مع تزايد اعتماد الأجيال الناشئة على التكنولوجيا، لم تعد محاولات جماعة الاخوان الارهابية وأقرانها من الجماعات المسلحة لاستقطاب المراهقين والأطفال محصورة في اللقاءات المباشرة عبر استغلال دور العبادة والكتاتيب والمدارس ودور الرعاية التى طالما طوعتها الجماعة لاستقطاب الشباب والأطفال والتغرير بهم من مدخل الدين، بل انتقلت إلى البيئات الرقمية اليومية لتستغل الفضاء الرقمية وغياب الرقابة عليه ونقص التشريعات المنظمة له لجعله أداة لتجنيد جيل جديد من الارهابيين عبر العالم لضخ دماء جديدة لتنظيمها الدولي.
وتتصاعد التحذيرات والمخاوف الدولية والمحلية من توظيف المحتوى الترفيهي، والهدايا الرقمية، والحوافز المالية عبر منصات التواصل والألعاب الإلكترونية لبناء علاقات تدريجية مع القاصرين، بهدف توجيههم نحو أهداف أيديولوجية وتنظيمية مشبوهة وغسيل الأموال.
وتشمل الدوائرالمستهدفة تطبيقات مثل "تيك توك" و"يوتيوب كيدز"، إلى جانب غرف الدردشة والمحادثات في ألعاب جماعية واسعة الانتشار مثل "ببجي"، و"روبلوكس"، و"فري فاير".
وتعتمد شبكات الاستقطاب على تقديم حوافز كشحن أرصدة الألعاب، أو إرسال أموال عبر المحافظ الإلكترونية، أو تقديم هدايا افتراضية مقابل مهام بسيطة مثل متابعة حسابات أو نشر تعليقات، لتحويل التواصل شيئاً فشيئاً إلى علاقة "منفعة" أو صداقة مصطنعة.
وغالباً ما تبدأ القصة بمحتوى ديني مبسط أو أسئلة تثير الفضول على الحسابات المفتوحة، قبل دفع الضحايا للانتقال إلى تطبيقات مشفرة ومغلقة مثل "تلجرام" و"ديسكورد" حيث يصعب على الأسرة الرقابة والمتابعة.
وكشفت دراسة لليونيسف في أكتوبر 2025 عن ذلك، وحذر مكتب البحوث والاستراتيجية التابع للمنظمة من استغلال الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية لخصائص بيئات الألعاب والمجتمعات الافتراضية لاستدراج اللاعبين الصغار نحو أنشطة عنيفة، مشددا على أن الخطر لا يكمن في اللعبة بحد ذاتها، بل في استغلال مساحات التواصل لبناء علاقات استغلالية.
وتناولت دراسة صادرة عن المفوضية الأوروبية فى سبتمبر الماضي، أضرار فضاءات الألعاب الرقمية وديناميات التجنيد، مؤكدةً أن هذه البيئات قد تُستغل في التطرف العنيف والاستغلال، ومشددة على أهمية معالجة المنظومة الرقمية بالكامل وليس الاكتفاء بمراقبة المحتوى داخل اللعبة فقط.
ووثقت تحقيقات لإذاعات ألمانية "بافاريا" و"جنوب غرب ألمانيا"، حالات استدراج مراهقين لدوائر مؤيدة لتنظيمات متطرفة مثل "داعش" عبر مسارات بدأت بمقاطع دينية وانتهت بتكليفهم بمهام ميدانية أو محاكاة عمليات افتراضية.
وأشارت التقارير إلى استخدام جماعة الإخوان والجماعات المسلحة المحافظ الإلكترونية والعملات المشفرة لتقديم المكافآت وتجنب الرقابة والتتبع الأمني، وفي حين تشكل هذه الأدوات تحدياً أمام الأجهزة الرقابية عند تقديمها في صورة مبالغ صغيرة أو مكافآت دورية، يؤكد الخبراء أن وجود تحويل مالي وحده لا يكفي دليلاً على التجنيد، ما لم يُدرس سياق المعاملة والطلبات المرتبطة بها.
وأجمعت التوصيات الواردة في التقارير على أن حماية النشء تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز مجرد استخدام برامج الرقابة الأبوية، وضرورة بناء جسور الثقة والحوار المستمر مع الطفل، لتشجيعه على إبلاغ عائلته حال تعرضه لأي طلب مريب كمعلومات شخصية أو إخفاء محادثات، مع تجنب ردود الفعل العنيفة التي تدفع الأطفال للكتمان، ونشر التوعية في المدارس ومراكز الشباب حول مخاطر التحديات الإلكترونية والتواصل مع المجهولين، وتطوير آليات الإبلاغ والرقابة، ومراجعة الحسابات التي تستهدف القاصرين وتحرض على العنف، بالتنسيق مع الجهات المختصة لضمان بيئة رقمية آمنة وموثوقة.
وتأتي هذه التحذيرات المتصاعدة في ظل التحول الجذري لطبيعة المخاطر السيبرانية الموجهة للأطفال، إذ لم تعد التهديدات الرقمية تقتصر على الجرائم التقليدية كالتنمر الإلكتروني أو الابتزاز المالي العادي، بل تطورت إلى عمليات "تجنيد ممنهج" تعتمد على علم النفس السلوكي وتقنيات التلاعب العاطفي.
وتستغل هذه الشبكات مراحل الفراغ الفكري أو البحث عن الهوية لدى المراهقين، لترسخ مفاهيم الولاء والانتماء عبر محتوى رقمي يبدو في ظاهره ترفيهياً أو توعوياً، لكنه يخفي أجندات خطيرة تُدار باحترافية عالية عبر الخوارزميات وشبكات التواصل الخفية، ما يجعل المواجهة أبعد ما تكون عن مجرد حجب تطبيق أو منع لعبة.
وأكدت تقارير لجهات دولية متخصصة اتساع هذه المخاطر على مستوى العالم، وكشف الجدل الأوروبي المتصاعد حول جماعة الإخوان عن تباين واضح في مقاربة الدول الأوروبية للتهديدات المرتبطة بالإسلام السياسي، سواء على مستوى التوصيف الأمني أو الأدوات القانونية المستخدمة لمواجهته. وبينما اتجهت بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات بحق كيانات أو أنشطة مرتبطة بالجماعة، ما يزال الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى موقف موحد بشأن تصنيفها، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل عدد من البرلمانات والمؤسسات الأوروبية إلى إعادة تقييم طبيعة نفوذها وشبكاتها.


















0 تعليق