رواية جحيم جدتي الفصل الثاني 2 بقلم محمود الأمين

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

رواية جحيم جدتي الفصل الثاني بقلم محمود الأمين

ناديت عليها وقلتلها: _ جدتي، إنتي كويسة؟ جدتي، إنتي بتعملي إيه؟

كنت سامع همس طالع منها. الفضول دفعني أرفع الملاية من عليها، ورفعتها.

أعوذ بالله على المنظر اللي شوفته! عينين جدتي كانت بيضا كلها، وكان نازل منهم خطين دم.

رجعت لورا، اتكعبلت ووقعت، وقومت أجري على أوضة بابا وماما. فضلت أخبط زي المجنون.

فتحلي بابا وقالي: = في إيه؟ مالك؟

_ قولتله على اللي شوفته.

قالي: = مفيش حاجة، ارجع أوضتك.

ولقيته رايح أوضة جدتي، وسمعته بيزعق معاها وبيقولها: = إنتي لو مبطلتيش الشغل بتاعك ده، أنا هطردك من هنا. أنا عندي عيال عاوز أربيها.

وخرج ورجع أوضته.

حاولت أنام تاني، لكني معرفتش وفضلت سهران لحد الصبح، لحد ما لقيت ماما بتندهني عشان الفطار.

رحت وقعدت على السفرة، كنت بحاول مبصش لجدتي، مش عاوز أفتكر المنظر اللي شوفته امبارح. لكن لاحظت حاجة غريبة، جدتي بتاكل من طبق واحد خاص بيها ومش بتاكل معانا.

فارس اتكلم وقال: _ هي جدتي مش بتاكل معانا ليه؟

ردت ماما بكلام فيه نوع من السخرية وقالت: = أصل جدتكم بتاكل الأكل من غير ملح.

بابا اتدخل وقال: _ بلاش كلام على الأكل، وكل واحد يخلص فطاره وعلى مدرسته.

أنا نسيت أقولك يا شيخ إني بدرس في كلية طب، وفارس كان في ثانوي، وجميلة كانت في إعدادي.

المهم رجعت أوضتي، مش قادر أروح الكلية. قلت هروح أنام شوية أعوض اليوم، ونمت.

معرفش نمت قد إيه، لكني صحيت على صوت ماما بتقولي: = الغدا جاهز.

قومت واتغديت، والمشهد بيتكرر، جدتي بتاكل من طبق خاص لوحدها.

اتغديت وخرجت شوية مع صحابي، والوقت سرقني ورجعت متأخر. البيت كله نايم. دخلت، لكن لقيت جدتي قاعدة على الأرض وبتـرسم حاجة.

قربت، كانت حروف بالمقلوب. بمجرد ما شوفتها حسيت إني بتخنق، وقلت: _ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

اتلفتت ليا جدتي وصرخت، وكل حاجة اختفت، ولقيت جدتي بتقوم وبترجع أوضتها بهدوء.

إيه اللي بتعمليه يا جدتي؟

مش عارف. المرة دي محكتش لحد، وعدى اليوم بشكل عادي، ويوم بيجر يوم ومفيش حاجة بتحصل تاني.

لكن في يوم قومت من النوم ولقيت دماغي تقيلة. بصيت في الساعة، 10 بالليل. قومت من مكاني وخرجت من الأوضة.

لقيت جدتي قاعدة مع أختي وبتـرسم حاجة على جبينها. قربت منهم، كانت نجمة خماسية.

شديت أختي من قدامها، وقلتلها: _ إنتي بتعملي إيه؟

وزعقت لجميلة وقلتلها: _ ادخلي لماما، عاوزاكي.

جدتي كانت مش بتتكلم خالص، بصالي وساكتة.

روحت أوضة ماما، لقيتها بتزعق وبتقول: = الست دي لا يمكن تقعد دقيقة تاني في البيت ده!

أبويا كان بيقولها: _ اهدي.

قالت: = لا مش ههدي!

وخرجت من الأوضة وأنا وراها، ودخلت أوضة جدتي وصرخت.

ليه؟

عشان لقينا تعبان كبير في أوضة جدتي.

بابا جه بسرعة ودخل الأوضة وشاف المنظر، جري جاب عصاية كبيرة ونزل ضرب على دماغه لحد ما مات.

في اللحظة دي جدتي دخلت الأوضة، وأول ما شافت المنظر صرخت وقالت: = مش هيسبوكم، هينتقموا منكم! اخرجوا بره!

ودي كانت أول مرة أسمع فيها جدتي بتتكلم.

خرجنا كلنا وقعدنا مع بعض، والكل متفق إن جدتي فوزية لازم تمشي، لكن سمعنا صوت صراخ مش طبيعي جاي من أوضة جدتي.

جرينا بسرعة وفتحنا الباب، وكانت الصدمة

لقينا اللي محدش يتوقعه، ومحدش عارف ده حصل إزاي. المنظر جوه بشع ومقرف لأقصى درجة، والريحة لا تطاق.

على السرير جث. ة جدتي، جسمها محروق متفحم، وكأنها لسه النار كانت ماسكة فيها من دقيقة.

ما بين صراخ أمي على المنظر وفقدان أختي الوعي، لاحظت إن حيطان الأوضة عليها حروف وأرقام مقلوبة، ورسمة لأفعى كبيرة زي اللي بابا قتلها بالظبط.

منظر جدتي وهي ميتة، لو هوصفه أقدر أقول إني شايف ست بتصرخ، سنانها متكسرة، ووشها المتفحم مخلي منظرها مرعب أكتر.

بلغنا طبعًا الشرطة اللي جات وفتحت تحقيق، وسبب الحريق إيه، واتقال عليها دجالة كانت بتمارس السحر.

لكن مش هنسي أبدًا لما جات المغسلة عشان تغسل جدتي وتكفنها. الست دخلت الأوضة، وبعد عشر دقايق خرجت بتصرخ.

دخلت الأوضة عشان أشوف فيه إيه. ودان ومنخير جدتي بيخرج منهم دود، أيوه دود أسود قذر! حاجة صعبة ومقرفة.

الست خلصت بالعافية بمساعدة أمي، ودفناها وعملنا العزا. والغريب محدش حضر لا جنازة ولا عزا.

ولما سألت بابا عن الكلام اللي بيتقال على جدتي وليه محدش حضر جنازة ولا عزا، قالي: _ بص يا أشرف، انسى كل حاجة تتعلق بالست دي. أقولك اعتبرها مجتش ولا سكنت معانا.

كلام بابا كان صارم جدًا، وبطريقة خلتني أخاف أسأله تاني عن جدتي.

حاولت أتناسى الموضوع وأرجع لحياتي، لكن واضح إن ده كان مش سهل.

بعد ما عدى على وفاة جدتي الأربعين يوم، كنت في يوم نايم، صحيت على صوت همس وأصوات متداخلة بشكل مش مفهوم.

الأوضة ضلمة، مش شايف حاجة. نورت نور الأباجورة وصرخت!

أختي جميلة واقفة في وشي، عينيها بيضا ونازل من عينيها خطين دم. ده نفس اللي حصل لما شوفت جدتي.

حاولت أتحرك، أنا اتشليت واتلزقت في السرير، مش عارف أتحرك.

لقيتني بقولها: _ مالك يا جميلة؟

ابتسمت بخبث وقالتلي: = أنا مش جميلة.

وبدأت تفتح بوقها، لسانها كان مشقوق زي التعابين.

عاوز أقرأ أي حاجة من القرآن أو أي أدعية، نسيت كل حاجة، دماغي تقِلت، وكل ده هي لسه واقفة في وشي.

لكن فجأة صوت أذان الفجر اللي كان نجدة ليا، واللي معاه بدأت ملامحها تتغير. وشها اسود، جلدها كرمش، وبدأ يطلع منها صوت وكأنها بتتعذب أو حد بيضربها، واختفت.

حاولت أقنع نفسي إن كل ده وهم، وإني كنت نايم، وإن كل ده كابوس.

وفي النهار لاحظت إن جميلة مش بتاكل وبتقلب في طبقها. ولما سألتها: _ مالك يا جميلة؟

قالتلي إنها بتشوف كوابيس وحشة، وبتحلم بجدتي وإنها عاوزة تاخدها معاها.

بابا وماما كانوا قلقانين من كلام جميلة، لكن أنا كانت في حاجة مخوفاني، أوضة جدتي اللي كانت عايشة فيها. الأوضة دي كان بيتعمل فيها بلاوي، قفلنا الأوضة كويس.

بابا قال إنه هينزل يجيب شوية طلبات، وفعلاً نزل، وأنا رحت الكلية، وكل واحد راح مصلحته.

وبعد ساعة جالي تليفون: _ ألو، مين؟

= أستاذ أشرف، والدك عمل حادثة وهو دلوقتي في المستشفى، ياريت تيجي بسرعة.

جريت على المستشفى، ووصلت. الدكتور قرب مني وابتسم لما عرف إني أشرف، وقال: = أبوك كويس، اطمن.

دخلت عشان أطمن عليه وقالي: = أنا كويس يا ابني.

_ قولتله حصل إيه؟ ده إنت حتى بتسوق كويس!

قالي: = مش هتسبينا يا ابني، هي السبب.

_ قولتله هي مين؟

قالي: = جدتك، أنا شوفتها في مراية العربية، كانت قاعدة في الكنبة اللي ورا.

طمنت والدي إن كل حاجة هتكون بخير.

رجعنا البيت، شغلنا قرآن. كنت متوقع تحصل حاجة، لكن مفيش أي حاجة.

نمت على صوت القرآن. صحيت في نص الليل من غير سبب، قومت من السرير وقلت أقوم أشرب فنجان قهوة.

وأنا داخل المطبخ شوفت اللي خلاني أرجع وأبص كويس.

دي أوضة جدتي مفتوحة!

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أنا قافلها بإيدي، اتفتحت إزاي؟

قربت منها بحذر، خايف وقلقان، وبصيت جوه الأوضة.

«بليغ بليغ، مهياش مهياش، ماقر ماقر، بحق هذه الأسماء، أجيبوا، وبحق خدام حرف الألف، توكلوا على صاحبة هذا الجسد».

أختي جميلة قاعدة، وقدامها كيان أسود مش باين منه أي ملامح، حاطط إيده على راسها ويكرر الكلام ده.

دخلت الأوضة وأنا بقول: _ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرف، انصرف!

اختفى، وأختي فقدت الوعي.

ومن يومها البيت بقى جحيم. كل يوم مصايب، وأختي بقيت مربوطة في السرير، على جسمها بقع زرقا وهالات سودا تحت عينيها، عشان لما بنفكها بتأذينا وتأذي نفسها.

لحد لما قابلت واحد صاحبي في الكلية معايا اسمه عماد، من بلدكم، وهو اللي دلني عليك وقالي إنك هتقدر تحل مشكلتي.

خلص أشرف كلامه، وأنا في حالة من الصمت.

وقالي: = العمل إيه يا شيخ صادق؟

_ قولتله لازم أجي البيت ده بنفسي، بس اللي فهمته إن التعبان اللي والدك قتله كان خادم سحر، وده السبب في المصايب اللي بتحصل.

_ إنت بيتك فين؟

= في القاهرة.

كده فيه مشكلة، أنا هسيب عيلتي وأسافر إزاي دلوقتي؟ معلش يا ابني، أنا كل الحالات اللي بعالجها من أهل البلد، إنت أول حالة من بره.

رد عليا وقال: = البيت كبير جدًا يا شيخ صادق، هات مراتك وولادك معاك.

بدأت أعقل الكلام وقلتله: _ ربنا يسهل.

وطلبت منه يستناني هنا في الجامع، وهرجعله. ورحت البيت وقلت لمراتي: _ هنروح القاهرة في حالة مستعجلة هناك، والراجل لجألي وأنا مش هكسفه. جهزي حالك إنتي والعيال عشان هنسافر القاهرة النهارده.

معلقتش، قالتلي: = حاضر.

ورجعت قعدت مع أشرف لحد ما اتصلت بيا وقالتلي: = إحنا جاهزين.

أخدتها هي والعيال، وكان معانا الأستاذ أشرف، وركبنا القطر في طريقنا لبيت الجحيم على حسب وصف أشرف.

وصلنا تاني يوم الصبح للبيت. بيت كبير من دورين، أشبه بفيلا من الخارج.

دخلنا ورحبوا بينا والد ووالدة أشرف وفارس أخوه. أخدنا أوضتين في الطابق التاني.

وبعدها أنا نزلت وقلتلهم: _ عايز أشوف جميلة.

دخلوني أوضة، وجوه الأوضة بنت شابة مربوطة على السرير، نحيفة هزيلة، تحت عينيها سواد وجسمها مليان بقع زرقا.

اتكلمت وقلت: _ أعوذ بالله من كل شيطان مريد. أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

صرخت وقالتلي بصوت تخين غليظ: = اخرج بره! هأذيك يا صادق، إنت مش قدي! خد مراتك وعيالك وامشي من هنا يا صادق!

قريت آية الكرسي، عينيها نزل منها خطين دم.

سمعت صوت صرخة جاية، لكن من بره.

خرجت أجري، وكانت الصدمة!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق