يا سيف، أبوك كان شريك هنا وأبو مروان وأبو كريم وأبو يوسف.
آدم كمل:
ـ المصحة دي مكنتش بتعالج الناس بس دي كانت بتجرب عليهم أدوية غريبة ,جرعات محددة ,تجارب من غير علم المرضى.
صوت مروان خرج من السماعة:
ـ مستحيل.
آدم كمل وقال:
ـ المرضى كانوا فاكرين إنهم بيتعالجوا لكنهم كانوا مجرد تجارب!
يوسف بدأ يخبط على الباب.
ـ افتحلي الباب يا آدم! أنا مالي بكل ده؟!
آدم سكت لحظة.
وبعدين قال:
ـ دي المشكلة إنكم طول عمركم فاكرين إنكم ملكمش علاقة!
آدم كمل:
ـ سنين فاتت والمصحة اتقفلت والناس اللي ماتت هنا...محدش افتكرهم. ولا حد سأل ماتوا إزاي كأنهم حثالة ملهمش لازمة! لحد ما أنا بدأت أسأل.
بصيت له بتركيز ولأول مرة...نظرة عينه اتغيرت وقال:
ـ سهى يامروان فاكرها؟
مروان سرح شوية ومردش.
بس آدم كمل:
سهى اللي اعتــ.ـديت عليها زيها زي غيرها ورمتها، سبتها للدنيا يا تمـ.ـوت نفسها يا أهلها يقتـ.ـلوها!
بعدها مروان وشه اتغير بقى شاحب.
آدم كمل :
أهلها بقى معملوش الاثنين، لإنها انهارت وتعبت نفسيًا وكانت محتاجة علاج ..دخلوها المصحة هنا تتعالج، لكنها.....
مــ.ــاتت.
مروان اتكلم بصوت مهزوز:
دي واحدة زبـالة من اللي كنت أعرفهم تستاهل أي حاجة تحصلها مادام سلمت نفسها ليا!
آدم قاطعه وهو بيخبط خبطة قوية على التربيزة اللي أدامي وقال:
سهى تبقى أختي!
مروان سكت، كلنا سكتنا مكناش قادرين نستوعب اللي بيحصل!
بصيت لآدم.
بدأت أفهم ليه كان عارف كل حاجة, ليه هو اللي جابنا هنا.
ليه كان دايمًا ساكت.
ليه كان أكتر واحد خايف...أو بيتظاهر إنه خايف!
قولتله:
ـ بس احنا ملناش ذنب يا آدم, مروان اللي غلط!
آدم بص للشاشة وابتسم وقال:
ملكوش ذنب؟ إنتوا كلكم نسخة مصغرة من أهاليكم،كل واحد خد الجزء الزبالة من أبوه وكمل فيه!
أنا دورت سنين, سألت, فتشت, ولقيت ناس كانوا فاكرين إنهم نسوا.
ضغط زر, ظهرت صورة رجل كبير أربعيني, ممرض.
آدم شاور عليه وقال:
ـ ده واحد من الناس اللي كانوا هنا وكان عارف كل حاجة وقرر يساعدني, لكنه مش الوحيد!
بص ناحيني وقال:
ـ كان فيه مرضى نجوا, واحد منهم قدر يهرب قبل ما يموت, واحد منهم شاف الحقيقة كاملة, وناس كتير قررت تساعدني عشان أحقق العدالة!
بصيتله وأنا مش مستوعب وسألته:
عدالة إيه ؟ هو إنت كده بتحقق العدالة؟
آدم ضحك وقالي:
هتعرف كل حاجة يا إيهاب, بس لازم تفهموا إن كل حاجة حصلت لكم من أول ما دخلتوا المكان ده...كانت محسوبة بالمللي!
حسيت بالرعب بجد.
آدم كمل وقال:
ـ العربية اللي اختفت؟
ـ الرسائل؟
ـ والفيديوهات؟!
كل حاجة !
يوسف ضرب الباب بكل قوته:
ـ إنت مجنون!
آدم رد:
ـ يمكن!
ـ بس أنا الوحيد اللي كنت عارف إنتوا جيتوا هنا ليه!
بصيت للشاشات.
كلهم كانوا بيبصوا حواليهم بجنون وكأنهم لأول مرة يعرفوا آدم !
آدم قال:
ـ كل واحد فيكم عنده ذنب.
رديت بعصبية:
ـ اللي حصل لسامح كان حادثة, أنا مكنتش قاصد.
قالي بهدوء:
عارف يا إيهاب.
صرخت بعصبية:
ـ طب أنا هنا ليه يا آدم؟
آدم رد:
عشان الحقيقة لسه ناقصة.
سكت وبعدها قال:
ـ فيه شخص تاني لازم تعرفوه.
ـ شخص موجود هنا من زمان وهو السبب إني أقرر آخد حقي!
قلبـي بدأ يدق بسرعة.
آدم ضغط على زرار.
الشاشات الأربعة طفت.
النور في غرفة المراقبة ضعف.
وبعدين...
سمعت صوت خطوات في الطرقة.
خطوة.
خطوة.
خطوة.
آدم متحركش, أنا بصيت ناحية الباب.
الباب بدأ يتفتح ببطء.
وظهر شخص واقف في الضلمة.
في البداية مقدرتش أشوف وشه.
قرب خطوة.
والنور زاد تاني زي الأول,
وقتها اتجمدت مكاني,
صوتي خرج من غير ما أحس:
ـ هبة...؟!
هي مردتش, فضلت واقفة مكانها، بتبصلي.
نفس الملامح.
نفس العينين.
بس كان فيها حاجة مختلفة.
حاجة خلتني أحس إني مش قدام أختي اللي أعرفها!
بصيتلها وقولت:
ـ إنتي خرجتي من المصحة ؟ امتى ؟ وازاي؟
هبة أخيرًا اتكلمت:
ياااه إنت لسه فاكر إنك ليك أخت يا إيهاب!
ضحكت ضحكة مكسورة وقالت:
ـ أنا كنت هنا من سنين وإنت متعرفش عني حاجة, كل اللي تعرفه إنك ليك أخت مريضة وبتتعالج مفكرتش حتى تعرف هي فين ولا فكرت تزورني مرة واحدة!
رديت قولتلها:
أنا......
قاطعتني وهي بتكمل كأنها مش سامعاني:
ـ كنت فاكرة إن المكان ده هيعالجني, في البداية كل حاجة كانت طبيعية. لكن بعد فترة بدأت أحس إن فيه حاجة غلط..
هبة بصت لآدم وبعدين كملت:
ـ بدأت ألاحظ إن بعض المرضى حالتهم بتتغير.ناس كانت بتتحسن فجأة, وناس كانت بتسوء, وناس...ناس اختفت.
سألتها:
ـ اختفت إزاي؟
هبة ردت:
ـ كانوا بيقولوا إنهم اتنقلوا لمكان تاني, لكن مكنش فيه مكان تاني.
كانوا بيخلصوا عليهم بعد ما ياخدوا اللي عايزينه منهم!
كلنا كنا مصدومين, هبة كملت:
ـ بدأت أخبي الدواء, كنت بعمل نفسي باخده, وبعدها أرميه, وده خلاني أقدر أركز.
وأشوف حاجات المرضى اللي كانوا بياخدوا الدواء مش قادرين يشوفوها.
سألتها:
ـ زي إيه؟
هبة كملت:
ـ التجارب...كانوا بيجربوا فينا!
سكت.
سيف قال بصوت مهزوز:
ـ طب ليه محدش بلغ؟
هبة ضحكت ضحكة صغيرة مليانة مرارة:
ـ يبلغ مين؟
الناس اللي كانوا ماسكين المصحة؟
ولا الناس اللي كانوا بيمولوا التجارب؟
ولا أهل المرضى اللي كانوا فاكرين إن ولادهم بيتعالجوا؟
هبه كملت:
ـ أنا كانت واحدة من اللي هربوا من هنا, لكن مش الوحيدة.
ابتسمت وهي بتقول:
ـ أنا كنت محظوظة, محدش سأل عني غير أمي واللي ساعتها قولتلها إني اتنقلت لمصحة جديدة بعد ما دي اتقفلت, بس للأسف سكتت وبقت بتدفع الفلوس كل شهر وخلاص!
آدم كمل:
أنا بدأت أدور على أختي, كل اللي كنت أعرفه إنها ماتت في مصحة.
لكن محدش كان قادر يقولي حصل إيه.
لحد ما وصلت للمكان ده, وبدأت أدور وراه, وقتها عرفت إن مــ.ـوتها مكنش طبيعي..
وقتها مروان انهار وقال:
أنا السبب!
آدم ابتسم وقاله:
إنت كنت جزء من الحكاية
نزل مروان على الأرض, لأول مرة كان حاسس بالذنب
بس آدم كمل:
ـ كان عندي اختيارين:
يا إما أبلغ. يا إما أحقق العدالة بنفسي!
سيف قاله:
انهي عدالة؟ قصدك تعذبنا؟
آدم رد:
ـ لأ, اخترت أخليكم تشوفوا...
تشوفوا الحقيقة !
بصيت لهبة وسألتها بسخرية:
وإنت ياهبة جزء من العدالة دي!
هبه اتكلمت بكل ثقة وقالت:
ـ أيوة.
سيف صرخ:
ـ وإنتوا ناويين تعملوا فينا إيه؟!
آدم بص للشاشة, وقال بهدوء:
ـ ده بقى العقاب, بس متخافوش مش هقـ.ـتلكم, ومش هسيبكم تمشوا.
كلكم هتفضلوا هنا في المكان اللي كانت فيه البداية.
يوسف ضرب الباب:
ـ يعني إيه هنفضل هنا؟!
آدم رد:
ـ يعني زي ما سمعت, هتفضلوا في المصحة, وكل واحد فيكم هيتعالج.
كريم ضحك بعصبية:
ـ يتعالج؟!
ـ إنت مجنون؟!
آدم تجاهله وكمل:
ـ أنا اللي هحدد العلاج, وأنا اللي هحدد مدته, وأنا اللي هقرر إمتى العلاج ينتهى.
سيف صرخ:
ـ وإنت فاكر إنك دكتور؟!
آدم رد بهدوء:
لأ. أنا مش دكتور.
بس أنا أكتر واحد عارف أنتم محتاجين إيه.
بصيت له بعدم تصديق:
ـ بس هما ملهمش ذنب!
آدم بصلي بغضب وقال بصوت عالي:
ـ إيه؟
قربت منه وهمست:
ـ هما ملهمش ذنب يا آدم! إنت بنفسك عارف إن مش هما اللي عملوا كل ده! هما ضحــ.ــايا زيك!
ملامح آدم اتغيرت وفجأة صوته بقى عالي:
ـ أنا اللي أقرر مين هيكمل ومين لأ!
المكان كله سكت.
آدم قرب مني وقال بعصبية:
أنا اللي دفعت التمن وجه وقت العقاب!
بس متخافوش، لو على أهاليكم , فأنا بلغت عنهم بكل الأدلة اللي جمعتها، وعرفت إنهم نقلوا نشاطهم لمصحة تانية، ودلوقتي كل واحد فيهم أكيد اتقبـ.ـض عليه ، فالحساب معاهم خلص... لكن حسابكم إنتوا لسه مخلصش!
سكت لحظة, وبعدين قال:
ـ إنت مش زيهم, عشان كده هتخرج.
اتصدمت وأنا بقوله:
ـ إيه؟
كمل:
ـ هتخرج من هنا يا إيهاب, هتعيش حياتك, وترجع لأهلك, وتنسى المكان ده لو قدرت وتنسى هبه, لكن عمرك ما هتنسى الحقيقة.
سكت مكنتش عارف أفرح ولا أزعل.
آدم قال من غير تردد:
ـ هما هيكملوا, وأنا وهبة... حبيبتي.
بص لهبة.
كانت بتبص له وبتبتسم وقال:
هنكمل مشوارنا.
بصيت لهبة, وبعدين لآدم.
وفهمت إن كل حاجة خلصت بالنسبة لي...
لكن بالنسبة لهم، كانت لسه بتبدأ.
قرب آدم من الميكروفون للمرة الأخيرة وقال:
أهلا بيكم في مغامرة جديدة من مغامراتنا يا أصحابي!
كلهم كانوا مصدومين محدش نطق بكلمة, شاورلي إني أخرج وراه, عملت كده فعلًا وخرجت لحد ما وصلنا للباب الرئيسي.
آدم فتحه.
لقيت العربية واقفة مكانها مستنياني.
وقفت لحظة وبصيت ورايا.
المكان اللي دخلته من كام يوم وأنا فاكر إننا داخلين مغامرة...
كان هو نفسه المكان اللي غير حياتنا كلنا.
بصيت لآدم وهبه وأنا مش لاقي كلام أقوله فجأة هبه قربت عليا وحضتني وهمست في ودني:
ابعد يا إيهاب وعيش!
بعدت عنها, وبصيت لها للمرة الأخيرة وسألتها:
ـ وإنتِ؟
ابتسمت وقالت:
ـ أنا اخترت طريقي.
رجعت خطوة وقفت جنب آدم, وقتها أنا اتحركت ناحية العربية ركبتها وخرجت.
بعدها الباب اتقفل ورايا بالسلسلة من تاني، فضلت واقف قدام المصحة ثواني.
بصيت للمبنى.
مكان مليان أسرار.
مكان مات فيه ناس.
ومكان اتعذب فيه ناس.
ومكان بدأ منه كل شيء.
لكن المرة دي...
أنا كنت بره.
وأصحابي كانوا جوه.
وآدم وهبة...كانوا لسه بيكملوا انتقامهم.
مشيت.
وأنا مش عارف إذا كنت هقدر أنسى اللي حصل, لكن كنت عارف حاجة واحدة.
إن الحقيقة لازم تتحكي.
يمكن لأن آدم اختارني أكون الشاهد.
يمكن لأن مفيش حد غيري خرج.
ويمكن...
لأن بعض الحكايات لما تبدأ, لازم حد يعيش عشان يحكي نهايتها.
ومن هنا بدأت حكايتي.
تمت بحمد الله















0 تعليق